lundi 6 avril 2026
منبر أنفاس

محمد بوفتاس: النص المقدس والعقل المؤجل.. كيف جُمِّد المعنى وتوقّف الزمن؟

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
محمد بوفتاس: النص المقدس والعقل المؤجل.. كيف جُمِّد المعنى وتوقّف الزمن؟ محمد بوفتاس

ليس القرآن هو ما توقف، بل نحن من توقفنا عنده. تلك هي المفارقة التي لم نجرؤ على مواجهتها بصدق. فنحن نتعامل مع نص ثابت، مكتمل، محكم، نؤمن بقداسته المطلقة، لكننا في الآن ذاته نقرأه بعقل يخشى الحركة، ويخاف من إعادة النظر، ويبحث عن اليقين أكثر مما يبحث عن الفهم. وهنا لا تكمن الأزمة في النص، بل في العلاقة التي نسجناها معه، تلك العلاقة التي حوّلته من خطاب مفتوح على الزمن إلى منظومة مغلقة داخل التاريخ.

 

القرآن، في بنيته العميقة، لا يقدم نفسه ككتاب يُستهلك مرة واحدة، ولا كرسالة تنتهي صلاحيتها بانتهاء سياقها الأول، بل كنص يتجدد مع كل قراءة، ويتسع مع كل عقل، ويكشف معانيه بقدر ما يملك القارئ من أدوات للفهم. هو نص ثابت من حيث حروفه، نعم، لكنه ديناميكي من حيث دلالاته، لأنه يخاطب الإنسان، والإنسان ليس كائنًا ثابتًا. إن وعي الإنسان يتطور، وعلومه تتراكم، وإدراكه للعالم يتسع، وبالتالي فإن قراءته للنص لا يمكن أن تبقى أسيرة لحظة تاريخية بعينها.

 

غير أن ما حدث في مسار الفكر الديني هو العكس تمامًا. فبدل أن يتطور الفهم بتطور الإنسان، تم تثبيت الفهم، وكأن الزمن قد توقف عند لحظة التفسير الأولى. لم يعد النص هو المركز، بل أصبحت الشروح التي دارت حوله هي المركز، ثم تحولت هذه الشروح تدريجيًا إلى مرجعية نهائية، وكأنها امتداد للوحي نفسه. وهنا وقع الانزلاق الأخطر: حين انتقلت القداسة من النص إلى تفسيره، ومن المطلق إلى النسبي، ومن الإلهي إلى البشري.

 

في بداياته، كان التفسير فعلًا إنسانيًا حيًا، محاولة لفهم النص في سياق معين، بأدوات معرفية محدودة، وبوعي لم يكن يدّعي الكمال. كان المفسرون يدركون أنهم يجتهدون، وأن اجتهادهم قابل للمراجعة، وأن ما يقدمونه ليس إلا قراءة من بين قراءات ممكنة. لكن هذا الوعي النقدي تآكل مع الزمن، وحل محله نوع من التقديس غير المعلن، تقديس للتأويل، لا للنص، مما جعل الفكر الديني يتحول من فضاء مفتوح إلى منظومة مغلقة.

 

السلفية، بوصفها تعبيرًا عن هذا الميل إلى التثبيت، لم تكتفِ بالعودة إلى النص، بل عادت إلى فهم محدد للنص، ثم جعلت هذا الفهم معيارًا للحقيقة. وهنا لم يعد السؤال: ماذا يمكن أن يعني النص اليوم؟ بل أصبح: ماذا قيل فيه سابقًا؟ ومع هذا التحول، لم يعد التفكير فعلًا إبداعيًا، بل صار استعادة، ولم يعد الاجتهاد إنتاجًا، بل أصبح تكرارًا. وهكذا، فقد العقل قدرته على المغامرة، وعلى الخروج من المألوف، وعلى مساءلة ما يبدو بديهيًا.

 

لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا الجمود لم يبقَ محصورًا في الحقل الديني، بل تسلل إلى بنية العقل العربي نفسه، فأعاد تشكيله على نحو يميل إلى الامتثال أكثر من النقد، وإلى التسليم أكثر من التساؤل. أصبح التفكير مخاطرة، والسؤال تهديدًا، والاختلاف انحرافًا. ومع مرور الوقت، لم يعد الإنسان بحاجة إلى سلطة خارجية تمنعه من التفكير، لأنه صار يحمل هذه السلطة داخله، يراقب نفسه بنفسه، ويقمع أسئلته قبل أن تتشكل.

 

في المقابل، تطور العالم بوتيرة غير مسبوقة. تغيرت العلوم، وتوسعت المعارف، وظهرت أدوات جديدة لفهم الإنسان والكون، من الفيزياء إلى البيولوجيا، ومن علم النفس إلى الذكاء الاصطناعي. لكن هذا التطور لم يجد صدى حقيقيًا في كثير من القراءات الدينية، التي ظلت تستعمل نفس الأدوات القديمة، ونفس المفاهيم، ونفس الآليات التفسيرية، وكأنها تعمل خارج الزمن. وهنا ظهرت فجوة عميقة بين النص كما يمكن أن يُفهم، والنص كما يُقدَّم.

 

هذه الفجوة لم تؤد فقط إلى سوء فهم داخلي، بل ساهمت أيضًا في إنتاج صورة مشوهة عن الفكر الإسلامي في نظر العالم. فحين يبدو الخطاب الديني عاجزًا عن التفاعل مع الواقع، يُفهم ذلك على أنه قصور في النص، بينما هو في الحقيقة قصور في القراءة. وهنا تتضاعف الأزمة: أزمة فهم الذات، وأزمة تمثيلها أمام الآخر.

 

إن الخلط بين قدسية النص وثبات الفهم هو أحد أكبر العوائق أمام أي نهضة فكرية. فالنص يمكن أن يكون مطلقًا، لكن فهمه يظل نسبيًا، لأن الإنسان الذي يقرأه محدود بزمانه، ومعرفته، وسياقه. وكل محاولة لجعل هذا الفهم نهائيًا هي في جوهرها إلغاء لدعوة النص نفسه إلى التدبر. لأن التدبر لا يكون في المعلوم، بل في الممكن، ولا يتحقق في الإجابة، بل في السؤال.

 

ما نحتاج إليه اليوم ليس قطيعة مع التراث، بل مصالحة نقدية معه. ليس رفضًا لما قيل، بل إعادة قراءته. أن نفهم كيف فكر السابقون، لا لنكررهم، بل لنكمل ما بدأوه. لأنهم، في نهاية المطاف، لم يكونوا سوى بشر، اجتهدوا بما توفر لهم من أدوات، ولو عاشوا في زمننا، لفكروا بأدوات زمننا، لا بأدواتهم.

 

إن إعادة تفعيل ديناميكية التفسير ليست مجرد خيار فكري، بل ضرورة حضارية. لأن أي نص يفقد قدرته على التفاعل مع الواقع، يفقد حضوره في الوعي. والقرآن، بما يحمله من طاقة دلالية هائلة، لا يمكن أن يُختزل في قراءات محدودة، ولا أن يُحبس داخل أطر زمنية ضيقة. إنه نص يتجاوز الزمن، لكن فهمه لا يمكن أن يتجاوز الإنسان.

 

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدفاع عن النص، بل في تحرير العقل الذي يقرأه. تحريره من الخوف، من التقديس غير الواعي، من وهم الاكتمال، ومن الراحة التي يوفرها اليقين الجاهز. لأن العقل الذي لا يتحرك، لا يمكنه أن يفهم نصًا يدعوه إلى الحركة.

 

ربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال من جديد، لا باعتباره تهديدًا، بل باعتباره ضرورة: ماذا يعني أن نقرأ القرآن اليوم؟ ليس كما قُرئ بالأمس، بل كما يمكن أن يُفهم في ضوء ما نعرفه الآن، وفي أفق ما يمكن أن نعرفه لاحقًا. لأن النص، في نهاية المطاف، لا يعيش في الورق، بل في العقل، وإذا توقف العقل، توقف معه المعنى.

 

إن أعظم تكريم للنص ليس في تكراره، بل في فهمه، وليس في حفظه، بل في إدراك أبعاده، وليس في الدفاع عنه، بل في جعله حيًا داخل حركة الفكر. لأن النص المقدس لا يحتاج إلى من يحرسه بقدر ما يحتاج إلى من يفتحه… على الزمن، وعلى الإنسان، وعلى المستقبل.

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg