أوضح المهدي قيل، أستاذ مشارك بجامعة محمد الخامس في الرباط، تخصص الاقتصاد والتدبير، أن الدعم في المالية العمومية، يكون مفيدًا حين يظل مؤقتًا، موجّهًا، ومرتبطًا بهدف واضح، كحماية الفئات الهشة أو مرافقة ظرفية لقطاع استراتيجي.
لكن، في نظره، حين يتحول إلى إبقاء قطاعات قائمة على تحويلات الدولة، فإنه يفقد فعاليته الإصلاحية، ويصبح عبئًا على التنافسية الاقتصادية والميزانية العامة.
وأبرز على مستوى العدالة الاجتماعية، أن المفارقة أشد حساسية: الدعم العام يُقدَّم باسم الفقراء، لكنه لا يذهب إليهم وحدهم، ولا حتى بالقدر الأكبر في كثير من الحالات.
متى يكون الدعم ضرورة اقتصادية؟ وماهي أهدافه الأصلية؟
ليس الدعم في جوهره انحرافًا عن منطق الاقتصاد، بل قد يكون، في لحظات معينة، ضرورة اقتصادية واجتماعية تفرضها الأزمات الحادة، واختلالات السوق، وضرورات الحفاظ على الاستقرار العام. فحين تتعرض القدرة الشرائية للأسر الهشة للاهتزاز، أو حين يواجه الاقتصاد صدمة خارجية في أسعار المواد الأساسية أو الطاقة، أو عندما يكون قطاع حيوي مهددًا بتوقف قد ينعكس على الأمن الاقتصادي والاجتماعي، يصبح تدخل الدولة مبررًا من منظور المالية العمومية. غير أن الغاية الأصلية من الدعم لم تكن يومًا إدامة الأسعار المصطنعة أو تكريس اعتماد دائم على الميزانية، بل تمثلت أساسًا في حماية الفئات الأكثر هشاشة، وامتصاص آثار الصدمات، وتصحيح بعض الاختلالات السوقية، ومرافقة الفترات الانتقالية إلى حين استعادة التوازن.
في المالية العمومية، يكون الدعم مفيدًا حين يظل مؤقتًا، موجّهًا، ومرتبطًا بهدف واضح، كحماية الفئات الهشة أو مرافقة ظرفية لقطاع استراتيجي. لكن حين يتحول إلى آلية دائمة لتجميد الأسعار أو إبقاء قطاعات قائمة على تحويلات الدولة، فإنه يفقد فعاليته الإصلاحية ويصبح عبئًا على الكفاءة الاقتصادية والميزانية العامة. لهذا يشدد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في أدبياتهما الحديثة على أن الدعم الواسع وغير الموجّه أضعف من التحويلات النقدية المباشرة في تحقيق العدالة، وأكثر كلفة على الميزانية، كما أنه يطمس إشارات الأسعار التي تدفع الأسر والمقاولات إلى التكيّف وترشيد الاستهلاك والاستثمار.
في السياق الوطني، تكشف الأرقام أن القضية لم تعد نظرية. فقد بلغت كلفة نظام الدعم ذروتها سنة 2012 عند ٪6.6 من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو مستوى تجاوز آنذاك إجمالي ميزانية الاستثمار العمومي لتلك السنة، بحسب البنك الدولي. وبعد مسار الإصلاحات، برمجت الدولة اعتمادات للمقاصة في حدود 16.357 مليار درهم في قانون مالية 2024، ثم 16.536 مليار درهم في قانون مالية 2025، قبل أن تُخفَّض إلى 13.770 مليار درهم في مشروع قانون مالية 2026. وفي الوقت نفسه، يوضح البنك الدولي أن المغرب كان ينفق سنة 2022 نحو ٪5 من الناتج الداخلي الإجمالي على شبكات الأمان الاجتماعي، لكن أكثر من نصف هذا الإنفاق كان يموّل دعمًا استهلاكيًا وُصف بأنه تراجعي لغاز البوطان والسكر والدقيق، بدل أن يذهب مباشرة إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ومن زاوية المالية العمومية الصرفة، تبدو المفارقة واضحة: فالدولة تحاول في الوقت نفسه توسيع الحماية الاجتماعية والحفاظ على التوازنات الماكرو-مالية. البنك الدولي يذكر أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يستهدف ما يصل إلى ٪60 من السكان غير المشمولين بمنظومة تعويضات عائلية أخرى، مع حد أدنى يبلغ 500 درهم شهريًا لكل أسرة، وأن ميزانيته ارتفعت من 25 مليار درهم في 2024 إلى 26.5 مليار درهم في 2025، على أن تصل إلى 29 مليار درهم في 2026، بينما بلغ عدد الأسر المستفيدة حوالي 4 ملايين أسرة. وفي المقابل، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن العجز المالي المركزي تحسن إلى ٪4.1 من الناتج في 2024، مع دين مركزي متوقع في حدود ٪70 من الناتج بنهاية السنة نفسها، وأن جزءًا من مسار تقليص العجز في الأمد المتوسط يرتبط بتخفيض دعم غاز البوطان. هذه الأرقام تعني أن كل درهم يُحبس في دعم عام وغير موجّه، هو درهم لا يذهب بالكامل إلى التعليم، الصحة، الاستثمار العمومي المنتج، أو الاستهداف الاجتماعي الأدق.
