أوضح مهدي لحلو، أستاذ التعليم العالي في الاقتصاد، أن جوهر الإشكال في المغرب لا يكمن فقط في حجم الاستثمارات، بل في ضعف التحكم في سلاسل القيمة والإنتاج، وهو ما يؤدي إلى تسرب جزء كبير من العائدات نحو الخارج، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على أوضاع المواطنين.
وقال محاورنا، أن هذا الأمر يتجلى بوضوح في استمرار ارتفاع البطالة، مقابل ضعف تحسن الأجور والقدرة الشرائية.
لماذا ظل أثر الاستثمارات الكبرى في القطاعين العام والخاص محدودًا على مستوى التشغيل وتحسين القدرة الشرائية للمغاربة، رغم حجم الأوراش والبنيات التحتية المنجزة؟
يُعدّ هذا السؤال محوريا لفهم ما يعيشه المغرب منذ سنوات، خاصة في ظل تفاقم إشكالية البطالة التي ما فتئت تتزايد عامًا بعد عام، إلى أن بلغت اليوم قرابة مليون و600 ألف عاطل عن العمل. غير أن هذا الوضع لا يمكن عزله عن بنية الاقتصاد الوطني، إذ تبرز هنا إشكاليتان أساسيتان.
أولاهما تتعلق بطبيعة الاستثمارات التي يتم الترويج لها، والتي تبدو في ظاهرها واعدة، لكنها في كثير من الحالات تظل مرتبطة برأسمال أجنبي. فمثلاً، في قطاع صناعة الطيران، يتم الحديث عن أنشطة مرتبطة بمحركات “Airbus” في الدار البيضاء، سواء من حيث التركيب أو الإصلاح، غير أن التحكم الفعلي في هذه الأنشطة يظل بيد الشركة الأم، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الأرباح يتحول إلى الخارج.
أما الإشكال الثاني، فيرتبط بطبيعة هذه الصناعات نفسها، حيث لا يمكن الحديث عن تصنيع حقيقي بقدر ما هو نشاط يقتصر على التركيب. فالمغرب، سواء في قطاع الطيران أو السيارات، لا يزال متموقعًا في المراحل الأخيرة من سلسلة الإنتاج. ويتضح ذلك بشكل جلي في نموذج مصنع “صوماكا“ بالدار البيضاء أو مصنع “رونو“ بطنجة، حيث يتم تجميع مكونات مستوردة دون التحكم في إنتاج العناصر الأساسية كالمحركات أو علبة السرعة، وهو ما يحدّ من القيمة المضافة ويقلص من فرص الشغل مقارنة بحجم الاستثمارات.
وإلى جانب ذلك، يبرز تحدٍ ثالث لا يقل أهمية، ويتعلق بتراجع قطاع النسيج، الذي كان يشكل تاريخيًا أحد أكبر مصادر التشغيل في الصناعة. فقد عرف هذا القطاع تراجعًا ملحوظًا بسبب المنافسة الشرسة من دول مثل الصين وتركيا ومصر، في ظل عدم مواكبة كافية لهذه التحولات، ما أدى إلى تقلص عدد العاملين فيه بشكل كبير.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن الإشكال الجوهري يكمن في غياب ما يُعرف بالصناعات التحويلية، حيث لا يتحكم المغرب في سلسلة الإنتاج الكاملة، من المواد الخام إلى المنتج النهائي، بل يظل محصورًا في حلقات محدودة.
وفي سياق متصل، تطرح الاستثمارات العمومية الكبرى بدورها علامات استفهام حول جدواها الاقتصادية والاجتماعية. فالمشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية الرياضية، في إطار التحضير لكأس إفريقيا أو مونديال 2030، تخلق فرص شغل ظرفية خلال مرحلة البناء، لكنها لا تضمن استدامة التشغيل بعد انتهاء الأشغال، في حين يستفيد بشكل أكبر شركات مواد البناء والإسمنت.
وينطبق الأمر نفسه على مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل القطار فائق السرعة، التي تتطلب استثمارات ضخمة تناهز 90 مليار درهم. ورغم أهميتها، فإن المستفيد الأكبر منها يظل الشركات الأجنبية التي توفر القاطرات والمحركات، بينما يقتصر دور المغرب على تنفيذ الأشغال وتوفير اليد العاملة، ما يعني أن جزءًا مهمًا من القيمة المضافة والأرباح يُحوَّل إلى الخارج.
وعليه، يمكن القول إن جوهر الإشكال في المغرب لا يكمن فقط في حجم الاستثمارات، بل في ضعف التحكم في سلاسل القيمة والإنتاج، وهو ما يؤدي إلى تسرب جزء كبير من العائدات نحو الخارج، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على أوضاع المواطنين. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في استمرار ارتفاع البطالة، مقابل ضعف تحسن الأجور والقدرة الشرائية، رغم ما يُروَّج له من إنجازات في قطاعات الصناعة والبنية التحتية.





