يسلط محمد الطاهر السرايري، المهندس الزراعي وأستاذ التعليم العالي بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، الضوء على واقع القطاع الفلاحي المغربي، متوقفًا عند إكراهات ندرة المياه، وتراجع اليد العاملة القروية، وتداعيات التغيرات المناخية، فضلًا عن تحديات التبعية الغذائية وارتفاع الأسعار، مؤكدًا الحاجة إلى سياسات عمومية جريئة لمواجهة هذه التحولات وضمان استدامة الأمن والسيادة الغذائية.
هل لا يزال الحديث حاليا قائما على الأمن الغذائي في ظل التطورات الحالية، أم أن الأمر يتعلق بالسيادة الغذائية للدول؟
من المؤكد أن التطورات الأخيرة التي يشهدها العالم، سواء على المستوى الجيوسياسي أو الاقتصادي، جعلت من السيادة الغذائية ركيزة أساسية اليوم، من خلالها نراقب ونقيّم أنظمة الإنتاج والتزويد بالمواد الغذائية، سواء تعلق الأمر بالزراعات أو بالمنتجات الحيوانية.
ومن المعلوم أن فكرة السيادة الغذائية لها تاريخ عريق يمتد إلى حوالي ثلاثين سنة، وذلك لأن مفهوم الأمن الغذائي لم يعد كافيًا لمعالجة مشاكل تزويد الأسواق ومشكلة الجوع في العالم.
وأذكّر بأن هناك نحو 800 مليون إنسان على وجه الأرض ما زالوا يعانون من الجوع أو من تغذية غير كافية. كما نلاحظ أيضًا أنه حتى في المغرب، هناك مشاكل مرتبطة بالسمنة، إضافة إلى نقص بعض العناصر الغذائية الدقيقة مثل اليوط والحديد، وغيرها.
المغرب جرب العديد من المخطط الأخضر ونحن في فترة الجيل الأخصر، ولكن لم يستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من المواد الاستهلاكية، لماذا في رأيك؟
×ن الواضح اليوم أن المغرب يتبع سياسة ليبرالية قائمة على الاقتصاد الحر والتصدير ومن المؤكد أن كمية كبيرة من السعرات الحرارية التي نستهلكها تعود إلى الواردات، حيث نستوردها من الخارج. فعلى سبيل المثال، نستورد القمح الطري بحوالي ستة ملايين طن سنويًا، أي ما يقارب 170 كيلوغرامًا للفرد. وحتى المنتجات الحيوانية، مثل الحليب واللحوم الحمراء، التي كنا نحقق فيها الاكتفاء الذاتي، فقد تراجع هذا الاكتفاء في السنوات الأخيرة. ومن المعروف أن السبب الرئيسي في ذلك هو نقص المياه، حيث إن التساقطات المطرية لم تعد كافية، كما أن حوالي 80% من المساحة الوطنية غير مسقية ولن تكون كذلك مستقبلًا.
أضف إلى ذلك أن المغرب بلد قاحل وشبه قاحل، وهو ما يطرح تساؤلات كبرى بشأن مستقبل السيادة الغذائية في البلاد.
وأعتقد أن الأمر يتطلب سياسات عمومية جريئة لتفادي التبعية الغذائية، نظرًا لما لها من آثار على الصحة العامة، مثل السمنة، خاصة في صفوف الأجيال الصاعدة.
هل هناك حاجة لإصلاحات تشريعية في القطاع الفلاحي؟
×فإلى جانب إشكالية المياه التي ذكرتها، يبرز اليوم مشكل آخر يتمثل في اليد العاملة. فقد كان يُعتقد سابقًا أن اليد العاملة في القطاع الفلاحي متوفرة وبكثرة، وأنه لا توجد أي إشكالات في هذا الجانب. لكننا نلاحظ اليوم أن أبناء الفلاحين، في غالبيتهم، اتخذوا قرار مغادرة هذا القطاع، نظرًا للإكراهات المرتبطة بالإنتاج، خاصة بعد تأثير سبع سنوات متتالية من الجفاف.
وقد غادر العديد منهم العالم القروي، مما أدى إلى وضع نرى فيه أن من تبقى في مجال الإنتاج الزراعي هم في الغالب من كبار السن الذين ما زالوا مرتبطين بالأراضي التي عاشوا فيها، بينما غاب الشباب.
وهذا الوضع خلق إشكالًا كبيرًا في توفر اليد العاملة، خصوصًا في ما يتعلق بجني المحاصيل. وقد رأينا هذا العام، مثلًا، أن محصول الزيتون كان متوفرًا، لكن العديد من الضيعات لم تتمكن من جنيه، فبقي في الأشجار بسبب نقص اليد العاملة.
ومن المؤكد أن هذا الوضع يتطلب جرأة سياسية وإصلاحات تشريعية من شأنها مواكبة القطاع وتشجيع الشباب على العودة إلى العمل في الفلاحة.
كما أن فرص اللجوء إلى المكننة (استخدام الآلات) تبقى محدودة، نظرًا لارتفاع تكلفتها وعدم ملاءمتها لواقع الضيعات الصغيرة، التي تمثل أكثر من 80% من مجموع الضيعات، إذ لا تتجاوز مساحتها خمسة هكتارات.
ويُضاف إلى ذلك مشكل تشتت الملكية الزراعية، حيث يمتلك الفلاح قطعًا متفرقة من الأرض، نتيجة الإرث، سواء من جهة الأب أو الزوجة، وهو ما يخلق إكراهات حقيقية أمام مكننة الفلاحة الوطنية.
كيف يمكن تحسين سلاسل التسويق والتوزيع للمنتجات؟
من المهم الإشارة إلى أن هناك جهودًا حقيقية، وينبغي أيضًا أن ننظر إلى الجانب الإيجابي؛ فالحمد لله، الأسواق مزوّدة بالمواد. غير أن الإشكال المطروح اليوم هو ارتفاع الأسعار، وذلك بسبب التبعية الغذائية التي تحدثنا عنها، إضافة إلى الارتباط بالطاقة الأحفورية. وقد رأينا تأثير الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسعار الطاقة.
كما نلاحظ وجود إشكالات في بعض المواد الطارية، مثل البصل، الذي كنا نصدره، واستمررنا في تصديره إلى أن أصبح غير متوفر في الأسواق الوطنية.
وهذا الوضع يتطلب، في نظري، قطيعة مع الماضي؛ فمغرب سنة 2026 ليس هو مغرب سنة 1980. لكن يبقى الإشكال الأول هو الماء. ففي ستينيات القرن الماضي، كان نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة يبلغ حوالي 2100 متر مكعب سنويًا، بينما اليوم انخفض إلى أقل من 500 متر مكعب.
فضلًا عن ذلك، هناك تفاوت كبير بين الجهات، حيث تعيش عدة مناطق وضعًا مائيًا حرجًا. ورغم أن التساقطات المطرية لهذه السنة ساهمت نسبيًا في تحسين الوضع في بعض المناطق، فإن حوالي 80% من الأراضي في المغرب لن تكون مسقية لغياب الموارد المائية الكافية.
كما لا ينبغي إعطاء انطباع للرأي العام بأن تحلية مياه البحر ستمثل الحل الكامل، لأنها تبقى مكلفة جدًا بالنسبة للقطاع الفلاحي، إذ لا يمكن للفلاح تحمّل تكلفة الماء المحلّى بشكل مربح، والتي تصل على الأقل إلى خمسة دراهم للمتر المكعب.
وهناك تحديات حقيقية تواجه القطاع الفلاحي المغربي، وعلى رأسها النقص الهيكلي في الموارد المائية. كما نلاحظ اليوم إكراهًا آخر يتمثل في نقص اليد العاملة، إذ إن اليد العاملة القروية لم تعد ترغب في مزاولة العمل في المجال الفلاحي. ويُضاف إلى ذلك تأثير التغيرات المناخية، التي تفرض بدورها مجموعة من الإشكالات الحقيقية، وتزيد من تعقيد هذه الإكراهات.





