vendredi 10 avril 2026
كتاب الرأي

خالد أخازي: البساطة كأسلوب مقاومة

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
خالد أخازي: البساطة كأسلوب مقاومة خالد أخازي

حين تسأل شخصا في هذا الزمن عن حاله، لن تحصل غالبا على جواب بقدر ما ستحصل على رد جاهز محفوظ، مثل قناع يلبس بسرعة قبل أن يدخل أي صدق في الكلام. يقول لك "الحمد لله الأمور غادية"، ثم ينهي الجملة وكأنه أغلق بابا صغيرا بينه وبين الحياة. لكن خلف هذا الرد القصير تتراكم حكايات لا تقال بسهولة.
في البيوت هناك ما لا يظهر في الصور: شخص فقد عمله، ود ولم يعد يبحث بنفس الحماس الأول، وآخر في بطالة مزمنة، وآخر يعيش على حافة القلق من الشهر القادم، وأم تراجع حساباتها كل يوم كي تجعل ما تبقى من المال يصل إلى النهاية دون انهيار مفاجئ. لم يعد الفقر مجرد رقم، بل صار طريقة عيش كاملة تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة: النوم، الطعام، والكلام.
في الشارع أيضا تغير شيء ما. الناس يمشون بسرعة أكبر من اللازم، وكأنهم يحاولون تجاوز الحياة نفسها. النظرات قصيرة، التحية مختصرة، وحتى الوقوف في الأماكن العامة صار محكوما بنوع من التوتر غير المعلن. كل شيء يبدو عاديا من الخارج، لكنه من الداخل مشدود مثل خيط قابل للانقطاع في أي لحظة.
لم يعد الخوف حدثا استثنائيا، صار رهابا مستفحل. لا يحتاج إلى إعلان. يكفي أن يختار شخص ما كلماته بعناية زائدة، حتى تفهم أن هناك شيئا غير مرئي يراقب البوح قبل أن يتلاشى. ويكفي أن يتردد صوت بسيط في نقاش، حتى تعرف أن هناك سقفا غير مكتوب لا يجب تجاوزه.
في هذا المناخ تتغير اللغة نفسها. لم تعد الكلمات تقال ببراءة، كل جملة تمر عبر اختبار هادئ: هل هي مناسبة أم لا؟ هل يمكن أن تفهم بشكل مختلف أم ستفهم كما هي؟ لذلك يختار كثيرون الصمت، لا اقتناعا، بل حماية. الصمت هنا ليس فراغا، بل أسلوبا للبقاء.
لكن هذا الصمت المتراكم ينتج واقعا غريبا: كل شيء يبدو حاضرا، لكن دون روح. كلام كثير في الفضاء العام، لكن تأثير قليل في الواقع. شعارات تتكرر، لكن الحياة اليومية تسير في اتجاه آخر تماما. هناك انفصال تدريجي بين ما يقال وما يعاش.
في قلب هذا المشهد تتوزع السلوكيات والخيارات والمواقع. هناك من اختار التكيف الكامل، تعلم كيف يغير موقفه بسرعة، وكيف يقترب من مصادر الأمان كيفما كانت. لا يسأل كثيرا عن الدلالة، بل عن النتيجة. وهناك من اختار البقاء داخل الخط العام دون مغادرته، لكنه أيضا دون مواجهة مباشرة، يرفع صوته لكن داخل حدود لا تكلفه كثيرا.
ثم هناك فئة أخرى صغيرة، لكنها واضحة في أثرها. لا تعرف كيف تتعامل مع الواقع وفق قواعده السائدة، ولا ترغب في الدخول في مساوماته. لا تقايض كلامها، ولا تضعه في حسابات المنفعة. تبدو أحيانا خارج الإيقاع العام أو غير منسجمة، لكنها في الحقيقة تقف في مساحة مختلفة، لا تقاس فيها الأشياء فقط بمنطق الربح والخسارة.
هذه الفئة لا تصرخ كثيرا، لكنها أيضا لا تختفي بسهولة. وجودها يخلق قدرا من الارتباك، لأنها لا تدخل بسهولة في التصنيفات المعتادة. لا يمكن احتواؤها ببساطة، ولا يمكن إعادة تشكيلها بسهولة. ليست استثنائية بشكل صاخب، لكنها ثابتة بطريقة هادئة.
في المقابل تتضخم واجهة أخرى أكثر لمعانا: لغة عامة منظمة بعناية، خطابات جاهزة، وصور محسوبة. خطاب ثقافي يبدو نشطا، لكنه في كثير من الأحيان يعيد إنتاج نفس الدوائر دون الاقتراب من الجذور. يتحول الكلام إلى وظيفة، ويتحول النقد إلى شكل قابل للاستهلاك، وتتحول الجرأة إلى مساحة مراقبة بدقة.
في هذا التوازن الهش بين الداخل والخارج تتشكل الأزمة الحقيقية. ليست أزمة موارد فقط، ولا أزمة مؤسسات فقط، بل أزمة دلالة. ماذا يعني أن تعيش في مجتمع تتقدم فيه اللغة بسرعة، بينما تتراجع فيه الثقة؟ ماذا يعني أن تتكاثر المنصات، بينما تضيق المساحات الفعلية للتأثير؟
وسط هذا كله يظهر سؤال بسيط لكنه ثقيل: ماذا يفعل الإنسان حين يقرر أن ينسحب؟
الانسحاب هنا ليس هروبا بالضرورة، بل يمكن أن يكون شكلا من أشكال الاعتراض الهادئ. أن تخرج من دوائر المساومة اليومية، أن تبتعد عن فكرة أن كل شيء يجب أن يتحول إلى موقع أو منفعة أو ظهور.
الانسحاب بهذا المعنى يشبه اختيار مساحة ضيقة، لكنها قابلة للعيش: غرفة صغيرة ربما، حياة محدودة الموارد، لكنه أيضا اختيار بعدم الدخول في لعبة لا تشبهك. كثيرون يرون هذا خسارة، لكن من الداخل قد يبدو الأمر مختلفا تماما، إنه تقليل للضجيج حتى يمكن سماع الصوت الداخلي مرة أخرى.
في هذا السياق تصبح البساطة شكلا من أشكال المقاومة، ليس بالمعنى الرمزي، بل بالمعنى العملي: أن تكتفي بالقليل كي لا تضطر إلى التنازل عن الكثير، وأن تحافظ على الحد الأدنى من استقلالك، حتى لو كان الثمن هو العزلة.
لهذا  يخيف هذا النموذج منظومات الريع والامتياز. ليس لأنه يهددها مباشرة، بل لأنه لا يدخل في منطقها أصلا. هو خارج العرض والطلب، خارج الحسابات التقليدية. وجوده غير قابل للتسعير، وما لا يمكن تسعيره يصبح مزعجا دائما.
هنا تبدأ أشكال أخرى من القهر: ليس تضييقا مباشرا فقط، بل أيضا تشويش وتشويه وتهميش ناعم. دفع الأصوات المختلفة إلى الهامش، وتقديمها كاستثناء، أو كحالة غير مفهومة. الهدف ليس إقصاءها، بل إبقاؤها في مساحة أقل حضورا قدر الإمكان.
التجربة تقول شيئا بسيطا: ما لا يختفي يعود بشكل آخر. قد يتأخر، لكنه لا يختفي بسهولة. الفكرة التي لا يتم احتواؤها تتحول مع الوقت إلى سؤال، والسؤال أكثر إزعاجا من الإجابة الجاهزة.
لا يتعلق الأمر بشخص واحد، ولا بسيرة فردية معزولة، بل بصورة أوسع عن شكل العيش داخل مجتمع تتداخل فيه الحاجة بالخوف، والدلالة بالضجيج. سؤال الحرية هنا لا يُطرح كشعار، بل كتجربة يومية: هل يمكن للإنسان أن يحتفظ بصوته في مكان يُطلب منه باستمرار أن يخفضه؟
ربما لا توجد إجابة واحدة، لكن المؤكد أن هناك فرقا كبيرا بين حياة صاخبة من الخارج، فارغة من الداخل، وحياة بسيطة من الخارج، لكنها محتفظة بشيء أساسي اسمه الإدراك.
وفي هذا الفرق يكمن جوهر الصراع، بين من يرى الإنسان رقما قابلا للإدارة، ومن يراه صوتا لا يمكن مصادرته بالكامل، بين من يريد ضبط كل شيء، ومن يختار أن يحتفظ بما لا يضبط.
رجل يسكن علبة كبريت قد يبدو هامشيا في الحسابات الكبرى، لكنه في منطق آخر يشبه سؤالا مفتوحا لا يجد له النظام جوابا سهلا. وسؤال واحد غير قابل للإغلاق قد يكون في لحظة ما أكثر إزعاجا من كل الضجيج المحيط به.
لكن الكلمة  تظل أقل الأشياء قابلية للامتلاك، يمكن تأجيلها، يمكن تشويهها، يمكن محاصرتها، لكنها تعود دائما بشكل ما، وربما لهذا بالضبط يخاف منها.
خالد أخازي، كاتب وإعلامي

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg