dimanche 3 mai 2026
كتاب الرأي

عبداللطيف مستكفي: تبضيع الديمقراطية: من الترحال البرلماني إلى سوق الانتقالات الحزبية

عبداللطيف مستكفي: تبضيع الديمقراطية: من الترحال البرلماني إلى سوق الانتقالات الحزبية عبداللطيف مستكفي

كل العناء الفكري و الفلسفي الذي بدله أفلاطون و ارسطو عبر جدال الحجاج و الإقناع، و كل محاولات الحاكم،الحكيم  بيريكليس في الدفاع عن الديمقراطية المثالية ، و كل تفاصيل ديمقراطية الرومان مع المحامي شيشرون، لم تستطيع الصمود أما رياح الإنحراف و العبث بالعمل السياسي.

 

استمر هذا المشروع الديمقراطي الكبير في أوربا في عصر النهضة مع ميكيافيل و ليوناردو دافنتشي ومع قائدي الإصلاح الديني جون كالفان و مارتن لوتر. و استمرت قيادة سفينة المشروع الديمقراطي رفقة  فلاسفة و مفكري عصر التنوير من أمثال اليكسيس دوكتفيل و فولتير و مونتيسيكيو صاحب كتاب روح القوانين و المدافع الشرس عن مبدأ فصل السلط، و كانوا أوفياء للفكر اليوناني و الروماني، واجتهدوا في تطوير جوهر الديمقراطية باعتبارها تجسيدا للتمثيلية الحقيقة و فضاء للتناوب الديمقراطي، و أجمع مفكرو العقد الاجتماعي ( هوبس و جون لوك و جون جاك روسو) على فكرة الانتقال من مرحلة مجتمع الفوضى إلى مرحلة المجتمع المنظم.

 

لم يكن الفكر السياسي الإسلامي بمعزل عن النقاش الذي انصب حول الحكم الراشد و كان له نصيبه في البناء عبر جدل الاشاعرة و المعتزلة. ناهيك عن اجتهادات ابن رشد الجد صاحب كتاب "تهافت التهافت" و ابن رشد الحفيد صاحب كتاب "بداية المجتهد و نهاية المقتصد"

 

و كان للأدب السلطاني نصيبه في وضع تصور لأحسن نظام للحكم من قبيل أبي الحسن الماوردي صاحب كتاب" الأحكام السلطانية و الولايات الدينية" و المالقي صاحب كتاب" الشهب اللامعة في السياسة النافعة".

كل هذه الأسس النظرية الديمقراطية و الاجتهادات الفكرية التي سعت إلى تحقيق هدف الحكم الراشد تصطدم اليوم بممارسات تضرب في العمق الإرادة الشعبية و تسوق لمشهد سياسي مليئ بالاختلالات رغما عن سمو و رقي الوثيقة الدستورية و جميع القوانين، التي يتم اجهاضها عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

 

لقد أصبح السباق نحو التزكيات شبيها بالرفس على قيم الشفافية و النزاهة و الكفاءة، لنجتهد في إنتاج قاموس سياسي خاص بنا يضم مصطلحات من قبيل: "سماسرة الانتخابات" و "مول الشكارة" و " فراقشية الانتخابات" و " التوريث السياسي" و " العائلة البرلمانية" و " الاتجار في التزكيات بالبيع والشراء".

 

لقد بلغت جرأة بعض أشباه السياسيين مستوى التحايل على القوانين وضرب الإرادة الشعبية، حيث لم يخجل هؤلاء من تقديم طلب طردهم من الحزب لضمان استمرار عضويتهم بالمجالس الجماعية  التي ينتمون إليها بدون لون سياسي من جهة و كذلك لكسب رهان الانتخابات التشريعية بلون سياسي جديد من جهة أخرى.

 

نمني النفس بالتغيير و لكن نفس المشهد المقزز يعاد تكراره و تبرز على السطح إشكالية العلاقة بين الأحزاب السياسية و البرلمان و تعود للواجهة انتقادات باحثين و علماء سياسة رحلوا و لم تدفن معهم أفكارهم، بل مازلت على قيد الحياة من أمثال كلود بلازولي صاحب مقولة " الموت البطيء للحركة الوطنية" في إشارة منه إلى تراجع دور الأحزاب السياسية. و ألان كليس صاحب مقولة " الدور التمثيلي للبرلمان بالمعنى المسرحي" لا المعنى الديمقراطي.

عبداللطيف مستكفي، أستاذ القانون الدستوري و العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني الدارالبيضاء. 
رئيس مركز البديل للدراسات القانونية و السوسيولوجية.*الفكر النقدي