vendredi 24 avril 2026
كتاب الرأي

علي بوزردة: عبد اللطيف وهبي، وزير صاحب الجلالة ليس كباقي الوزراء…

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
علي بوزردة: عبد اللطيف وهبي، وزير صاحب الجلالة ليس كباقي الوزراء… علي بوزردة

بصفته وزيراً للعدل، هل يُعتبر وهبي رجلاً لا إمتثالي (anti-conformiste)؟ لا، أبداً . هل له خصوم؟ نعم، وهم كثيرون، خاصة داخل دائرته المهنية والسياسية. والحقيقة أنه يُؤخذ عليه أحياناً بعض "الانفعالات" غير المحسوبة خلال النقاشات البرلمانية. 
لكن يجب الإقرار بحقيقة لا غبار عليها : وهبي يعد من بين الوزراء القلائل، إن لم يكن الوزير الوحيد ، الذين يضفون جواً حقيقياً من الجدل والنقاش السياسي داخل قاعة برلمانية تغلب عليها  أجواء الرتابة، حيث يُضبط  أحياناً بعض ممثلي الأمة متلبسين بـ«غفوة صغيرة» غير معتادة، ولا يستفيقون إلا لرفع اليد للتصويت بـ"نعم".

كما يجب إنصاف الرجل رغم اختلاف الأراء حوله : فهذا المحامي والناشط اليساري السابق، ظل وفياً لحيوية جذوره الرودانية (تارودانت). فهو يمتلك أسلوباً خطابياً بإيقاع خاص، حيث يؤدي تداخل الأفكار في ذهنه أحياناً إلى «اندفاع لفظي» تستغله وسائل التواصل الاجتماعي سريعاً لتحويله إلى جدل سياسي واسع الانتشار.

في سن الرابعة والستين، وهبي رجل يتميز بحيوية ونشاط، قد يشبه إلى حدٍ ما في عمله اليومي الدؤوب Alexei Stakhanov، حيث  يشرف شخصياً على إنجاز مئات النصوص الخاصة بمشروع القانون الجنائي وغيرها… وهو إيقاع عمل يختلف جذرياً عن سلفه (2019-2021)، الذي كانت قلة ظهوره تثير عدة تساؤلات … " لا اجتهاد، لا ضجيج، لا مشاكل"، كان هذا شعار تلكم المرحلة…بل إن مصادر داخلية لا زالت تتذكر وزيراً كان «منشغلاً طول الوقت داخل مكتبه … وهمه الوحيد هو إعداد أطروحته للدكتوراه…».

في المقابل، يعمل وهبي بلا توقف، رغم أنه لا يخفي بأن في قلبه «الكثير من الأمور…» يترفع عن ذكرها أمام الملأ…لكنه حين يتعلق الأمر بقول الحقيقة كما هي، فإن رجل الدولة  هذا لا يتراجع مهما كلف ذلك من ثمن … يقول الأمور كما هي، بكل مسؤولية ووضوح …

هذا الطبع النضالي بات يوجهه اليوم بكل قوة نحو ورش تاريخي: وضعية المرأة في المغرب.


* في المغرب: «منذ 1924 إلى اليوم لم يكن هناك سوى امرأتين نقيبتين» 
المغرب يقف عند مفترق طرق. ففي الوقت الذي تستعد فيه المملكة لاحتضان كأس العالم وتقديم صورة دولة صاعدة وجريئة، لا يزال النقاش قائماً حول مبدأ اعتبار شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد.

«هل نحن في القرون الوسط؟ لا أدري…»، هكذا تساءل وهبي بصوت مرتفع أمام عدسات الصحفيين.

تصريحات وزير العدل تعكس واقعاً قاسياً: المنظومة القانونية في المغرب لا تزال مثقلة بقرون من النزعة المحافظة.

ومن خلال مداخلته، يوجه الوزير نداءً واضحاً للانسجام الوطني: كيف يمكن الكلام في المحافل الدولية عن الحداثة مع الإبقاء على بنى تقليدية تعيق تحرر نصف المجتمع؟

تبقى وضعية المرأة مؤشراً أساسياً لقياس الديمقراطية. والوزير لا يُجامل: «طالما أن أحد جناحي المجتمع - المرأة - يظل ضعيفاً، فإن هذا المجتمع لن ينطلق انطلاقة سليمة». هذا الضعف ليس بيولوجياً، بل هو نتيجة قوانين وممارسات إدارية تعود إلى زمن آخر.

وفي السياق نفسه، يعبر وهبي عن استيائه قائلاً: «في ما يخص المعاش، يُطلب مني تقديم لائحة النساء اللواتي تزوجن بعد وفاة أزواجهن من أجل حرمانهن من نصف المعاش. هذا أمر رفضته بشكل قاطع، لأنني أعارضه من حيث المبدأ».

ويضيف: «لدي خلاف في هذا الموضوع: هم يريدون المعلومة، وأنا لا أستطيع تقديمها لأنها ستؤدي إلى إساءة لحقوق الأرامل… كل هذه الأمور يجب إعادة النظر فيها».

ويتابع: «إن الفجوة بين طموحاتنا الدولية ومقاوماتنا الداخلية تصل أحياناً إلى حد العبث، خصوصاً في موضوع شهادة المرأة أو ولوجها إلى المناصب العليا في مهنة المحاماة».

«في مهنة المحاماة، ناقشنا اليوم أنه منذ 1924 إلى الآن لم تكن هناك سوى امرأتين نقيبتين، وقد حدث ذلك قبل الستينيات… وإلى اليوم لم نعرف أي نقيبة أخرى (في المغرب)… لا أدري هل نحن نتقدم أم نتراجع؟ لا أدري؟»، يتساءل هذا المناضل الحقوقي السابق بقلق واستغراب.

وتبلغ المفارقة ذروتها في مجال التوثيق العدلي («العدول»)، حيث لا تزال قيمة شهادة المرأة موضع جدل، رغم أن قاضية واحدة يمكنها إلغاء عقد وقعه اثنا عشر رجلاً. هذا التناقض الإدراكي غير مقبول في دولة تطمح إلى "الحداثة"، كما يروج في الخطابات الرسمية وغير الرسمية.

* حماية الفئات الهشة: الطفولة والكرامة 

بعيداً عن الوضعيات المهنية، فإن حماية «الحلقات الضعيفة» يجب أن تكون أساس الإصلاح. سواء تعلق الأمر بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج المحرومين من الهوية، أو ضحايا الاتجار بالبشر، فإن القانون يجب أن يعود ليكون درعاً لا عائقاً.

ويرى الوزير أن القانون الجنائي المستقبلي لا يمكن إلا أن يكون نصاً حداثياً ومنفتحاً: «قناعتي أن القانون الجنائي يجب أن يكون قانوناً حداثياً ومنفتحاً، يمنح الحقوق لجميع الأطراف: للمرأة، وللطفل، وللمواطن في حرياته الفردية».

وفي ختام تدخله داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بالرباط بحضور رئيسته السيدة أمينة بوعياش، بمناسبة توقيع اتفاقية ثنائية حول محاربة الاتجار في البشر، ذكّر الوزير الحضور بأن معركته لم تنته بعد:

«الآن علي أن أعود إلى البرلمان لتلقي بعض الانتقادات من النواب؛ يجب أن أعود ليقوموا بانتقادي»، قال بنبرة محارب يتجه إلى الجبهة لأداء واجبه.

الجبهة والمنصة: كلمات وهبي تستحضر استعارة «النمر في الساحة»، على طريقة كليمنصو- الشخصية السياسية الفرنسية البارزة عام 1917 - الذي كان ينظر إلى البرلمان كساحة معركة، لا يذهب إليها ليُصفق له النواب. بل ليواجه نار النقد، معتبراً أن ممارسة الديمقراطية عبر الاختلاف هي ثمن الفعل السياسي.

 

                                                                                   عن: أرتيكل 19

fa43adde-9237-4fa7-a4a0-0dceb2578eab.png

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg