يقدم أنس الدحموني، عضو المكتب الوطني للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، رؤية نقدية وتحليلية لتقييم مردودية هذه الاستثمارات من منظور السياسات العمومية.
الدحموني يعتبر أن الرهان لم يعد يقتصر على إنجاز المشاريع المهيكلة أو تحقيق أرقام اقتصادية، بل يتجاوز ذلك إلى مدى قدرة هذه الاستثمارات على إحداث أثر ملموس في معيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. كما يشخص مكامن الخلل في ضعف التنسيق والاندماجية بين القطاعات، وفي الفجوة القائمة بين التخطيط والتنفيذ، إضافة إلى محدودية آليات تتبع الأثر الاجتماعي للمشاريع.
كيف تقيّم، على مستوى السياسات العمومية، مردودية الاستثمارات الكبرى في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية؟
لابد من التأكيد على أن تقييم مردودية الاستثمارات الكبرى من منظور السياسات العمومية يضعنا أمام استحقاق وطني يتجاوز منطق المحاسبة الضيقة، ليرتقي إلى مستوى العقد الاجتماعي المتجدد. فالمسألة ليست مجرد رصد للاعتمادات المالية لأوراش قطاعية، بل هي قياس لمدى قدرة الحكومة على تحويل الإنجاز التقني للمشاريع المهيكلة إلى إنصاف اجتماعي. وذلك يتأتى عبر المحاور الرئيسية الأربعة التالية:
1- إن الانتقال من لغة الأرقام الصرفة للمشاريع إلى لغة الأثر الملموس على المجال وعلى المواطن وعلى فرص الشغل، يفرض علينا الاعتراف بأن البنيات التحتية المهيكلة (كالمطارات، والموانئ، والطرق السيارة...) هي وسيلة لا غاية في حد ذاتها: فإذا كانت الاستراتبجيات والبرامج القطاعية، بالإضافة إلى مخرجات وثائق إعداد التراب، ولا سيما التصاميم الجهوية، ترسم معالم أقطاب اقتصادية واعدة في أفق العشرين سنة المقبلة، فإن نجاح هذه الرؤى يظل رهينا بمدى قدرتها على إنتاج آثار إيجابية للتنمية تشمل الضواحي والعمق القروي، لا أن تظل حبيسة مراكز النمو الحضرية.
2- إن التحدي الأكبر يكمن في إلتقائية الاستثمارات الكبرى مع السياسات القطاعية (التعليم، الصحة، التشغيل، التجهيز...)، ولا يمكن الحديث عن مردودية اجتماعية لاستثمار ضخم في قطاع الطاقة أو الصناعة مثلا، ما لم يصاحبه تأهيل فعلي للعنصر البشري المحلي ليكون شريكا في هذه الثروة وليس مجرد مشاهد لها.
فالإنصاف المجالي ليست مجرد توزيع جغرافي عادل للمشاريع، بل هي تكسير للهيمنة التقليدية للمغرب الساحلي عبر إحياء الأمل التنموي وتسريع وثيرته في المجالات الجبلية والواحية والحدودية.
وفي هذا الإطار، لابد من تثمين التوجه نحو إحداث أقطاب الابتكار في الشمال والوسط، وأقطاب الاقتصاد الأزرق بالساحل الجنوبي واقتصاد الطاقة النظيفة في الجنوب والجنوب الشرقي، لكن أيضا، لابد من التشديد على ضرورة ربط هذه الأقطاب بسلاسل قيمة محلية تضمن استدامة الدخل وتوطين الشغل.
3- لا تزال الأرقام تشير إلى تركيز مقلق، حيث تساهم ثلاث جهات فقط (الدار البيضاء-سطات والرباط -سلا -القنيطرة، وطنجة -تطوان - الحسيمة - بنسبة تتجاوز 50% من الناتج الداخلي الخام الوطني. ويشير هذا التباين الرقمي إلى إشكال اجتماعي يتطلب جيلا جديدا من الاستثمارات العمومية التي تعتمد التمييز الإيجابي لفائدة الجهات الأقل نموا.
وفي هذا الإطار، لابد من التأكيد أن المردودية الحقيقية للاستثمار لا تقاس ضمن هذا السياق بمدى نمو الأرقام الماكرو-اقتصادية فحسب، بل بمدى تقليص الفوارق بين أقاليم مركزية تحضى ببعض الفرص، وأقاليم أخرى بعيدة عن مجالات النمو، تكافح من أجل ضمان الكرامة لساكنتها.
4- لتحقيق الانتقال المنشود من الأصول المادية للاستثمار العمومي إلى تحقيق الأثر على الرأسمال البشري، يتوجب على السياسات العمومية اعتماد المداخل التالية:
- أنسنة الاستثمار، عبر جعل مؤشر الرفاه الاجتماعي ومعدل إحداث فرص الشغل القارة كمعايير أساسية قبل المصادقة على أي مشروع هيكلي.
- تمكين الفاعلين المحليين والشركاء الاجتماعيين من المساهمة في القرار الاستثماري، لضمان استجابة المشاريع للحاجيات الحقيقية للساكنة وللشغيلة الوطنية.
- تفعيل آليات التضامن بين الجهات (صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات) بشكل أكثر جرأة وفعالية.
وفي ختام هذا المحور، لابد من التأكيد بأن الاستثمارات الكبرى هي القاطرة التي ستحمل المغرب نحو مصاف الدول الصاعدة والواعدة، لكن شرط نجاح ذلك، هو أن يصل إلى كل مغربي ومغربية نصيبه من التنمية، بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو وضعه الاجتماعي. فمعركة العدالة والإنصاف لا تقبل التأجيل، لترسيخ الرؤية الملكية الرشيدة حول مغرب الجهات الذي يتسع لكل أبنائه، المغرب الذي يضمن الكرامة والفرص المتكافئة لجميع المواطنين.
هل ترى أن هناك خللا في توجيه هذه الاستثمارات أو في تتبع أثرها الاجتماعي على المواطن؟ وأين يكمن هذا الخلل تحديداً؟
إن تشخيص واقع الاستثمارات الكبرى يفرض علينا، بمسؤولية سياسية وأمانة فكرية، أن نتجاوز توصيف الخلل بمعناه الضيق لنضع اليد على ما يمكن تسميته فجوة التنسيق والاندماجية بين القطاعات والتكامل بين المجالات. فواقع الحال يكشف عن استمرار الاشتغال بمنطق التدخلات القطاعية المعزولة التي تهتم بالإنجاز التقني للمشروع كهدف في حد ذاته، بينما يفرض الواقع الترابي المعقد منطق الاندماج الذي يربط بين البنية التحتية وبين أثرها المباشر على معيش المواطنين، وهو ما يفسر المفارقة الصارخة بين وجود مشاريع ضخمة بمليارات الدراهم واستمرار تأثر فئات معتبرة من المواطنين من غياب فرص الشغل الحقيقية والارتقاء الاجتماعي الموعود.
ويكمن الخلل تحديدا في المسافة الفاصلة بين مركز التخطيط وهامش التنفيذ، حيث يلاحظ من خلال تتبع مجموعة من البرامج التنموية طموحا ماليا هائلا، لكن التحدي الحقيقي يبرز في قصور آليات التتبع وضعف اليقظة الاجتماعية، مما يحول الاستثمار في كثير من الأحيان إلى منشآت مادية صماء تفتقد للروح التنموية، وتفتقر للقدرة على تحسين مؤشرات التنمية البشرية بالسرعة والفعالية اللتين يفرزهما الخطاب السياسي الرسمي.
إن هذا الاختلال ناتج أيضا عن تغليب المنطق التقني في تقييم المردودية على حساب الأثر الاجتماعي المستدام، حيث تفتقد كثير من السياسات العمومية الحالية لجسور تنموية تربط الاستثمارات الكبرى بالمقاولات الصغرى والمتوسطة وبالمهن المحلية، مما يؤدي إلى تركيز الثروة في يد فاعلين محددين بدلا من توزيع ثمار النمو على أوسع فئات المجتمع.
كما أن هناك خلل في الزمن التنموي، حيث نجد فجوة زمنية كبيرة بين تدشين المشروع وبداية استشعار المواطن لآثاره، وهي فجوة تؤدي إلى تآكل منسوب الثقة في الجدوى من هذه الاستثمارات إذا لم تصاحب بمشاريع القرب التي تلامس الاحتياجات اليومية من تعليم وصحة وولوجية وخدمات أساسية.
بناء عليه، تتصاعد كثير من الأصوات المطالبة بأنسنة الاستثمار وإقرار التمييز الإيجابي لفائدة المجالات الترابية الأكثر هشاشة، لضمان عدم تحول الاستثمارات الكبرى إلى جزر معزولة من الرخاء وسط محيط من الخصاص.
فالمردودية الحقيقية لا تقاس بجودة الطرق والمباني والمطارات فحسب، بل بمدى قدرة هذه الاستثمارات على صيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق الإنصاف المجالي والعدالة التوزيعية، وتحويل مجالات المشاريع إلى فضاءات نابضة بالحياة، منتجة للثروة، وضامنة للرفاه والترقي الاجتماعي لكل مواطن مغربي أينما وجد.
وفي هذا الإطار، أليس من الحكامة إرساء منظومة مؤشرات الأثر الاجتماعي لكل مشروع، بحيث لا يقاس نجاح الاستثمار بحجم الميزانية المرصودة فقط، بل بمعدل تراجع الهشاشة والبطالة في مجال تأثيره الجغرافي؟
ختاما، يبقى الهدف الأسمى في تقديري لأي مشروع مهيكل ليس هو مراكمة الأصول المادية فقط، بل يتعدى ذلك إلى تحويل الاستثمار إلى رأسمال ثقة بين المواطن ومؤسساته، للانتقال من منطق ثقافة المنشآت إلى منطق ثقافة الإنسان باعتباره محور وغاية أي سياسة عمومية، ولضمان أن كل درهم يستثمر في التراب الوطني يثمر كرامة، عدلا، وأملا في نفوس عموم المواطنات والمواطنين.
ما هي الإجراءات والسياسات التي ينبغي على الحكومة اعتمادها لتعزيز الربط الفعلي بين الاستثمار العمومي وتحسين القدرة الشرائية وخلق فرص الشغل، وكيف يمكن في الآن ذاته تقوية آليات الحكامة والمساءلة لضمان أن تنعكس هذه المشاريع بشكل ملموس على حياة المواطنين؟
إن الرؤية السياسية الكفيلة بربط الاستثمار العمومي بالتشغيل والقدرة الشرائية في تقديري تتأسس على ضرورة تفعيل الارتباط اللصيق بين المشاريع المهيكلة وسلاسل القيمة المحلية، حيث تكمن أولى هذه الإجراءات في إقرار نظام الأفضلية الوطنية والترابية في الصفقات العمومية، بحيث لا تمنح المشاريع الكبرى بناء على القدرة التقنية والمالية فحسب، بل بناء على التزام المقاولة بنسبة محددة من التوطين الصناعي وتشغيل اليد العاملة من أبناء المنطقة المعنية بالاستثمار، مما يضمن تحويل تدفقات رؤوس الأموال إلى أجور مباشرة تضخ في جيوب المواطنين، وتنعكس فورا على حركية الاستهلاك المحلي وقدرتهم الشرائية.
علاوة على ذلك، بمكن للحكومة تفعيل مقتضيات ما يعرف بالذكاء الترابي عبر ربط الاستثمارات الكبرى بمنظومات متكاملة للتكوين المهني والجامعي. فلا يمكن مثلا تحقيق مردودية تشغيلية عالية ما لم يتم استباق الحاجيات المهارية للمشاريع المبرمجة في التصاميم الجهوية لإعداد التراب (SRAT) على سبيل الذكر لا الحصر.
كما أن إحداث مراكز كفاءات مثلا بمحاذاة الأقطاب التخصصية (كأقطاب الابتكار أو الاقتصاد الأزرق...) سيضمن انتقال الشباب من وضعية البحث عن العمل إلى وضعية المساهمة في القيمة المضافة، وهو ما يرفع من القيمة السوقية للعمل ويحسن بالتبعية المستويات المعيشية للأسر.
وفي هذا الصدد، يبرز التعاقد بين الدولة والجهات كآلية مؤسساتية حاسمة لتجاوز منطق التسيير المركزي القطاعي والأحادي. فالحكومة سواء الحالية أو القادمة مرتقب منها الانتقال إلى جيل جديد من عقود-البرامج التي تجعل من الجهة شريكا كاملا في رسم الخارطة الاستثمارية وليس مجرد مجال للتنفيذ.
إن هذا التعاقد يجب أن ينبني على أهداف دقيقة تضمن التقائية التدخلات العمومية، بحيث تلتزم الدولة بضخ الاستثمارات المهيكلة مقابل التزام الجهة بتوفير البيئة الحاضنة للتشغيل وتطوير النسيج المقاولاتي المحلي، مما يحدث توازنا تنمويا يحمي القدرة الشرائية في كافة ربوع المملكة ويقلص من حدة النزوح نحو الأقطاب التقليدية.
وموازاة مع ذلك، يتعين تعزيز آليات الحكامة الترابية من خلال منح الجهات صلاحيات أوسع بالمساهمة في تدبير المشاريع التنموية، وتفعيل دور الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع كأذرع عملياتية قادرة على تحويل الرؤى السياسية إلى واقع ملموس. كنا أن الحكامة المنشودة هي التي تزاوج بين الشفافية في التدبير وبين الديمقراطية التشاركية، عبر إشراك الفاعلين الاجتماعيين ولا سيما النقابات والمهنيين في تتبع أثر الاستثمار، لضمان عدم انحراف المشاريع عن أهدافها الاجتماعية، وللتأكد من أن القيمة المضافة المنتجة محليا يعاد استثمارها في تحسين الخدمات الاجتماعية ورفع جودة حياة المواطن.
ومن منظور سياسة إعداد التراب الوطني، يجب على الفاعلين الحكوميين أيضا القطع مع الاستثمار المعزول من خلال إطلاق برامج الربط التنموي. وهي إجراءات تهدف إلى بلورة جسور مادية ولوجستيكية تربط المشاريع الكبرى بالأسواق القروية والمناطق الجبلية المجاورة إن تيسر ذلك، مما يؤدي إلى خفض كلفة النقل والإنتاج، ويساهم في حماية القدرة الشرائية عبر خفض أسعار المواد الأساسية.
وفي الجانب المؤسساتي، من الممكن إحداث مرصد وطني (أو أي هيئة مماثلة) لتتبع أثر الاستثمار على التشغيل والقدرة الشرائية، مع اعتماد نظام التحفيز الضريبي المشروط المرتبط حصرا بإحداث فرص شغل للشباب والنساء، لجعل الاستثمار العمومي محركا للارتقاء الاجتماعي وليس مجرد رقم في ميزانية الدولة، ولضمان مغرب يتقاسم فيه الجميع ثمار التنمية بكرامة وإنصاف كما جاء ذلك في مختلف التوجيهات والخطابات السامية للملك محمد السادس المؤطرة للموضوع.





