قال الراوي المستبصر بأحوال الزمان:
اعلموا - أصلح الله شأنكم- أني طفتُ في طنجة فرأيتُ مدينةً قد لبست من الحلل أزهاها، ومن الأبنية أطولها وأسماها. رأيتُ الطرق قد عُبدت بالصخر الصلد، وشُقت لها الأنفاق في كبد الأرض، وسارت فيها خيول الحديد البراقة التي تخطف الأبصار بصفائها، وتُدهش العقول بصنيعها. فقلتُ في نفسي: "هذا أوان التمام، وذروة سنام العمران!.
لكني ما لبثتُ أن أبصرتُ خلف هذا الستر البرّاق خللاً في الطبائع يندى له جبين الحر. لقد رأيتُ القوم قد تمدنوا في المباني وتوحشوا في المعاني. تجد الرجل يركب مركبة فاخرة، يضاهي ثمنها خَراج الأقاليم، لكنه يحمل بين جنبيه روحاً غلفاء، وعقلاً أصمَّ لا يعي نداء؛ فلا يرى للقانون هيبةً، ولا لنفسِ الآدمي حُرمةً.
يا عجباه! أيُّ انحطاطٍ هذا الذي نعيشه؟ رأيتُ الدراجة — وهي آلة من حديد ونار— لا تكتفي بمسالك الخيل، بل تسطو على الأرصفة سطو اللصوص على القوافل في غسق الليل. والناس يمرون بها صامتين، كأنما على رؤوسهم الطير، وكأن استباحة حق الراجل الضعيف صارت ديناً متبعاً لا يُنكر، وقضاءً مسَلماً لا يُدفع. لقد صار خرق النواميس في هذه المدينة هو القاعدة، والتمسك بالخلق القويم هو الاستثناء المهجور.
ويحك يا طنجة! لقد غدا موت الآدمي على جنبات طرقك خبراً لا يهزُّ القلوب، وواقعةً لا تُدمع العيون. يمر الناس بالجثة الهامدة وكأنها حجرٌ سقط من بناء، أو غصنٌ انكسر من شجرة. إنه وباء الاعتياد؛ حين تتبلد الحواس، وتموت الدهشة من القبح، ويصبح استرخاص الروح البشرية أمراً عادياً يُتداول بين الناس ببرود. وفي خضم هذه الأهوال، استحضرتُ التاريخ لعلّي أجد في طياته تفسيراً لهذا العبث، فما وجدتُ إلا أن فساد المسالك كان دوماً نذير خراب الممالك.
ما نفعُ الأنفاقِ الفسيحةِ إذا ضاقت بها النفوسُ الشحيحةُ؟ وما جدوى المصابيحِ التي تبددُ ظُلمةَ الطرقاتِ إذا انطفأت في الصدورِ البصائر وشلت يقظةُ الضمائر؟
إننا أمامَ مشهدٍ فصامِيٍّ نكد؛ حيثُ تزدهي الواجهاتُ وتفتضحُ السرائرُ، وتلمعُ المراكبُ وتظلمُ المناقبُ. إنها علامةُ الانحدارِ حينَ يعلو شأنُ الحجرِ ويهونُ دمُ البشرِ؛ وحينَ يُشادُ البنيانُ على أنقاضِ الإنسانِ.
فما عُمِّرت بلادٌ رخصَ فيها الإنسانُ وغلا فيها الإبريزُ، ولو نُطحت السحابَ جدرانُها، وسُبكت بالتبرِ أرضُها. ثم إني أسائل القائمين على الأمر: أين الحزمُ الذي يقطعُ دابرَ الاستهتارِ؟ وأين الرَّدعُ الذي يَفيءُ بالسفيهِ إلى رُشدهِ؟ إنَّ التهاونَ في حمايةِ الأنفسِ سَمٌّ زُعافٌ يسري في عصبِ المدينةِ، وحينَ يغيبُ الحسابُ، وتستبهمُ الحدودُ، تستحيلُ الطرقاتُ مَهالكَ لتبديدِ النفوسِ، عِوضَ أن تكونَ مَسالكَ لتبادلِ الأُنسِ، وجسوراً لتمتينِ عُرى العمرانِ.
ختام القول: إن طنجة اليوم لا تحتاج إلى تزويق الجدران وتكديس العمران، وإنما تحتاج إلى بعثٍ في النفوس، وإلى صولة زاجرة تردع الجاهل والغافل.
فليُدركِ أولي الأمر أنَّ كلفةَ هذا الصمتِ المريبِ ليست جُملاً تُدبجُ، بل هي قَرابينُ آدميةٌ تُقدمُ كلَّ حينٍ على مذابحِ العبثِ، يُؤدّي ضريبتَها الغضُّ في مقتبلِ العمرِ، والشيخُ في أخرياتِ الأيامِ. فوالله ما استقامَ بناءٌ إذا انحطَّ صانعُهُ، ولا ازدهرَ مِصرٌ إذا هانت فيهِ النفسُ؛ فالعمرانُ الحقيقيُّ هو ما أقامَ حُرمةَ الآدميِّ قبلَ أن يُقيمَ حوافَّ الطُّرقِ. فيا بؤسَ عمرانٍ قِشرُهُ نضاراً ولُبُّهُ بواراً، يُعظمُ فيه الجمادُ الأبكمُ ويُهانُ فيه الآدميُّ المكرّمُ؛ إذ لا نفعَ في شموخِ المباني إذا تهاوتْ قِيَمُ المعاني. فما عُمِّرت بلادٌ رخصَ فيها الإنسانُ وغلا فيها الإبريزُ، ولو نُطحت السحابَ جدرانُها، وسُبكت بالتبرِ أرضُها.





