vendredi 3 avril 2026
كتاب الرأي

عصام خايف الله: آفاق المشاركة الشبابية في استحقاقات 2026 بين الطموح والإحباط

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عصام خايف الله: آفاق المشاركة الشبابية في استحقاقات 2026 بين الطموح والإحباط عصام خايف الله

تعتبر الانتخابات البرلمانية المقررة في عام 2026 بالمغرب محطة حاسمة لا تَكفي بأهميتها في التداول السلمي للسلطة أو في تجديد الغرفة التشريعية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكل اختبارا فعليا لدرجة فاعلية "النموذج التنموي" في إدماج الفئات الحيوية ضمن مسار البناء الديمقراطي. وفي صلب هذا الاختبار تتبلور إشكالية "المشاركة الشبابية"، التي ظلت على امتداد سنوات محور جدل بين خطاب رسمي يرفع من قيمة الشباب كرافعة للتنمية وواقع ميداني يشهد تراجعا متزايدا في الإقبال على التصويت.


إن الحديث عن مشاركة الشباب في انتخابات 2026 ليس مجرد تناول أرقام وإحصاءات، بل هو غوص في سيكولوجية جيل يواجه تحديات وجودية تتجسد في بطالة مستحدة وهشاشة اجتماعية وشكوك عميقة حول جدوى الفعل السياسي التقليدي. فهل سيكون شباب 2026 قوة فاعلة للتغيير داخل البرلمان؟ أم سيكتفون بدور المشاهد الناقد خارج أسوار المؤسسات؟ للإجابة على هذه الأسئلة، يلزم طرح تحليل نقدي يلامس بنية النظام الانتخابي وثقافة الأحزاب والنسيج الاجتماعي-الاقتصادي الذي ينتج فيه موقف الشباب من السياسة.


ولدى المغرب رصيد ديموغرافي من الشباب مهم، حيث تشكل فئة الشباب (بين 15 و35 عاما) جزءا كبيرا من القاعدة الانتخابية. غير أن الترجمة السياسية لهذا الوزن تبقى دون المطلوب. فرغم وجود آليات تشريعية أقرت لتعزيز تمثيلية الشباب، وعلى رأسها "اللائحة الوطنية للشباب" في استحقاقات 2016 و2021، إلا أن الأثر النوعي لهذا التمثيل ظل محدودا.


لقد أنجزت اللائحة الوطنية زيادة عدد الشباب داخل البرلمان، لكنها فشلت إلى حد بعيد في تكوين كتلة ضغط شبابية فاعلة تقود السياسات العامة. فقد وجد الشباب المنخرطون عبر هذه اللائحة في البرلمان غالبا رهائن انضباط حزبي صارم، أو مهمشين ضمن اللجان التشريعية، وهو ما أضعف بريق المقاعد كمنصة للتغيير. وبخصوص افاق 2026، يطرح تساؤل جوهري: هل ستظل هذه الآلية كما هي أم ستطور لتصبح أكثر فاعلية؟ الإجابة تحتاج إلى الاعتراف بأن “الكوتا” لا تصنع القادة بمفردها، بل تقتضي بيئة حاضنة داخل الأحزاب تمنح الشباب استقلالية القرار وقدرة المبادرة التشريعية، وهو شرط يظل نادر الحدوث في المشهد الحزبي المغربي الذي يهيمن عليه “زعماء التاريخ” وهياكل بيروقراطية متصلبة.


لفهم آفاق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، ينبغي الاستناد إلى المسار التاريخي القريب. فقد شكلت محطة 2011، عقب حركة 20 فبراير والدستور الجديد، ذروة أمل الشباب المغربي، حيث ارتفعت نسبة المشاركة وشكل الشباب ركيزة للتغيير المنشود. غير أن العقود اللاحقة، وتحديدا مع استحقاقي 2016 و2021، شهدت تآكلا ملحوظا لمستوى الثقة.


في انتخابات 2021 بلغت نسبة المشاركة أدنى مستوى تاريخي، وظهر الشباب كمكون غائب رئيسي من هذه المعادلة. لم يكن هذا الانخفاض عشوائيا، بل كان رسالة احتجاجية صامتة. إدراك جزء كبير من الشباب أن التصويت لا يغير من وضعهم المعيشي شيئا، وأن البرامج الانتخابية للأحزاب تلتقي في عمومياتها وتبتعد عن القضايا الملحة مثل التشغيل والصحة والتعليم. وبناء عليه، فإن التحدي الأكبر أمام 2026 يتمثل في استعادة الثقة المفقودة. لا يجوز استدعاء الشباب إلى مراكز الاقتراع بخطابات وطنية عامة، بل ينبغي تقديم عقد اجتماعي واضح يربط الصوت الانتخابي بتحسين الخدمات العمومية. فجيل اليوم يطالب بـ“النتائج الملموسة” ولا يقبل بالوعود المؤجلة.


تواجه الرغبة في المشاركة السياسية لدى الشباب عوائق هيكلية وقانونية تجعل الدخول إلى مجال الانتخابات أمرا شبه مستحيل.


أولا، تشكل “بوابة الأحزاب” عائقا رئيسيا، إذ تعاني معظم الأحزاب المغربية من أزمة تجديد قيادتها وتتعامل مع الشباب كأداة لوجستية أثناء الحملات الانتخابية (كالتوزيع التشاركي للمنشورات وتعبئة الحشود) أكثر من اعتبار الشباب شركاء في صنع القرار. وتخضع عملية اختيار المرشحين في كثير من الأحيان لمعايير الولاء والقدرة المالية بدلا من الكفاءة والبرامجية، مما يدفع الكفاءات الشبابية المستقلة إلى الانسحاب قبل المباشرة في المسار الانتخابي.


ثانيا، يظل العامل المالي عائقا حاسما. فجهود تنظيم الإنفاق، تظل التشريعات الانتخابية تفرض على المرشح الشاب تكاليف باهظة للحملات الدعائية والتنقل واللوجستيات، في حين يعاني جزء كبير من الشباب من هشاشة الدخل. وهذا الواقع يفضي إلى تمثيل برلماني يميل إلى من يمتلكون الموارد المالية، مما يعزز فكرة أن البرلمان كـ “نادي الأغنياء” أو كالجهات الداعمة لهم، وليست منصة تعكس تنوع المجتمع.


ثالثا، الإطار القانوني الانتخابي. ففي حين يُتوقع إجراء مراجعة للقانون الانتخابي قبل عام 2026، ينتظر الشباب إجراءات جريئة مثل تخفيض سن الترشح بشكل أوسع، وتبسيط مساطر الترشيح، وكذلك ضمان شفافية عملية فرز الأصوات ونزاهتها. وأي شكوك تتعلق بنزاهة العملية الانتخابية يمكن أن تنتشر بسرعة كبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين الشباب وتكون كافية لإحباط النية في المشاركة.


من الخطأ الاعتقاد بأن الشباب المغربي غير سياسي. الواقع يبين أن الشباب سياسيون للغاية، غير أن ممارستهم السياسية تتم بطرق غير تقليدية. فقد تحول فضاء المشاركة من صناديق الاقتراع إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن قاعات الأحزاب إلى جمعيات المجتمع المدني والحركات الاحتجاجية المطلبية (جيل z). يشعر الشباب أن الضغط عبر الهاشتاغ أو عبر حركة احتجاجية محلية قد يثمر نتائج أسرع من انتظار دورة برلمانية كاملة. تمثل هذه “السياسة البديلة” تحديا للنموذج التمثيلي الكلاسيكي. وبحلول أفق 2026، يتعين على المؤسسات السياسية فهم هذا التحول. بدلا من لوم الشباب على عزوفهم، يجب على الأحزاب الانتقال إلى حيث يوجد الشباب، أي الفضاء الرقمي. غير أن الانتقال الرقمي لا يقتصر على إنشاء صفحات على فيسبوك فقط، بل يتطلب تبني آليات للديمقراطية التشاركية الرقمية والاستماع الفعلي للمقترحات التي يطرحها الشباب عبر هذه المنصات ودمجها في البرامج الحزبية. إضافة إلى ذلك، هناك حاجة ماسة لربط العمل البرلماني بالنشاط الجمعوي. فالكثير من الشباب النشط في الجمعيات يمتلكون خبرة ميدانية في تدبير الشأن العام المحلي، إلا أن الجسر بين هذا النشاط والترشيح البرلماني يبقى غير مفعل. ففتح مسارات لدمج الكفاءات الجمعوية ضمن اللوائح الانتخابية قد يمثل حلا وسطا يجذب شبابا مؤهلين وخالين من صراعات بين فروع الأحزاب. بناء على الوضعية الراهنة، يمكن تصور سيناريوهين لمشاركة الشباب في 2026: السيناريو الأول، وهو الأكثر احتمالا في حال استمرار الوضع كما هو، يتمثل في استمرار ارتفاع نسب العزوف مع مشاركة شكلية للشباب يتم توظيفهم ضمن لوائح الأحزاب الكبرى لضمان الحد الأدنى من التجديد الشكلي. أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو “المفاجأة الإيجابية”، الذي يعتمد على إصلاحات جذرية تسبق الاستحقاقات.


