jeudi 9 avril 2026
كتاب الرأي

محمد براو : هل يتراجع المغرب أم يُساء فهمه؟

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
محمد براو : هل يتراجع المغرب أم يُساء فهمه؟ محمد براو

مقدمة

يُعدّ مؤشر التحول (BTI) من أبرز المؤشرات الدولية التي تقيس مسارات التحول السياسي والاقتصادي وجودة الحكامة في الدول النامية والانتقالية. ويصدر هذا المؤشر عن مؤسسة  Bertelsmann Stiftung، وهي مؤسسة ألمانية مستقلة أُسست سنة 1977  من طرف  Reinhard Mohn، وتهدف إلى تعزيز الديمقراطية والتنمية والحكامة الرشيدة.

منذ سنة 2004، يقوم هذا المؤشر بتقييم 137 دولة كل سنتين، اعتماداً على تقارير وطنية مفصلة يُعدّها أكثر من 280 خبيراً، وفق منهجية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي. ويرتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية: التحول السياسي، التحول الاقتصادي، والحكامة، حيث يتم تقييم 17 معياراً موزعة على عشرات المؤشرات الفرعية، قبل إخضاع النتائج لعمليات معايرة إقليمية ودولية لضمان المقارنة.

ورغم أهمية هذا المؤشر كأداة تحليلية مرجعية، فإنه يظل محكوماً بإطار معياري يميل إلى قياس الدول وفق نموذج الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق، وهو ما يطرح إشكاليات في تقييم النماذج الهجينة مثل الحالة المغربية.


نظرة عامة على نتائج المغرب بين 2024 و2026

تكشف مقارنة نتائج المغرب بين تقريري 2024 و2026 عن اتجاه عام يتسم بـالتباطؤ النسبي في مسار التحول:

  • التحول السياسي: استقر عند 3.52 (مع تراجع في الترتيب إلى 99 عالمياً)

  • التحول الاقتصادي: تراجع من 5.57 إلى 5.29

  • الحكامة: انخفضت من 4.63 إلى 4.26

تعكس هذه النتائج ثلاث ديناميات رئيسية:

  1. جمود في المؤشر السياسي

  2. تراجع نسبي في الأداء الاقتصادي

  3. تدهور ملحوظ في الحكامة

  4.  

التحول السياسي – بين التقييم المعياري والواقع الهجين

يصنف مؤشر التحول  BTI المغرب ضمن فئة "أوتوقراطية صلبة"، وهو توصيف يعكس تقييماً صارماً يستند إلى معايير مثل:

  • فصل السلط

  • استقلالية المؤسسات

  • جودة المشاركة السياسية

في استمرارية مع تقرير 2024، يبرز التراجع في:

  • الثقة في المؤسسات

  • فعالية الأحزاب السياسية

  • مستوى المشاركة

غير أن هذا التقييم يظل محل نقاش، لأنه:

  • يركز على المؤسسات الرسمية

  • ولا يستوعب بالكامل طبيعة النظام المغربي

فالواقع أن المغرب يقوم على نموذج هجين يجمع بين:

  • تعددية سياسية قائمة

  • إصلاح تدريجي

  • ودور مركزي للمؤسسة الملكية في ضمان الاستقرار

مما يجعل توصيفه كـ"أوتوقراطية صلبة" أقرب إلى تبسيط تحليلي منه إلى توصيف دقيق.

 

التحول الاقتصادي – مفارقة الأداء والإدماج

بعد أن شكّل الاقتصاد نقطة قوة رئيسية للمغرب حتى 2022، بدأ يسجل تراجعاً في 2024، وهو ما تعمّق في 2026.

يرجع ذلك إلى:

  • استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية

  • تأثير التضخم والضغوط الاقتصادية

  • محدودية انعكاس النمو على الفئات الهشة

لكن في المقابل، يواصل المغرب تحقيق:

  • تقدم في التصنيع

  • جذب الاستثمارات

  • تطوير البنيات التحتية

وهنا تظهر مفارقة أساسية: تحسن في القدرات الإنتاجية مقابل ضعف في التوزيع الاجتماعي. وهي إشكالية بنيوية أكثر منها ظرفية.

 

 الحكامة – التحدي الأكثر وضوحاً

يشكّل تراجع مؤشر الحكامة أبرز تحول بين 2024 و2026.

تشمل أبرز الملاحظات:

  • ضعف بناء التوافق السياسي

  • محدودية فعالية السياسات العمومية

  • استمرار إشكالية الفساد

ويعتمد مؤشر  BTI في هذا الجانب على تقييم:

  • استقلال القضاء

  • فعالية محاربة الفساد

  • كفاءة تدبير الموارد

ورغم وجود مؤسسات رقابية وقوانين، فإن التقييم يشير إلى فجوة بين الإطار القانوني والتطبيق الفعلي، وهذا تقييم موضوعي مستقر ومتفق عليه بين جميع الخبراء وجهات التقييم.

 

قراءة تركيبية – نموذج في حالة توازن هش

من خلال تجميع المؤشرات الثلاثة، يمكن توصيف وضع المغرب بـ:

  • استقرار سياسي مضبوط

  • أداء اقتصادي متوسط

  • حكامة تواجه ضغوطاً متزايدة

وهو ما يعكس نموذجاً قائماً على التوازن بين الاستقرار والإصلاح التدريجي، لكن مع مؤشرات على هشاشة هذا التوازن في ظل التحديات الاجتماعية والمؤسساتية.

 

حدود مؤشر BTI في تفسير الحالة المغربية

رغم القيمة التحليلية للمؤشر، فإن له حدوداً واضحة:

  • اعتماد إطار معياري غربي

  • تركيز على المؤسسات الرسمية

  • محدودية إدماج الخصوصيات التاريخية ودور الفاعلين غير الرسميين والسياق الجيوسياسي

وهو ما يجعل بعض نتائجه مفيدة جزئياً، لكنها غير كافية لفهم شامل. أي بمعنى غير قابلة ل "التعميم".

 

خلاصة

تُظهر نتائج  BTI  2026 ، مقارنة مع 2024، أن المغرب لا يشهد تراجعاً حاداً، بل مرحلة تباطؤ وإعادة توازن في مسار تحوله.  فبينما تكشف المؤشرات عن اختلالات حقيقية، خاصة في الحكامة والإدماج السياسي، فإنها لا تعكس بالكامل دينامية نموذج يعتمد على:

  • الإصلاح التدريجي

  • الاستقرار المؤسسي

  • التكيف مع بيئة داخلية وخارجية معقدة

وبالتالي، فإن فهم الحالة المغربية يقتضي الجمع بين قراءة المؤشرات الدولية وتحليل السياق الوطني، بما يسمح بتجاوز الأحكام التبسيطية، نحو تقييم أكثر دقة وعمقاً لمسار التحول.

محمد براو ، خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد وباحث في العلوم السياسية

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg