samedi 2 mai 2026
كتاب الرأي

خديجة الكور: نموّ بلا إنصاف.. حين يُفكّك تقرير البنك الدولي 2026 سرديةَ التميز الاقتصادي لحكومة أخنوش

خديجة الكور: نموّ بلا إنصاف.. حين يُفكّك تقرير البنك الدولي 2026 سرديةَ التميز الاقتصادي لحكومة أخنوش خديجة الكور

في 28 أبريل 2026، أصدر البنكُ الدولي تقريراً استراتيجياً حول المغرب تحت عنوان: «تسريع النمو، جذب الاستثمار الخاص، وخلق فرص الشغل عبر إصلاحات هيكلية». وخلف هذا العنوان التقني المحايد، تنبسط قراءةٌ نقدية صارمة تُعرّي مفارقةً جوهرية: اقتصادٌ يُقدَّم بوصفه نموذجاً للنجاح، لكنه ما يزال عاجزاً عن تحويل نموّه إلى عدالة اجتماعية ملموسة، وإلى إدماج إنساني يُنصف الناس في واقعهم اليومي.
 

في لحظة سياسية تتكثّف فيها خطاباتُ «الأداء الاقتصادي» و«جاذبية الاستثمار» و«الإنجازات القطاعية»، يأتي هذا التقرير ليضع مسافةً نقدية بين الخطاب والواقع، ويؤكّد أن النمو المحقَّق لم ينجح بعدُ في إنتاج فرص شغل كافية، ولا في تخفيف ثقل الحياة عن كاهل المواطنين، ولا في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تتسع بصمتٍ مؤلمٍ داخل المجتمع.
تكشف معطياتُ التقرير عمقَ هذا الاختلال البنيوي. فالاقتصاد الوطني يُسجّل سنوياً عجزاً يقارب 370 ألف فرصة شغل قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وكأنّ أبوابَ الاقتصاد تُفتح جزئياً ثم تُوصَد في وجه أجيال كاملة تبحث عن موطئ قدمٍ كريم. كما أنّ نحو 70% من الوظائف تظل غير مهيكلة أو هشّة، مما يعني أن الغالبية العظمى من الشغيلة تعيش خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية، في هشاشةٍ صامتة تُثقل الحياة اليومية وتُضعف الشعور بالأمان الاقتصادي.
 

ويُشير التقرير كذلك إلى أن إنتاجية العمل في المغرب ما تزال دون مستوى الدول ذات الدخل المتوسط المماثل، مع تمركز جزء مهم من النشاط في قطاعات منخفضة القيمة المضافة. وهو ما يجعل الثروةَ تُنتَج دون أن تتسع دائرتُها، وتُراكَم دون أن تُترجَم إلى أثرٍ اجتماعي عادل.
وتُظهر المعطيات الموازية أن الاقتصاد الوطني يُنتج نمواً لا ينعكس بالقدر الكافي على حياة الناس. فمعدلات الفقر متعدد الأبعاد لا تزال تقارب 10%، بينما تتسع جيوبُ الهشاشة في القرى والهوامش، حيث تتحوّل الحياة اليومية إلى مجابهةٍ مستمرة مع القلّة وغياب الفرص. ويظل التفاوتُ في الدخل حاداً، يعكس استمرارَ اختلالات بنيوية في توزيع ثمار النمو.
وتزداد الصورةُ قتامةً حين نتأمّل وضعَ الشباب: فمعدل البطالة لدى الشباب الحضري يتجاوز 30% في بعض الفئات، في مشهدٍ يعكس قلقاً اجتماعياً عميقاً، يقف فيه جيلٌ كامل على حافة الانتظار الطويل بين الشهادة والفراغ. أما بطالةُ حاملي الشهادات العليا فتظل من أعلى المعدلات، في مفارقةٍ موجعة تُحوّل مسارَ التعليم إلى طريق لا يُفضي دائماً إلى الإدماج. خلف هذه الأرقام وجوهٌ تنتظر، وأحلامٌ تتآكل ببطء، وطموحاتٌ تُؤجَّل دون تاريخ واضح للعودة.
 

أما النساء، فلا تتجاوز مشاركتُهن في النشاط الاقتصادي 20% في المتوسط، رغم ارتفاع مستويات تعليمهن. وكأنّ المجتمع يترك جزءاً واسعاً من طاقته الحيّة معطّلاً على هامش الدورة الاقتصادية. مفارقةٌ لا تُضعف العدالة الاجتماعية فحسب، بل تُفقد الاقتصادَ نفسه إمكاناتِ نموٍّ كان يمكن أن تكون حاسمة، ورافعةً لإنصاف الرأسمال البشري الوطني في آنٍ واحد.
وتُشير المعطياتُ المرتبطة بهذا الرأسمال البشري إلى استمرار فجوةٍ واضحة بين منظومة التكوين وسوق الشغل، وإلى محدودية قابلية التشغيل لدى نسبة مهمة من الخريجين. أزمةٌ أعمقُ من مجرد نقصٍ في المناصب؛ إنها أزمةٌ في مواءمة الحلم مع الواقع، والمسار التعليمي مع آفاق الحياة المهنية.
 

ويُبرز التقريرُ أنّ القطاع غير المهيكل ما يزال يستوعب نسبةً مرتفعة من التشغيل، بما يعكس استمرارَ اقتصادٍ يعيش جزءٌ كبير منه خارج الضوء، حيث يشتغل الناس دون عقود، ويعيشون دون ضمانات، ويواجهون المستقبل بلا حماية.
أما المجال القروي، فيظل عنواناً صارخاً للاختلال المجالي، إذ تتجسّد الفوارقُ هناك في الدخل والولوج إلى الخدمات والفرص. حيث تشتغل الأرضُ بصمت، يعيش الإنسانُ هشاشةً مضاعفة، تتقاطع فيها قلّةُ الموارد مع شُحّ البدائل، ومع تقلبات المناخ والاقتصاد معاً.
ويُلاحَظ أنّ الاستثمارَ العمومي، رغم حجمه المهم، لا ينعكس دائماً بالفعالية المطلوبة على الواقع الاجتماعي، بما يفتح سؤالاً عميقاً حول أثر السياسات العمومية، وحول المسافة الفاصلة بين ما يُرصَد في الميزانيات وما يُترجَم في حياة الناس.
 

وفي ما يخص القطاعاتِ الاجتماعية، يعترف التقريرُ بالمجهودات المبذولة، خاصةً في تعميم الحماية الاجتماعية، غير أنّ الأثرَ الفعلي لهذه السياسات يبقى محدوداً. فجزءٌ مهم من المواطنين لا يزال خارج التغطية الفعلية أو يعيشها منقوصة، بينما تظل جودةُ الخدمات في التعليم والصحة دون مستوى التطلعات، ودون ما يحتاجه المواطن المغربي ليشعر بكرامته كاملةً غير منقوصة.
 

ويكتسب محورُ الحكامة في هذا التقرير أهميةً مركزية. فبدون خطاب سياسي مباشر، يُشير التقرير إلى محدودية فعالية الإنفاق العمومي، وإلى الحاجة إلى تعزيز المنافسة وتقليص العوائق أمام ولوج الفاعلين إلى السوق. إشاراتٌ تقنية في ظاهرها، لكنها تُحيل في عمقها إلى أسئلة العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص. كما يُلاحظ أنّ نسبةً مهمة من القطاعات ما تزال تعاني من ضعف المنافسة، بما يُفضي إلى تركّز الفرص في يد قلّة، ويحدّ من دينامية الاقتصاد وقدرته على الإنصاف.
 

في المحصلة، يكشف التقريرُ عن انفصالٍ واضح بين النمو الاقتصادي والإدماج الاجتماعي. فالمؤشرات الكلية، مهما بدت إيجابية، لا تعكس بالضرورة دفءَ الحياة اليومية، ولا تُخفّف من ثقل المعيشة، ولا تُترجم طموحَ الناس إلى واقع ملموس.
وأخطرُ ما يكشفه هذا التقرير ليس الأرقامَ وحدها، بل الصمتَ الذي يرافقها: صمتُ أُسرٍ تُصارع، وشبابٍ ينتظر، ونساءٍ يكدحن في الظل دون اعترافٍ كافٍ، ومجالاتٍ قروية تُقاوم النسيان. إنه نموذجٌ يُنتج الثروة دون أن يوزّعها بالعدل، ويُراكم النمو دون أن يُخفّف الألم، ويُحسّن المؤشرات دون أن يُنصف الإنسان.
 

لقد انتهى زمنُ اعتبار النمو وحده معياراً للنجاح. فالنمو الذي لا يتحوّل إلى شغل كريم، ولا يُنصف الشباب، ولا يفتح أمام النساء أبوابَ المشاركة، ولا يرفع الغبنَ عن المجال القروي، ليس نجاحاً اقتصادياً، بل خللٌ عميق في معنى التنمية ذاته.
وإذا كان الخطابُ الرسمي يواصل تقديمَ هذا المسار بوصفه مسارَ نجاح، فإنّ الواقع الاجتماعي، بكل ثقله وهدوئه المؤلم، يقول شيئاً آخر: لا يمكن لأيّ نموٍّ أن يُسمَّى نجاحاً ما دام الإنسان نفسه خارج معادلته.
إمّا أن يصبح النموُّ شاملاً وعادلاً، أو يظلّ مجردَ رقمٍ بارد في تقاريرَ دولية، لا يلامس وجعَ الناس، ولا يُغيّر من حياتهم شيئاً.

خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات