رغم وجود حوالي 7000 زنقة وشارع بمدينة براغ Prague، فضلت التوجه أولا إلى زنقة Husova، لثلاثة اعتبارات:
أولا: تعد الزنقة أحد المداخل المهمة المؤدية إلى المدينة العتيقة للعاصمة التشيكية، التي تصنف ضمن تراث الإنسانية منذ عام 1992. المدينة العتيقة( Old town)، تستحق هذا التصنيف فعلا لما تزخر به من معالم وموروث مشحون بثقل التاريخ وبكثافة الأحداث التي عاشتها براغ على مر الحقب.
ومما يزيد من جاذبية التجول بالمنطقة أن أزقة المدينة العتيقة جد بهية ونظيفة، بفضل حرص التشيكيين على صيانة تراثهم وترميمه وتوظيفه كآلية لتسويق صورة عن بلدهم من جهة، ولتحويل هذا الموروث إلى رافعة تنموية لضخ الزيت في محركات الاقتصاد الوطني من جهة أخرى. هذا الرهان نجحت فيه التشيك، إذ من أصل 14 مليون سائح زار البلد، كان حظ براغ 8،3 مليون سائح في سنة 2025 ، علما أن زوار المدينة كان في حدود 5،4 مليون سائح سنة 2023( أي بزيادة قدرها 53% تقريبا)، وهو ما يمثل عصب حياة الفنادق والمطاعم والمقاهي والحانات المنتشرة في كل الأحياء، فضلا عن مراكز التسوق والترفيه، لدرجة أن هناك 16.700 سائح في كل كيلومتر مربع بمدينة براغ.
ثانيا: زنقة Husova، أحيت لدي الحنين إلى قاعة الدرس بكلية الحقوق بالدارالبيضاء، وخاصة مادة "تاريخ الفكر السياسي" التي درسناها لسنتين متتاليتين على يد الأستاذ الفاضل مصطفى الجفال( شافاه الله ورزقه الصحة والعافية). إذ كانت هاته المادة بمثابة شرفة نطل بها( ونحن طلبة)، على مايمور به العالم من أحداث وتحولات، والتوقف عند أهم الانعطافات الفكرية والسياسة التي قادها المصلحون والمفكرون والفلاسفة بمختلف المجتمعات وفي مختلف الأزمنة، وتداعيات تلك الحركات الدينية والفكرية على الديناميات الداخلية والدولية.
وهنا بيت القصيد، فزنقة Husova، تحمل اسم "يان هوس" Jan Hus، أحد أشهر المصلحين الدينيين، ليس في التشيك لوحدها في مجموع العالم المسيحي. "يان هوس"، الذي كان رئيس جامعة براغ وراهبا دينيا ومفكرا، قاد في النصف الأول من القرن 15 تمردا ضد كهنوت الكنيسة الكاثوليكية وضد تكلس رجال الدين وانغلاقهم واستحواذهم على الثروات على حساب المواطنين، مما أدى إلى ميلاد حركة دينية إصلاحية تسمى" الهوسيت" Les hussites.
لكن سطوة الكنيسة الكاثوليكية وتخوف الكهنة من فقدان"إشعاعهم" وامتيازاتهم" و"تأثيرهم" أدى إلى إعدام ""يان هوس" حرقا يوم 6 يوليوز 1415، مما نتج عنه اندلاع حروب بين "الهوسيت" و"الكاثوليك دامت الى غاية 1434.
إعدام Jan Hus، يعتبره المؤرخون بالحدث الذي مهد "لمارتن لوتر" القيام بالتجديد الديني وميلاد البروتيستانية في القرن 16.
لهذا يعتبر "يان هاس" بطلا قوميا لدى التشيك، وهو ما جعلهم ينصبون له ثمثالا بالساحة المركزية، واعتبار يوم 6 يوليوز عيدا وطنيا تشيكيا كل سنة.
ثالثا: زنقة Husova، تحتضن مطعما صغيرا جدا مكون من صالتين ضيقتين، كل واحدة تتسع لثمانية زبائن.
ورغم صغره فإن مطعم U Modrého Hroznu يشتهر بكونه من المطاعم القليلة الوفية للمطبخ التشيكي، إذ يشتهر بتقديم ما تعرفه المائدة التشيكية من أكل وشرب، تعلق الأمر بالشربة المحلية المعدة من البطاطس والجزر والملفوف والبقوليات والفورماج، أو بلحم الخنزير بنوعيه: "المقدد والمشوي"، أو بلحم البقر وفق طريقة بوهيميا، أو السمك المصطاد من نهر Vltava الذي يخترق براغ.
شخصيا لما قصدت المطعم المذكور كنت راغبا في أكل السمك، سواء نوع "الكارب" أو "لاترويت"، لكن أخبرني النادل أن المخزون استهلك.
وبما أني لا أميل كثيرا لأكل لحوم البقر، ولا أتناول لحم "الحلوف"، اقترح علي تناول أكلة تشيكية موروثة من الحقبة الملكية، تتجلى في سلاطة محلية وطبق يضم لحم الأرنب المحضر بالزعتر مع الخضر وفطريات (الشامبينيون) وبطاطس مطحونة pureé والزنجبيل.





