لا شك أن الساحة القانونية بالمغرب تشهد دينامية علمية متنامية، تعكسها الإصدارات المتخصصة التي تسعى إلى تفكيك الإشكالات العملية وإعادة بنائها في ضوء التحولات القضائية المتسارعة… وفي هذا السياق، أعلن الدكتور عبد العزيز البعلي عن صدور مؤلفه الجديد الموسوم بـ "جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير في قضاء محكمة النقض (2008–2025)"، في خطوة علمية تندرج ضمن الجهود الرامية إلى تأصيل الفهم القانوني لهذا النوع من الجرائم ذات الامتداد المركب.
ومن المؤكد أن هذا الإصدار يأتي في لحظة دقيقة، حيث إن النزاعات المرتبطة بالحيازة العقارية تعرف تزايداً ملحوظاً، الأمر الذي يطرح تحديات عميقة على مستوى التكييف القانوني، وحدود التماس بين الحماية الجنائية والحماية المدنية… وبالتالي، فإن هذا العمل لا يكتفي بالوصف، وإنما ينخرط في تحليل معمق لمسار الاجتهاد القضائي، بما يكشف عن منطق تطوره وتدرجه.
وقد اعتمد المؤلف مقاربة تحليلية تراكمية، قوامها تتبع قرارات محكمة النقض على امتداد ما يقارب عقدين، مع تقسيم هذا المسار إلى ثلاث مراحل مفصلية: مرحلة التأسيس التي أرست اللبنات الأولى، ثم مرحلة التوحيد التي سعت إلى تقليص التباين في التوجهات، وأخيراً مرحلة الترسيخ التي عززت استقرار القواعد القضائية… ومن ثم، فإن هذا التقسيم لا يعكس مجرد ترتيب زمني، وإنما يعبر عن تطور نوعي في بناء المفاهيم القانونية المؤطرة لجريمة انتزاع الحيازة.
وعلاوة على ذلك، حرص العمل على إبراز التفاعل القائم بين القضاء الجنائي والقضاء المدني، حيث إن حماية الحيازة لم تعد حكراً على أحدهما دون الآخر، وإنما أضحت مجالاً لتكامل وظيفي يسهم في تحقيق الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي… وهو ما يؤكد، دون ريب، وحدة المنظومة القانونية وقدرتها على التكيف مع تعقيد الواقع.
ولم يقف المؤلف عند حدود التأصيل النظري، إذ تم تعزيز الدراسة بملحق توثيقي يضم مجموعة منتقاة من قرارات محكمة النقض، بما يوفر سنداً تطبيقياً ييسر على القارئ استيعاب الاتجاهات القضائية، ويدعم الممارسة المهنية للقضاة والمحامين والباحثين… وهو اختيار منهجي يعكس وعياً بأهمية الربط بين النظرية والتطبيق.
وبالتالي، فإن هذا الإصدار يشكل إضافة نوعية للمكتبة القانونية المغربية، حيث يفتح أفقاً لنقاش علمي رصين حول سبل تطوير الحماية القانونية للحيازة العقارية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول فعالية القواعد الحالية في مواجهة التحولات المتسارعة… ومن الثابت أن مثل هذه الأعمال تسهم في ترسيخ الثقة في العدالة وتعزيز الأمن القضائي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لدولة القانون.





