يرى إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، إن مساهمة مغاربة العالم أساسية في جميع المجالات، منها حيويتهم في مختلف الحقول الثقافية تسهم في إغناء ثقافات بلدان الإقامة، كما تثري الثقافة المغربية، وأن إسهام الهجرة المغربية، لا يقتصر على مستوى الأسر أو على الاقتصاد بصفة عامة فحسب، بل يتجاوز ذلك بكثير، مثل الاستثمار (حيث هناك الكثير مما ينبغي القيام به)، ومساهمة جمعيات المهاجرين في التنمية الترابية، والإبداع الثقافي، ومجال الألعاب الإلكترونية.
وكتب اليزمي في افتتاحية دليل ( كاتالوغ) الخاص بالبرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط ما بين 30 أبريل و10 ماي الجاري، " إننا نعيش اليوم في عالم تتزايد فيه حدة المنافسة على الموارد البشرية بشكل ملحوظ، لا سيما فيما يتعلق بالكفاءات العالية، ولكن أيضا في قطاعات مثل الفلاحة والمطاعم، وكذا مهن الرعاية الصحية (كالتمريض ومساعدي التمريض...)".
وفي هذا الصدد، رجح أن تتعاظم الحاجة إلى هذه الكفاءات لمواجهة التحديات المرتبطة بالأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة . غير أنه أثار الانتباه في نفس الوقت إلى أن أحد المجالات التي تتجلى فيها مساهمة مغاربة العالم بوضوح هو المجال الثقافي. فحيويتهم في مختلف الحقول الثقافية تسهم في إغناء ثقافات بلدان الإقامة، كما تثري الثقافة المغربية، إذ في الماضي كما في الحاضر، تتبلور الحداثة المغربية وتتنامى ملامحها هنا وهناك، عبْر تجديد الانتماء، ومن خلال الوفاء له والانفتاح.
وخلافا لتصور شائع، ذكر رئيس مجلس الجالية، بأن الهجرة المغربية، تمتد لأكثر من قرن من الزمن مشيرا إلى أنه منذ منتصف القرن التاسع عشر، شدّ آلاف المغاربة من منطقة الريف الرّحال نحو منطقة وهران الجزائرية، التي كانت آنذاك تحت الهيمنة الاستعمارية، حيث بفضلهم وبفضل مهاجرين أندلسيين تم تطويرها حيث استمرت هذه الهجرة إلى غاية اندلاع حرب التحرير الجزائرية سنة 1954، لتنتهي بشكل مأساوي مع طرد آلاف المغاربة من الجزائر سنة 1975.
وأضاف أن الحرب العالمية الأولى، أعادت تنشيط الهجرة، مع قيام فرنسا بتعبئة عشرات الآلاف من الجنود والعمال من المستعمرات. وقال " يبين لنا هذا الحدث التأسيسي العلاقة بين الاستعمار والهجرة، ويكرس البعد العسكري في تاريخ الهجرات المغربية، وهو تاريخ طويل ستتقاسمه مع سكان بلدان أخرى من مستعمرات فرنسا، التي كانت آنذاك في أوج قوتها"، مؤكدا في هذا الصدد بأنه ليس من قبيل الصدفة، أن تكون الجالية المغربية في فرنسا لا تزال حتى اليوم الأكبر في العالم، رغم أن الهجرات المغربية، قد أصبحت معولمة (حيث إن 80 % من المغاربة في العالم يقيمون مع ذلك في أوروبا) وأصبحت إلى حد كبير مؤنثة (حوالي 50%).
كما أشار اليزمي إلى تحوّلين آخرين: من جهة، شيخوخة الأجيال الأولى وبروز الأجيال الشابة، المولودة والمترعرعة في بلدان الإقامة؛ ومن جهة أخرى، التطور السوسيوثقافي، حيث إن ما يقارب مهاجرا مغربيا واحدا من كل خمسة يتوفر على مستوى تعليمي جامعي ملاحظا بأنه في الواقع، هناك دينامية مزدوَجة، تتمثل من جهة في تجذّر سريع داخل مجتمعات الاستقبال (كما يظهر ذلك، على سبيل المثال، ارتفاع معدلات التجنيس، بما في ذلك لدى الأجيال الأولى)، ومن جهة أخرى في تعزيز الارتباط، بمختلف أشكاله، بالبلد الأم، بما في ذلك لدى الفئات الشابة.
وأكد بأن هناك تتعدد دوافع الهجرة المغربية، فهي عسكرية واقتصادية (مرتبطة أولا بحاجيات الدولة المستعمِرة...........، ثم ابتداء من ستينيات القرن العشرين بحاجيات باقي الدول الأوروبية) وثقافية هذه الأخيرة تعد على الأرجح الأقل معرفة لدى عموم الناس، وتتجلى بأشكال مختلفة في تاريخ الهجرة. وذكر بأنه منذ فترة ما بين الحربين، بدأت سرديات الرواد الأوائل من العمال والجنود في الانتشار؛ إذ ترسّخ ما يمكن تسميته بتطلّع ملح نحو الحركية. كما شهدت عشرينيات القرن العشرين مغادرة أوائل الطلبة نحو فرنسا، وكذلك نحو جامعات فلسطين (نابلس) ومصر وسوريا.
وفي ذات السياق أشار اليزمي إلى أن طلبة فرنسا أسسوا سنة 1927 جمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا بفرنسا، التي شكلت فضاء محوريا لتكوين النخب الوطنية المغاربية إلى غاية منتصف سبعينيات القرن العشرين، كما شهدت ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، لاسيما في القاهرة، بروز حركة مغربية ومغاربية، مماثلة نابضة بالحيوية، كانت لها آثار ممتدة في الزمن. وذكر بأنه منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وصل أوائل المغنين المغاربة إلى باريس، من بينهم حسين السلاوي والحاج بلعيد. ثم تبعهم، خلال خمسينيات القرن الماضي، أوائل الفنانين التشكيليين، مثل الجيلالي الغرباوي سنة 1952، وفريد بلكاهية سنة 1955، وأحمد الشرقاوي سنة 1956.
في حين كان إدريس الشرايبي، سنة 1955 تحديدا، يوضح اليزمي، قد أمضى بباريس، نحو عقد من الزمن، ونشر في السنة نفسها روايته "التيوس"، حيث تلقى خلال الفترة ذاتها، أوائل السينمائيين المغاربة تكوينهم في باريس؛ فبعد أحمد بلهاشمي، الذي التحق بالمعهد العالي للدراسات السينمائية سنة 1950، تبعه عدد من المخرجين المغاربة، من بينهم محمد عفيفي وأحمد البوعناني ومحمد عبد الرحمن التازي، ثم مومن السميحي وحميد بناني وغيرهم، الذين تابعوا دراستهم في المؤسسة الباريسية الشهيرة. وعلى خطى الحاج بلعيد وحسين السلاوي، شهدت خمسينيات القرن العشرين توافد عدد من المغنين المغاربة إلى باريس، من بينهم الرائد عبد الوهاب أكومي، الذي وصل إليها بعد إقامة أولى في القاهرة. ثم تبعه كل من محمد فويتح وأحمد جبران وغازي بناصر وسامي المغربي ولطيفة أمل وإسماعيل أحمد وأحمد سليمان شوقي وغيرهم.
وخلص إدريس اليزمي إلى القول إن عشراتِ المواهب التي تبرز اليوم في أوساط الجالية، في مختلف المجالات (الأدب، السينما، الفنون التشكيلية، النحت، التصوير، الموسيقى، الرقص، وبطبيعة الحال الرياضة)، تواصل هذه المسيرة الطويلة بأساليب مغايرة. وانطلاقا من انتمائها المزدوج، تعبر هذه المواهب بحرية، وبأدوات عصرها، عن تطلعها إلى تقبّل هذا التنوع، ورفضها للتصنيفات النهائية، في الجامعة، وفي عالم البحث العلمي، وقطاع الأعمال، تؤكد آلاف الكفاءات بدورها التحولات الجارية.
كما اعتبر إن هذا التذكير التاريخي، وإن كان بديهيا، يظل ضروريا لإبراز أن إسهام الهجرة المغربية لا يقتصر على مستوى الأسر أو على الاقتصاد بصفة عامة فحسب، بل يتجاوز ذلك بكثير مضيفا فكما أكدت خطابات ملكية حديثة (غشت 2022 ونونبر 2024)، فإن مساهمة مغاربة العالم أساسية في جميع المجالات، وتتبلور في الماضي كما في الحاضر، الحداثة المغربية وتتنامى ملامحها هنا وهناك، عبْر تجديد الانتماء، ومن خلال الوفاء له والانفتاح.