كيف يضعف الدعم التنافسية لدى القطاعات والمقاولات التي نشأت داخل منطق الدعم؟
حين تنشأ المقاولة داخل بيئة تُخفَّض فيها تكاليف الطاقة أو المواد الأساسية أو التمويل أو الحماية الجمركية بشكل مستمر، فإنها تتعلم أن تربح عبر الاقتراب من مورد الدعم أكثر مما تتعلم الربح عبر الابتكار والإنتاجية وخفض الكلفة الحقيقية. وهنا تتشوه إشارات السوق: الأسعار لم تعد تعكس الندرة، وكلفة المدخلات لم تعد تعكس واقعها الدولي، والربحية لم تعد مرآة للكفاءة. البنك الدولي، بالاشتراك مع المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، خلص إلى أن أداء الإنتاجية في القطاع الخاص المغربي ظل ضعيفًا، وأن هناك تراجعًا في الكفاءة التخصيصية، مع ملاحظة ذات دلالة قوية: المقاولات الأكبر والأقدم غالبًا ما تكون أقل إنتاجية من المقاولات الأصغر والأحدث، بما يوحي بأن السوق لا يكافئ دائمًا الأكثر كفاءة وابتكارًا، وأن هناك تشوهات تفيد الفاعلين القائمين على حساب الوافدين الجدد الأكثر دينامية. وهذا بالضبط هو المناخ الذي يمكن أن تنمو داخله “ثقافة الدعم” بدل “ثقافة التنافس”.
في الصناعة تحديدًا، يصبح الخطر أكبر لأن الدعم المزمن قد يُبقي على نشاط قائم دون أن يفرض عليه تحديثًا تكنولوجيًا أو اقتصاديًا. والبنك الدولي يلاحظ أن ضعف الكفاءة التخصيصية يبدو أشد في الصناعة منه في الخدمات، وأن العمل اتجه في بعض الفترات إلى مقاولات أقل إنتاجية بدل أن يتجه إلى الأكثر إنتاجية. لذلك فإن القطاعات التي تتعود على سعر طاقة “مُلطَّف” أو مادة أولية “محمية” أو امتياز جبائي غير مقيد بالنتائج، تميل إلى تأجيل قرارات صعبة لكنها ضرورية: الاستثمار في النجاعة الطاقية، البحث والتطوير، تحديث سلاسل التوريد، أو إعادة هيكلة نموذج الأعمال. والنتيجة أن التنافسية الظاهرة تكون في كثير من الأحيان تنافسية حسابية مدعومة لا تنافسية حقيقية مستدامة.
وإذا أردنا مثالًا مغربيًا دالًا، فالتقرير الرسمي حول المقاصة لسنة 2025 يشير إلى أن الإنتاج الوطني من السكر تراجع بحوالي ٪68 بين 2019 و2024. لا يمكنني أن أختزل هذا التراجع في عامل الدعم وحده، لأن هناك عوامل مناخية ومائية وإنتاجية وسوقية متداخلة؛ لكن المؤشر مهم جدًا لأنه يبيّن أن استمرار الدعم لا يكفي وحده لصناعة قطاع قوي. فالقطاع قد يظل مدعومًا، ومع ذلك يتراجع إنتاجه إذا لم ترافقه إنتاجية أعلى، وحكامة أفضل، واستثمار في الماء والتكنولوجيا واللوجستيك. هذا فرق جوهري بين سياسة دعم الاستهلاك وسياسة بناء القدرة التنافسية.
ما أثر الدعم على المالية العمومية والعدالة الاجتماعية؟
على مستوى المالية العمومية، المشكلة أن الدعم العام يجعل الميزانية أكثر حساسية لتقلبات السوق الدولية، خاصة في بلد مستورد للطاقة مثل المغرب. فالتقرير الرسمي حول المقاصة لسنة 2026 يذكر أن دعم قنينة غاز البوطان من فئة 12 كلغ بلغ في المتوسط 53.47 درهمًا خلال الفترة من يناير إلى غشت 2025، كما سجلت واردات البوطان الوطنية ارتفاعًا في 2024 بنسبة ٪4.5 لتبلغ مستوى قياسيًا جديدًا. هذا يعني أن الدولة لا تتحكم فقط في قرارها السياسي، بل أيضًا في فاتورة تتأثر بسعر دولي متقلب وبحجم استهلاك محلي قد يزداد لأن السعر المدعوم لا يعكس الكلفة الفعلية. وحين ترتفع الأسعار الدولية، يتضخم العبء العمومي بسرعة، فتضيق هوامش الإنفاق التنموي أو تتسع الحاجة إلى الاقتراض.
أما على مستوى العدالة الاجتماعية، فالمفارقة أشد حساسية: الدعم العام يُقدَّم باسم الفقراء، لكنه لا يذهب إليهم وحدهم، ولا حتى بالقدر الأكبر في كثير من الحالات. البنك الدولي أوضح في تحليله للمغرب أن كثيرًا من السلع المدعمة كانت “منحازة للأغنياء” على أساس نصيب الفرد من المنفعة، وأن الأسر الأغنى كانت تحصل على منافع فردية من بعض أشكال الدعم تفوق ما يصل إلى الأسر الأفقر. وبوثيقة أحدث، أكد البنك الدولي أن جزءًا مهمًا من إنفاق الحماية الاجتماعية في المغرب كان يُستهلك في دعم استهلاكي تراجعي. هذا هو بيت القصيد: الدعم العام لا يميز بين من يستهلك كثيرًا ومن يستهلك قليلًا، وبين الأسرة الهشة والميسورة، بينما الدعم النقدي المباشر يتيح استهدافًا أفضل، وعدالة أوضح، وكلفة أقل نسبيًا.
كيف يجعل الدعم القطاعات أقل قدرة على الصمود عند الأزمات؟
لأن الصمود الاقتصادي لا يُبنى على السعر المنخفض المصطنع، بل على القدرة على امتصاص الصدمة والتكيّف معها. حين ترتفع أسعار الطاقة أو تتعطل سلاسل الإمداد أو تتراجع الموارد المائية، تحتاج القطاعات إلى مرونة إنتاجية ومالية وتقنية. لكن القطاع الذي تربى داخل “منطق الدعم” غالبًا ما يكون أقل استعدادًا؛ فهو لم يستثمر بما يكفي في تقليل الاستهلاك الطاقي، ولم يُعِد تسعير مخاطره، ولم يختبر نموذج أعماله في بيئة أسعار حقيقية. لذلك يحذر صندوق النقد الدولي، في توصياته الحديثة جدًا، من أن الدعم الواسع للوقود أثناء الصدمات يكلف كثيرًا، ويصعب سحبه، ويشجع على زيادة الاستهلاك حين يكون العرض مقيدًا، بينما الحفاظ على إشارات الأسعار يدفع إلى ترشيد الطلب وتوسيع العرض. في بلد مثل المغرب، حيث يبقى الاعتماد على استيراد الطاقة مرتفعًا، يصبح هذا التحذير أكثر وجاهة.
الدعم يكون مشروعًا وضروريًا حين يقي المجتمع من صدمة، أو يرافق تحولًا استراتيجيًا، أو يحمي فئة هشة بوضوح. لكنه حين يصبح قاعدة دائمة لعمل قطاع أو مقاولة، فإنه يضعف التنافسية بدل أن يقويها، ويضغط على المالية العمومية بدل أن يحررها، وقد يضر العدالة الاجتماعية بدل أن يحققها. في المغرب، الاتجاه الأجدى ليس العودة إلى الدعم الشامل، بل تعميق الانتقال نحو دعم اجتماعي مباشر وموجّه، وربط أي دعم اقتصادي للمقاولات بشروط دقيقة: الإنتاجية، الابتكار، خلق القيمة المضافة، تقليص كثافة الطاقة والماء، التصدير، والتشغيل المستدام. كما أن من الضروري إخضاع كل برامج الدعم إلى آجال انتهاء واضحة، وتقييم دوري علني، وقياس للأثر حتى لا تتحول إلى ريع مقنن. وحده هذا المنهج يسمح بأن يبقى الدعم أداة إصلاح لا أسلوب عيش اقتصادي دائم.