ولتحقيق السيناريو الثاني، تتطلب الأمر حزمة من الإجراءات الجريئة:
تفعيل الحوافز المالية المرتبطة بتمثيلية الشباب عبر تطبيق معايير "دعم الكفاءات والشباب" الواردة في المادة المتعلقة بالدعم العمومي. بوجوب ربط الدعم الإضافي للأحزاب بشكل صارم بنسبة المرشحين الشباب (دون 35 سنة) الذين تم إدراجهم في مراتب متقدمة وقابلة للفوز ضمن اللوائح الانتخابية، مع تقييم أثر هذا الدعم بعد الانتخابات لضمان فعالية هذه الآلية في وصولهم إلى قبة البرلمان.


استهداف الشباب في برامج التأطير السياسي والاستثمار الرقمي وذاك عبر استغلال التعديلات الجديدة المتعلقة بالاستثمار في قطاع "خدمات الإعلام والتواصل الموجهة للتأطير السياسي" و"التواصل والأنشطة الرقمية". يجب تشجيع الأحزاب على تخصيص جزء من استثمارات شركاتها لإنشاء منصات رقمية تفاعلية وبرامج تكوينية موجهة حصريا للشباب، لتعزيز ثقافتهم السياسية وتحفيزهم على الانخراط الفعال في الحياة الحزبية والبرلمانية.
تطوير القيادة الحزبية المحلية للشباب عبر الاستفادة من شرط "التمثيلية المجالية" في مرحلة التأسيس لخلق دينامية شبابية جهوية. ويمكن للأحزاب اعتماد برامج لاكتشاف وتأهيل قيادات شابة على المستوى المحلي والجهوي، مع ضمان تمثيلهم الفعلي في المؤتمرات الوطنية. هذا من شأنه بناء قاعدة شبابية قادرة على الترشح والفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة، مستفيدة من قربها من القاعدة الانتخابية المحلية.


إشراك الشباب في مراكز القرار والتفكير عبر مواءمة النظام الداخلي للأحزاب مع مقتضيات القانون لضمان إدماج نسب معتبرة من الشباب في الهياكل القيادية (كالأمانة الوطنية أو المكتب السياسي) وفي مراكز التفكير والبحث التي يدعمها القانون. فوجود الشباب في مواقع صنع القرار داخل الحزب سيمكنهم من اكتساب الخبرة اللازمة للعمل البرلماني وبناء أجندة تشريعية تعكس أولوياتهم وتطلعاتهم.


إن الانتخابات المقررة في 2026 ليست مجرد موعد تقويمي، بل هي مرآة تعكس صحة الجسد الديمقراطي المغربي. مشاركة الشباب فيها ليست رفاهية، بل شرط أساسي لاستدامة الاستقرار وجودة التشريعات التي ستحكم البلد في العقد القادم. فتيحة المغرب ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل هي حلّ بحد ذاته لمساعي التنمية والديمقراطية.


إبقاء الشباب على الهامش، أو معاملتهم كأرقام إحصائية، يمثل مخاطرة جسيمة قد تقود إلى تفكيك العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وعلى النقيض من ذلك، فإن الدمج الحقيقي، النزيه، والفعال للشباب في العملية الانتخابية سيمنح المؤسسات روحاً جديدة، ويضفي الشرعية اللازمة للبرلمان لقيادة الإصلاحات الصعبة التي ينتظرها المغاربة.


الكرة الآن في ملعب الفاعلين السياسيين والمؤسسيين. فالمهلة المتبقية حتى 2026 كافية لبناء جسور الثقة، لكنها قصيرة جداً لإصلاح تراكمات عقود. والسؤال الذي سيجيب عليه التاريخ القريب هو: هل ستنجح النخبة السياسية في إقناع شباب المغرب بأن الصندوق الانتخابي هو السلاح الأقوى للتغيير؟ أم ستترُكهم يبحثون عن وسائل أخرى قد تكون تكلفتها أعلى على الجميع؟ سيكون الجواب في صناديق 2026، لكن التحضير له يبدأ من اليوم.

 

عصام خايف الله، فاعل مدني مهتم بقضايا الشأن العام

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg