samedi 11 avril 2026
جالية

أريري: كيف نجحت التشيك في ترويض الواد لضخ الأوكسيجين في قلب براغ

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
أريري: كيف نجحت التشيك في ترويض الواد لضخ الأوكسيجين في قلب براغ عبد الرحيم أريري في"قنطرة شارل" التاريخية الرابطة بين ضفتي واد "فالتافا" بالعاصمة براغ

هناك مدخلان لقراءة مدينة براغ: المدخل الأول يرتبط بالطريقة التي اعتمدتها دولة التشيك لترويض وادي " فالتافا" الذي يخترق العاصمة التشيكية وتحويل الواد من مصدر رعب بسبب الفيضانات الى مضخة للثروة وتشغيل آلاف التشيكيين. أما المدخل الثاني فيتمحور حول تحول قنطرة للراجلين من أداة عبور بين ضفتي الوادي إلى كعبة السياح اللاهثين من مختلف دول العالم لزيارة هاته القنطرة الموجودة بالمدينة العتيقة في براغ.

 

المدخل الأول: واد "فالتافا"..قلب الاقتصاد الحضري

رغم أن واد "فالتافا"VLTAVA، لايصنف ضمن خانة الأودية الكبرى بأوربا على غرار "التايمز" والدانوب" والراين" و"السين"، بحكم أنه لا يلعب دورا لوجيستيكيا كبيرا في مجال نقل السلع والمنتوجات بين الأحواض الصناعية، إلا أنه يصنف في المرتبة السادسة عالميا ضمن الأودية الأكثر مردودية اقتصاديا على المدينة التي يخترقها.

e5e54c45-ba98-4226-8197-1989a144b521.jpg

 

طول واد"فالتافا" VLTAVA يصل إلى 430 كيلومتر من منبعه بجنوب منطقة بوهيميا التشيكية إلى المصب بواد "الإلب" ELBE، إلا أن المسافة التي تخص اختراق الوادي لمدينة براغ، لا تتعدى 31 كيلومتر. وبحكم أن هذا الواد كان مصدر تهديد دائم وعلى مر التاريخ لمدينة براغ بسبب الفيضانات، اهتدى مسؤولو التشيك إلى حل جذري يقضي بوجوب ترويض الواد لحماية العاصمة من تكرار الفيضانات، خاصة وأن العاصمة تشهد فيضانات مهمة كل 10 أو 20 سنة، وتواجه فيضانات متوسطة كل سنتين أو 5 سنوات، بسبب ذوبان الثلوج وغزارة الأمطار وارتفاع منسوب روافد الواد. فتم بناء 9 سدود كبرى، دون احتساب السدود الصغرى والسدود الترفيهية (البحيرات).

 

بهاته الطريقة ربحت التشيك على واجهتين: من جهة وفرت لها تلك السدود الطاقة الكهرومائية وتوفير الماء الشروب للساكنة، ومن جهة ثانية تمت حماية مدينة براغ من شبح الفيضانات، لدرجة أن الأمطار الغزيرة التي عرفتها التشيك عامي 2002 و2013 وما نجم عنها من ارتفاع كبير في منسوب الواد، لم تتسبب في شل مدينة براغ، اللهم ما وقع من أضرار ببعض الأحياء الموجودة في مناطق منخفضة. 

 

لكن الربح الأكبر تجلى في أن واد "فالتافا" تحول من شبح مخيف إلى مضخة للاقتصاد الحضري بفضل الأنشطة السياحية والترفيهية التي طفت عقب ترويض الواد. 

فحسب الدراسات، يستحوذ وادي "فالتافا" على 20% من السياح الذين يتوافدون على العاصمة التشيكية. وإذا علمنا أن براغ تستقطب سنويا 8،3 مليون سائح كل عام، معنى هذا أن الواد يجذب بين  1،5 مليون إلى مليوني سائح كل عام. وهو ما تولد عنه انفجار في اقتصاد الترفيه وبالتالي خلق أزيد من 13 آلف منصب شغل يعملون في القبطانيات وفي الملاحة النهرية وفي سفن النزهة وقوارب الكاياك والتجديف ومصلحو القوارب، فضلا عن الأنشطة اللصيقة بضفتي الواد من مقاه ومطاعم  ومرشدين سياحيين، إلخ...

 

ea3d6099-b0ff-4bd3-af93-33c19348dee6.jpg

 

معنى هذا أن التشيك ربحث الرهان بعد ترويض الواد الذي تضخ أنشطته الترفيهية كل سنة، حوالي 100 مليون أورو في الخزينة العامة. وهذا مامنح  واد Vltava، أن يصنف في المرتبة الثانية كمورد سياحي للعاصمة براغ، بعد مرفق المطاعم والحانات التي تشتهر بتقديم البيرة التشيكية ذات الصيت الدولي في عالم الكحول( في المرتبة الثالثة يأتي قصر براغ الذي يضخ 50 مليون أورو في الخزينة سنويا بفضل  منتوج بيع تذاكر الدخول للقصر) .

 

المدخل الثاني: قنطرة شارل..الخيط الذي يربط قلبين

ينذر أن تجد شاعرا أو أديبا أو موسيقيا أو رساما تشيكيا، تناسى توظيف "قنطرة شارل" Le Pont Charles"، في أعماله الشعرية أو الأدبية أو الموسيقية أو الفنية. فرغم وجود 18 قنطرة تربط بين أحياء مدينة براغ على ضفتي وادي Vltava، فإن "قنطرة شارل" تبقى هي "المقدسة" لدى عموم التشيكيين.

 

قيمة هذه القنطرة لا ترتبط بكونها أول جسر بالحجر يبنى على الوادي(بنيت القنطرة عام 1357 ودشنت مطلع القرن 15 في عهد شارل الرابع)، بل لكونها قطعة أثرية شاهدة على كل الأهوال السياسية والطبيعية التي عرفتها مدينة براغ على امتداد ستة قرون. وبالتالي رغم بناء 17 قنطرة لاحقا بطول أكبر وعرض أوسع وتلعب دورا جد مهم في تنظيم حركة السير وبشساعة قد تصل إلى 4 مسارات في كل اتجاه( مثلا قنطرة Barrandov أو قنطرة Les legions)، فإن ذلك لم يزد "قنطرة شارل" سوى جاذبية أكثر على المستوى العالمي رغم أنها مخصصة للراجلين فقط. إذ يتم تصنيف "قنطرة شارل" في المرتبة الرابعة عالميا من حيث بث صور بالمواقع الاجتماعية( خاصةانستغرام)، بعد قنطرة "غولدن غيت بريدج" في سان فرانسيسكو، وقنطرة "تاور بريدج" في لندن، وقنطرة " بروكلين بريدج" في نيويورك.

 

هاته الجاذبية تجد جذورها من كون "قنطرة شارل" ربما لأنها ليست فقط تاريخ وهوية وذاكرة جماعية، بل لأن التشيكيين يعتبرونها "خيطا يربط قلبين بمدينة براغ على ضفتي واد فالتافا".

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg