lundi 30 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
مجتمع

حسن طارق في الدرس الافتتاحي بجامعة شعيب الدكالي: الوساطة المرفقية ورهان الإنصاف في بناء دولة القانون والحكامة الإدارية

حسن طارق في الدرس الافتتاحي بجامعة شعيب الدكالي: الوساطة المرفقية ورهان الإنصاف في بناء دولة القانون والحكامة الإدارية مشاهد من اللقاء

احتضنت القاعة الكبرى بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، يوم الأربعاء 25 مارس 2026، درسا افتتاحيا أكاديميا وحقوقيا ألقاه السيد حسن طارق، وسيط المملكة، تحت عنوان: "الوساطة المرفقية ورهان الإنصاف". وقد شكل هذا اللقاء العلمي لحظة فكرية ومؤسساتية بارزة، ليس فقط لافتتاح الموسم العلمي، ولكن أيضا لطرح أسئلة عميقة تمس صميم فلسفة الانصاف والعدالة، والحكامة الإدارية، وعلاقة المواطن بالإدارة.

 

وقد عرف هذا اللقاء حضورا وازنا ضم السيد عزالدين عازم رئيس جامعة شعيب الدكالي، والسيد السعيد المسكيني عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، والسيد محمد الزهراوي رئيس مركز الدكتوراه الذي تكلف بتنسيق وتسيير الدرس الافتتاحي، وعمداء ومديري مختلف المؤسسات الجامعية التابعة للجامعة، والكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم العالي، إلى جانب ثلة من الأساتذة الباحثين وطلبة الماستر والدكتوراه وفعاليات من المجتمع المدني والمهتمين بالشأن الحقوقي والإداري. ومما منح هذا الدرس قيمة إضافية هو انخراطه في سياق وطني ومؤسساتي خاص، يتمثل في الاحتفاء بسنة 2026 كسنة للوساطة المرفقية، تزامنا مع مرور خمسة وعشرين عاما على إحداث البنية الأولى للوساطة ممثلة في ديوان المظالم، فضلا عن اعتماد التاسع من مارس يوما وطنيا للوساطة المرفقية، بما يعكس التحول الذي عرفته الدولة المغربية في اتجاه ترسيخ ثقافة الإنصاف في علاقتها بالمرتفقين.

 

قبل الانتقال إلى الأفق الدستوري والمؤسساتي لمؤسسة الوسيط، خصص السيد حسن طارق لحظة منهجية دقيقة لتحديد الإشكالية المركزية للدرس، مؤكدا أن موضوعه لا يبتعد عن سؤال جوهري يتمثل في العلاقة المركبة بين الإنصاف والوساطة. وأوضح أن التفكير في الإنصاف يقتضي العودة إلى الخلفية الفلسفية التي صاغت هذا المفهوم عبر التاريخ، وإلى طبيعة علاقته بمفهوم العدالة. فالحديث عن الإنصاف، في عمقه النظري، هو حديث عن العدل والعدالة، وعن الكيفية التي تشكل بها هذا الاقتران داخل الفلسفة السياسية منذ التقليد اليوناني القديم وصولا إلى الفلسفة الغربية الحديثة. ومن هنا شدد على أن العدالة ظلت دوما فكرة محورية في الفكر السياسي والفلسفي، وأن الإنصاف لم يكن يوما مفهوما معزولا عنها، بل جاء باعتباره تطويرا عمليا وأخلاقيا لها في مواجهة تعقيدات الواقع.

 

وانطلاقا من هذا المدخل، طرح المحاضر سلسلة من الأسئلة الفكرية والقانونية التي منحت الدرس عمقه الأكاديمي: كيف تطورت فكرة الإنصاف تاريخيا؟ وكيف تم التفكير في العلاقة بينها وبين العدالة؟ وكيف انتقلت من حقل الفلسفة إلى المجال القانوني لتصبح جزءا من الفقه الإداري والفقه الدستوري؟ ثم كيف انتهى بها المسار إلى أن تصبح أحد المرتكزات المركزية للوساطة المرفقية باعتبارها جهدا مؤسساتيا لحل النزاعات الإدارية بطرق غير قضائية؟ وقد شكل هذا التسلسل المنهجي مدخلا بيداغوجيا مهما للطلبة والباحثين، لأنه أعاد بناء مفهوم الإنصاف من جذوره النظرية إلى تمظهراته المؤسساتية داخل الدولة الحديثة.

 

وفي امتداد لهذا البناء النظري، دعا حسن طارق إلى العودة إلى السياق المغربي لطرح سؤال بالغ الأهمية يتعلق بكيفية تأثر فكرة الإنصاف بالتحولات السياسية والمؤسساتية والحقوقية التي عرفها المغرب. وفي هذا الإطار، توقف عند ثلاث لحظات كبرى شكلت الخلفية الوطنية لتبلور هذا المفهوم. اللحظة الأولى هي لحظة العهد الجديد، التي تميزت بترسيخ مؤسسات جديدة وفلسفة جديدة في الحكم، وكان من أبرز عناوينها المفهوم الجديد للسلطة. وهنا أبرز أن العودة إلى الخطاب الملكي المؤسس لديوان المظالم تكشف بوضوح عن الربط المبكر بين إحداث هذه المؤسسة وبين ترسيخ الوساطة الإدارية، ثم بين الوساطة الإدارية وفكرة الإنصاف، بما يدل على وضوح الرؤية في بناء علاقة جديدة بين الإدارة والمواطن قوامها الثقة والإنصاف.

 

أما اللحظة الثانية، فقد تمثلت في مرحلة العدالة الانتقالية مع إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي محطة اعتبرها المحاضر لحظة مفصلية في تطور المفهوم داخل التجربة المغربية، حيث خرج الإنصاف من أفقه الفلسفي والقانوني إلى مجال معالجة الذاكرة الجماعية والإنصاف الحقوقي وجبر الضرر. وقد ارتبط هذا السياق أيضا بموضوعات الحقيقة والمصالحة، ما جعل الإنصاف يتحول إلى قيمة مؤسساتية ذات بعد سياسي وحقوقي عميق.

 

ثم جاءت اللحظة الثالثة مع دستور 2011، الذي مثل إطارا حقوقيا متقدما أعاد شحن مفهوم الإنصاف بدلالات دستورية جديدة، من خلال ما خصصه من أبواب للحقوق والحريات وهيئات الحكامة الجيدة، وهو ما أتاح للوساطة المرفقية أن تجد سندها الدستوري الصريح داخل هندسة المؤسسات. بهذا المعنى، لم يعد الإنصاف مجرد قيمة أخلاقية أو اجتهاد إداري، بل أصبح جزءا من التصور الدستوري لدولة القانون والحكامة.

 

في مستهل مداخلته، حرص حسن طارق على تأطير هذا الدرس ضمن الأفق الدستوري والمؤسساتي لمؤسسة الوسيط، مبرزا أن هذه المؤسسة لم تعد مجرد آلية لتلقي التظلمات الإدارية، بل أصبحت فاعلا عموميا مركزيا في ترسيخ الحكامة الإدارية وتطوير النقاش العمومي حول جودة المرفق العمومي. وأكد أن الانتداب الدستوري للمؤسسة يقوم على وظيفتين متكاملتين: الأولى تتعلق بحماية المرتفق من مظاهر الشطط الإداري وسوء تطبيق النصوص وتعقيد المساطر وغياب التواصل، والثانية ترتبط بالحكامة من خلال تقديم التقارير والتوصيات والاقتراحات والمساهمة في تطوير الأداء الإداري وتحديث علاقة الإدارة بالمواطن.

 

غير أن القيمة العلمية الكبرى للدرس تجلت في اختياره تأصيل مفهوم الإنصاف في علاقته مع الوساطة من زاوية فلسفية وقانونية دقيقة. فقد عاد المحاضر إلى الجذور الفلسفية للمفهوم في التقليد اليوناني، متوقفا عند أفلاطون في حديثه عن العدالة باعتبارها إحدى الفضائل المركزية للمدينة الفاضلة، قبل أن يمنح حيزا أوسع للتأصيل الأرسطي الذي يعتبر الإنصاف تصحيحا للقانون عندما تعجز القاعدة العامة عن استيعاب الحالة الخاصة. ومن خلال هذا المدخل، قدم الإنصاف بوصفه عدالة تصحيحية وسياقية وإنسانية، لا تنازع الشرعية القانونية، بل تستدرك محدودية العمومية والتجريد في النصوص.

 

وامتد هذا النفس التأصيلي إلى استحضار ابن رشد في تلخيصه لأخلاق أرسطو، وخاصة قولته الشهيرة: "المنصف أفضل من العدل"، وهي إحالة فكرية ذات حمولة كبيرة في فلسفة القانون، لأنها تؤكد أن المقصود ليس تجاوز العدالة، بل بلوغ مرتبة أرقى من العدالة التطبيقية التي تراعي خصوصية الوقائع وتعقيد الحالات الفردية. كما انتقل المحاضر بسلاسة إلى الفلسفة السياسية الحديثة، مستحضرا نظرية جون راولز حول العدالة بوصفها إنصافا، حيث يتكامل مبدأ المساواة مع تكافؤ الفرص ومع ضرورة معالجة أوضاع اللامساواة البنيوية بسياسات منصفة تراعي الهشاشة والاختلالات المجالية والاجتماعية.

