هناك خطابات لا تحتاج إلى أن يمر عليها الزمن كي تفسد، إنها تولد مُتعبة ومُشبعة برائحة الأرشيف القديم وضجيج جلسات ما بعد العشاء التي تطول فيها الحكايات أكثر مما ينبغي.
ما قاله فيديريكو ترييو Federico Trillo مؤخرًا في برنامج القناة الإسبانية الثالثة “Espejo Público” ـ 23/4/2026 ـ ليس استثناءً، بل قطعة أخرى من هذا الإرث الثقيل، مزيج من حنين سياسي وتلميحات متآمرة، وخِفّة مُقلقة في توزيع الاتهامات على شعبٍ بأكمله.
فيديريكو ترييو، الذي شغل يومًا منصب وزير الدفاع، لم يكتفِ بإعادة تدوير الشكوك حول تفجيرات الحادي عشر من مارس 2004 في مدريد، بل فعل ذلك بنبرة تتأرجح بين الإيحاء والجزم، وكأنه يُزيح الستار عن “سر” يعرفه الجميع ولا يجرؤ أحد على قوله. حديثه عن “كومندو مغربي” — حتى وإن جاء على سبيل التلميح — كان وراء التفجيرات بدعم فرنسي لم يكن بريئًا و لا زلّة لسان، بل مُحمّلًا بثقل لغوي وثقافي يجعل الكلمة أقرب إلى حُكم مسبق منها إلى توصيف.
المشكلة هنا لا تكمن فقط في مضمون الكلام، بل في مصدره. حين يتحدث شخص عادي، يمكن للعبارات أن تتبخر سريعًا. أما حين يتكلم من جلس يومًا على مقعد السلطة، فإن كلماته تكتسب وزنًا إضافيًا، كأنها تُقال من فوق منصة غير مرئية. في تلك اللحظة، لا يعود الكلام مجرد رأي، بل يتحول إلى أداة تصوغ المزاج العام، وتُعيد ترتيب الشكوك في عقول الناس.
لكن هذه التصريحات لا تعيش في فراغ. إنها اليوم جزء من مناخ سياسي مشحون في إسبانيا. الحزب الشعبي ينظُرُ بقلق متزايد إلى يمينه، حيث يقف حزب “فوكس” اليميني المتطرف كظل يزداد طولًا. في هذا السباق المحموم، يُصبح الخطاب أكثر حدّة، وأكثر ميلًا إلى اللعب على الأوتار العاطفية حين تعجز الحُجج عن الإقناع.
هنا تعود الأشباح القديمة. تفجيرات 11 مارس لم تكن يومًا مجرد مأساة إنسانية، بل تحوّلت منذ اللحظة الأولى إلى ساحة صراع سردي. الحكومة آنذاك تمسكت بخيط المنظمة الإرهابية “إيطا” رغم أن الأدلة كانت تتجه نحو مسار آخر. كان ذلك الارتباك أو ربما العناد، كفيلًا بترك ندوب عميقة في ثقة الناس بالمؤسسات.
ما نراه اليوم ليس إلا نسخة مُنقحة من تلك الحيرة القديمة، مُحاولة لإعادة توزيع الضوء والظل، لخلق مسارات بديلة، لطرح أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. وفي هذا السياق، يظهر “الآخر” الخارجي كحل سهل، المغرب، فرنسا وأجهزة مخابرات غامضة… عناصر جاهزة لصناعة رواية مُشوقة، حتى وإن افتقرت إلى الأدلة.
غير أن الأخطر ليس الرواية نفسها، بل صداها. الكلمات، حين تُقال على شاشة واسعة وفي وقت الذِّروة، لا تبقى مجرد كلمات، تتسرب، بل تستقر وتُعيد تشكيل نظرة الاسبان لجيرانهم وللآخر بشكل عام. استخدام تعبيرات مشحونة تاريخيًا لا يمر مرور الكرام، بل يُعيد إحياء صُوَّر نمطية لازالت عالقة بالمِخيال الجماعي الاسباني عن الجار الجنوبي أو "المورو المُحتال"
ثمة شيء أدبي، نعم، في هذه السرديات — لكنها أدبية رديئة، أقرب إلى روايات المؤامرة منها إلى البحث عن الحقيقة. عالم مليء بالظلال، بالأعداء الخفيين، وبالقصص التي تُحكى أكثر مما تُثبت. إنها لا تُقنع من يبحث عن الدليل، لكنها تمنح من يشك أصلًا ما يكفي ليزداد يقينًا وتشبُّثاً بشكوكه.
وهنا يكمن جوهر المسألة، هذه الخطابات لا تُنتج المغالطات بل تصنع مناخًا، مناخًا تتغذى فيه الريبة على الهوية القاتلة، ويُصبح فيه “الآخر” مُتهمًا بشكل تلقائي، ومع مرور الوقت، لا تعود هذه الأفكار غريبة أو صادمة، بل تتحول إلى حقيقة مطلقة يتبناها الرأي العام.
ما يثير حقيقة القلق، أن تُقال مثل هذه التصريحات بهدوء، في وضح النهار، وكأنها مجرد تعليق عابر. كأن الذاكرة الجماعية لتفجيرات 11 مارس المُؤلِمة ليست سوى ورقة أخرى في لعبة سياسية طويلة، أساسها الصراع على السلطة.
السخرية هنا تكاد تفرض نفسها، إذا كان كل شيء ممكنًا، ولو كان غير قابلٍ للإثبات. و يُصبح المجال مفتوحًا لأي عبارة مُصاغة بذكاء لتحتل مكان الحقيقة.Principio del formulario
لكن الديمقراطية، التي يحرص اليمين الإسباني على استحضارها كلما تعلق الأمر بالمغرب، لا يمكن أن تقوم على الظنون أو تتغذى من الشكوك وحدها. فبين حرية التعبير والاستهتار خيط رفيع للغاية، ومن يتجاوزه، خاصة وهو في موقع تأثير، لا يرتكب مجرد خطأ عابر، بل يُسهم في تلويث الفضاء العام بشيء أشد خطورة من الكذب نفسه:
الكراهية، ذلك السم البطيء الذي مهّد يومًا لانفجار الحرب الأهلية الإسبانية.Final del formulario





