مر على تنظيم أعرق جائزة لبطولة فنون الفروسية التقليدية بنادي دار السلام بالرباط، من طرف الجامعة الملكية للفروسية، تحت إشراف المؤسسة الملكية، أكثر من 25 سنة. وهي الجائزة المرتبطة بتثمين وتحصين موروث تراثنا الشعبي "التّْبَوْرِيدَةْ"، بعد أن تحقق مكسب إدراجها كـ "تراث لامادي" ضمن قوائم صون التراث من طرف منظمة اليونيسكو سنة 2021.
ومن المعلوم أن منافسات هذه الجائزة العريقة، كانت قد انطلقت فعالياتها الأولى خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي، بغرض تعزيز وتحصين فن ورياضة التبوريدة كتراث شعبي، والحرص على جودة التنافس الشريف، ومواكبة تطوير نسل ثروتنا المغربية من الخيول البربرية والعربية البربرية، إلى جانب رد الإعتبار والمحافظة على تنوع مدارس وطرق التبوريدة الأصيلة، إلى جانب خصوصية الزّي واللباس التقليدي، ومختلف لوازم ومستلزمات هذا التراث الاستثنائي في شقه المتصل بالصناعة التقليدية.
وكانت الشركة الملكية لتشجيع الفرس تحت إشراف الجامعة الملكية للفروسية وعدة شركاء قد أطلقوا برنامج خارطة طريق النهوض بالقطاع، من خلال " برنامج رؤية 2030" الذي تضمن مجموعة من المحاور والإجراءات تروم المحافظة على كنوزنا ورصيد هويتنا.
في هذا السياق، ومنذ أكثر من عقدين، أعطت جريدة "أنفاس بريس" أهمية قصوى للترافع عن تراث فن ورياضة التبوريدة، باعتبارها مظهرا من مظاهر الفروسية التقليدية، سواء على مستوى التنبيه إلى العناية والاهتمام بالصناع والحرفيين، وتطوير الجانب المهني في ميدان الصناعة التقليدية المنتجة لكل لوازم ومستلزمات الفارس والفرس. أو على مستوى تربية وتحسين النسل وتألق الخيول العربية، والعربية البربرية. دون أن نفرط في الدفاع والترافع عن حقوق الفرسان والجمهور من خلال مطلب إحداث محارك خاصة بهذا التراث للنهوض بكل جوانبه وحقوله التراثية الموسومة بشعار "من العالم القروي إلى العالمية".
في هذا السياق، واكبت جريدة "أنفاس بريس" أغلب التظاهرات والبرامج الإشعاعية، بما فيها تقاسمنا مع القراء والمهتمين، مضمون برنامج الشراكة التي تم توقيعها سابقا، والموسومة بـ "عقد برنامج التبوريدة ـ رؤية 2030 " بين الجامعة الملكية المغربية للفروسية ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إلى جانب الشركة الملكية لتشجيع الفرس، وكتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية، ثم الجمعية الوطنية لفن التبوريدة.
ومن المعلوم أن هذه الإتفاقية/الشراكة كانت قد تبنَّت وحسمت في عدة مشاريع مستقبلية تروم النهوض بالقطاع على جميع المستويات، من خلال تسطير عدة إجراءات ذات طابع استعجالي من أجل تثمين فن الفروسية التقليدية، والنهوض بقطاع الصناعة التقليدية، إلى جانب تحصين وحماية المنتوجات المجالية ذات الروافد والخصوصيات المتنوعة المرتبطة بأغراض ومرفقات التبوريدة. علاوة عن ضرورة حماية تراثنا اللامادي من القرصنة والعبث.
في هذا السياق، تسجل جريدة "أنفاس بريس" بادرة انطلاق برنامج استفادة بضع منتجات حقل التبوريدة من العلامة الوطنية للصناعة التقليدية، في أفق تعزيزه بنظام لتصنيف جميع الحرفيين في القطاع، على اعتبار أن الأمر يهم بالتحديد حرفيي وصناع "السَّرْجْ" وصناعة "لَمْكَاحَلْ"، إلى جانب حرفيي وصناع "الّلباس والزّي التقليدي" وما إلى ذلك من حرف تقليدية مختصة في صناعة مستلزمات الفارس والفرس مثل: (دَرَّازَةْ ـ حَدَّادَةْ ـ نجّارة ـ زْنَايْدِيَّةْ ـ نَقَّاشَةْ ـ خَيَّاطَةْ ـ دَبَّاغَةْ...).
في سياق متصل، نتساءل اليوم مع كافة المهتمين بحقل الفروسية التقليدية، عن مآل مساهمة كل الأطراف المعنية في إنشاء البيت الحرفي التقليدي لتراث التبوريدة، وهل هناك برنامج وطني يروم تحويل بعض المآثر التاريخية التي كانت تلعب دورا محوريا في تعليم الرماية وركوب الخيل إلى فضاءات متاحف تراثية. والنموذج هنا يتعلق بمدرسة الأمراء العلويين المتواجدة بمدينة الشماعية بعد أن صنفتها وزارة الثقافة كمعلمة وتراث وطني؟
على هامش الترويج من طرف الشركاء لـ "عقد برنامج التبوريدة ـ رؤية 2030 ـ" فقد كانت جريدة "أنفاس بريس" قد ساهمت بطرح مطلب أهمية تأسيس متحف وطني يصون ذاكرة تاريخ تراث فن ورياضة التبوريدة، في أفق جمع وتوثيق "التحف التراثية النادرة" أكانت وثائق أو كتب أو رسائل ومخطوطات، وتصنيفها وصيانتها من أجل المحافظة على الذاكرة الْجَمْعِيَة الْجَمَاعِيْة، بالإضافة إلى أهمية جمع كل ما يتعلق بنماذج من اللباس والزي التقليدي العريق المتوارث أبا عن جد، أو أجزاء أخرى ذات الصلة بالصناعة التقليدية سواء كانت ترسانة أسلحة قديمة أو مستلزمات أخرى متعددة ومتنوعة.
من خلال مضمون نفس البرنامج، نسجل بأسف تعثر الشركاء في عملية الإنفتاح على الطاقات والقدرات الشبابية، من أجل مواكبة ودعم الشباب حاملي المشاريع المرتبطة بالتراث اللامادي لفن التبوريدة والصناعة التقليدية، وتشجيعهم على صياغة مشاريع ثقافية وفنية وتحسيسية تتعلق برؤيتهم حول الطرق والأساليب الجديدة لتنظيم وتقديم وتنشيط عروض التبوريدة.

نفس الشيء نسجله بالنسبة، لمفهوم إشراك الإعلام والصحافة والجامعات والباحثين والدارسين بمختلف تخصصاتهم ذات الصلة بتراث التبوريدة، حيث ظل التعامل انتقائيا ومحدودا وفي بعض الأحيان باهتا ومحتشما. مما أثر سلبا على تطوير أساليب مبادرات التسويق والترويج للتراث اللامادي ضد كل أشكال العبث والتسفيه.
لقد أكد الشركاء في ذات البرنامج، على الاستثمار في بناء وإحداث مراكز نموذجية لعروض التبوريدة بمختلف جهات المملكة المغربية، ـ محارك جهوية ـ تضم مرافق اجتماعية واقتصادية وثقافية وفنية وبيئية كقيمة مضافة للبنية التحتية التراثية والسياحية والتعليمية والرياضية تساهم في التنمية المستدامة، مما سيسعف لا محالة، في خلق مناصب شغل مهمة واستقطاب الجمهور الواسع، حين يتم تجويد عروض التبوريدة خلال الإقصائيات أو تنظيم المهرجانات والتظاهرات التراثية بهذه المحارك الجهوية. إلا أن واقع الحال يكشف عن بطء مساطر اقتناء أو تفويت العقارات وربما تعقيد المساطر الإدارية والتقنية في هذا المجال.
في سياق متصل تنتصب اليوم عدة أسئلة ترتبط ببعض إجراءات تطوير الجانب المهني والتنظيمي في ميدان التبوريدة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
ـ أين وصل إجراء العمل بدفتر تحملات موحد على الصعيد الوطني، تنص بنوده ذات الصلة بعروض التبوريدة على إلزامية العمل بمواصفات هندسية مضبوطة لمحارك الخيل ومرابطها بمختلف المجالات الجغرافية، لضمان السلامة والأمن ومتابعة العروض التراثية بطريقة ضامنة لكرامة الجمهور والفرسان وخيولهم؟
ـ هل تم وضع خريطة جغرافية تمكن من ضبط وتصنيف المواسم المتواجدة عبر ربوع التراب الوطني. حتى يتسنى للجهات المعنية المواكبة والإنخراط والتفاعل مع تنظيم تلك المواسم في الزمان والمكان وتوفير متطلباتها لوجيستيكيا وماديا وأمنيا ومعنويا؟
ـ هل تم تعزيز علفات الخيل، والإهتمام بمطالبها. وهل تم رصد مختلف محطات الْمَوَاسِمْ في إطار تنظيمي وتحفيزي محكم ومشجع. بتنسيق مع الجهات المعنية من سلطات محلية ومؤسسات منتخبة وقطاعات حكومية معنية بالشراكة أفقيا وعموديا؟
ـ هل تم تطوير برنامج التكوين من أجل النهوض بالحرف المتعلقة بتراث التبوريدة، المتعلق بـ "المدربين والمروضين" الذين يلقنون مبادئ تعليم ركوب خيل التبوريدة. وهل هناك برنامج خاص بتكوين فرسان التبوريدة؟
ـ هل نتوفر اليوم على إطار مرجعي لتراث فن ورياضة التبوريدة بكل تفاصيله؟