 

ومن هذا الأفق الفلسفي، انتقل الدرس إلى المجال القانوني، حيث أبرز حسن طارق أن انتقال الإنصاف إلى القانون العام ارتبط بوعي الفقه القانوني بمحدودية القاعدة القانونية العامة والمجردة في استيعاب كل الحالات الواقعية. فالقانون، مهما بلغت دقته، يظل جهدا بشريا محكوما بحدود العمومية والتجريد، وهو ما يجعل تطبيقه الحرفي في بعض الحالات منتجا لنتائج قد تكون قانونية لكنها غير منصفة. هنا بالضبط تتأسس الحاجة إلى الوساطة المرفقية باعتبارها آلية مؤسساتية قادرة على تكييف التطبيق الصارم للنصوص مع الحالات الخاصة، وعلى البحث عن حلول ودية قائمة على تأويل النصوص في ضوء روح العدالة ومبادئ الإنصاف.

 

وقد كان من أبرز الأفكار التي استوقفت الحضور تأكيده أن حكم القانون لا يؤدي دائما إلى الإنصاف، رغم احترام الشرعية. فالإدارة، بحكم خضوعها لمبدأ الشرعية، قد تطبق النص تطبيقا سليما، لكن المواطن قد يظل يشعر بالغبن لكون النص نفسه لم يراع وضعه الخاص أو الظرفية الاستثنائية التي يعيشها. ومن هنا تبرز فلسفة الوساطة لا كبديل عن القضاء الإداري، بل كآلية دستورية مكملة له، تختلف عنه في المنهجية والمساطر والمخرجات، وتسعى أساسا إلى إنتاج قرارات بالتسوية تقوم على الاستماع لحجج الطرفين، وإيجاد حل توافقي يراعي القانون وأخلاقيات الإنصاف معا.

 

وقد أغنى النقاش التفاعلي الذي أعقب الدرس، إذ انصبت أسئلة المتدخلين على قضايا شديدة الصلة بإشكالات القانون العام المعاصر، من قبيل الفرق بين الوساطة المرفقية والقضاء الإداري، ومدى إلزامية توصيات مؤسسة الوسيط، والإكراهات الواقعية التي تواجه المؤسسة، ثم آفاق تطوير الوساطة القطاعية، خاصة في المجالين الصحي والجامعي. وفي جوابه، أوضح حسن طارق أن الأصل في عمل المؤسسة ليس إصدار توصيات، بل السعي إلى قرارات بالتسوية، وهي الصيغة الغالبة في معالجة الملفات، بينما تصدر التوصيات عند تعذر الوصول إلى تسوية، مستندة إلى الشرعية الدستورية والقانونية والتنظيمية للمؤسسة. أما الاقتراحات الموجهة إلى البرلمان أو الحكومة فهي تدخل ضمن وظيفة الحكامة والحوار العمومي، وتندرج في إطار الديمقراطية التداولية.

 

ومن أهم الخلاصات التي ميزت هذا اللقاء إعلان وسيط المملكة عن توجه استراتيجي جديد للفترة 2026–2030، يقوم على الانتقال من مجرد تدبير الملفات الفردية إلى التقاط الاختلالات البنيوية المنتجة للتظلمات. وهذا التحول يرفع مؤسسة الوسيط إلى مستوى منتج للمعرفة المؤسساتية وفاعل في تقييم السياسات العمومية، بما يفتح آفاقا بحثية واسعة أمام الباحثين في القانون الإداري والقانون الدستوري وحكامة المرافق الاجتماعية.

 

كما حظي موضوع الوساطة الصحية والجامعية باهتمام خاص تفاعلا مع النقاش، حيث تم التأكيد على ضرورة بناء وساطات قطاعية قادرة على فهم خصوصيات كل مرفق اجتماعي، وعلى معالجة التوترات الناتجة عن سوء التواصل أو تعقيد الإجراءات أو ضعف البنيات التنظيمية. ويكتسي هذا الورش أهمية مضاعفة بالنظر إلى تصاعد الطلب المجتمعي على الحق في الصحة والحق في التعليم العالي، وارتفاع منسوب الوعي بالمواطنة لدى الأجيال الجديدة.

 

إن القيمة المرجعية لهذا الدرس الافتتاحي لا تكمن فقط في غنى مضمونه، بل في كونه قدم نموذجا لالتقاء التأصيل الفلسفي بالتحليل القانوني والممارسة المؤسساتية، وهو ما يجعله مادة ثمينة للباحثين في القانون العام والحقوقيين وطلبة الدراسات العليا. فقد نجح حسن طارق في إعادة بناء العلاقة بين الشرعية والإنصاف، وبين القضاء والوساطة، وبين حماية الحقوق والحكامة الإدارية، داخل تصور متكامل لدولة القانون لا يكتفي بالتطبيق الحرفي للنص، بل يستحضر روح العدالة ومقاصد المرفق العمومي.

 

وعليه، يمكن اعتبار هذا الدرس الافتتاحي، بما تضمنه من أطروحات وما أثاره من نقاشات، أرضية علمية صلبة لإعادة التفكير في قضايا التظلم الإداري، والعدالة الإدارية، وهو ما يجعله مرجعا مهما للباحثين والمهتمين بتطورات القانون العام المغربي.