dimanche 29 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

محمد عزيز الوكيلي: مضطر إلى الكلام مرة أخرى في "الكورة" !!

محمد عزيز الوكيلي: مضطر إلى الكلام مرة أخرى في "الكورة" !! محمد عزيز الوكيلي

أحياناً يجد المرء نفسه مدفوعاً دفعاً مُبرِحاً ومُقْلِقاً لاتخاذ مواقف ليست من قَبيل عاداته أو سلوكاته الاعتيادية، مثل هذا الذي جرّني إليه ذلك الحدث الغريب، الذي شهده أحد ملاعب كرة القدم الفرنسية، "ستاد دو فرانس" بجلال قدره وعظمة قيمته التاريخية ووزنه العالمي !!

 

ذلك الحدث، المتمثل في احتفاء المنتخب السنغالي لكرة القدم بفوزه، أو بالأحرى باختطافه عُنْوَةً لكأس بطولة الأمم الإفريقية، برسم الدورة الخامسة والثلاثين التي احتضنها المغرب فيما بين سنتَي 2025 و2026. والأغرب من كل ذلك، ما سأسجله من الملاحظات الوازنة أدناه !!

 

أولاً: 
أن السنغال لم تترك منتخبها الوطني لكرة القدم يُقْدِم على تلك الخطوة، الغريبة والفريدة من نوعها في تاريخ الكرة المستديرة، بل شاركت في الحدث بأطقُمِها الإدارية والتقنية والموازية، وحتى بفعالياتها الرسمية السياسية والدبلوماسية، مما أضفى على ذلك الحدث طابعاً نظامياً لكونه صادراً عن "دولة"، وهذا وحده في منتهى العجب، ومن شأنه أن يصيب المتتبعين بالذهول لاعتبارات سيأتي ذكرها أدناه !!

 

ثانيا:
أن السنغال، والتسمية هنا، الآن، دالّةٌ على الدولة بمختلف مكوناتها، ارتكبت جنحة "انتحال صفة"، وهذه الجنحة تُعاقِب عليها قوانين كل الدول بلا استثناء، لأنها تَنسُب لِمرتكبِها شيئاً أو صفةً ليست له ولا حق له فيها أساساً، وقد نسبت دولة السنغال لنفسها صفة "بطلة الأمم الإفريقية في كرة القدم برسم الدورة 35"، والتي تعتبر  بمقتضى قوانين الاتحاد الإفريقي لكرة القدم "مغربيةً خالصةً" بعد أن صدر في هذا الشأن حكم استئنافي "يكتسي قوة الشيء المَقضي به"، إلى غاية صدور حكم ينقضه ويُبطله، أي أنه يعتبر حكما نافذاً ومُلزِماً لجميع الأطراف ما لم يصدر قرار قضائي أعلى درجةً يُبطِلُه أو يعدّله أو يتممه !!

 

ثالثاً:
إن هذا السلوك يعتبر بالمنطق وبالقانون خرقاً سافراً لقوانين الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وبتحصيل الحاصل خرقاً لأنظمة "الاتحاد الإفريقي الأب"، الذي تُشكّل دولة السنغال أحد أعضائه المؤسسين، وهذا وحده يضع هذه الدولة مبدئياً وقانونياً وعملياً في موقف لا تحسد عليه، ولم يسبق أن سقطت فيه أي دولة إفريقية من قبل ... وبهذا تكون السنغال سباقةً إلى ممارسةٍ لا يمكن تصنيفها إلا في خانة "الخروج على القانون" !!

 

رابعاً: 
أن هذا السلوك، من خلال صدوره عن التركيبة الرسمية لممارسيه، ينمّ عن إصرار على الهروب إلى الأمام، في تحدٍ سافرٍ هو الآخَر للقوانين والأعراف الإفريقية والعالمية المعمول بها في هذا المضمار الرياضي، بل وفي مجال التعامل الدولي على العموم، منذ نشأة هذه الرياضة !!

 

خامساً:
وهذا أيضاً في منتهى الغرابة، أن فرنسا الرسمية، لم تعترض على هذا الحدث، بل ساهمت في تأثيثه وتلميعه ومنحه كل أسباب ووسائل الانتشار، مما يدل على ذلك الرباط الذي لا يزال وثيقاً، كما كان دائماً، بين فرنسا من جهة، وإحدى مستعمراتها السابقة الأكثر حظوةً من جهة ثانية... وفي هذا الترتيب تأتي السنغال بعد الجزائر مباشرة، وبصورة تكاد تثير السؤال الحارق والمحرج: "إلى أي حد استقلت الجزائر والسنغال فعلاً عن الجمهورية الفرنسية الخامسة" ؟!

 

سادساً:
وهذا المعطى يكتسي أهمية خاصة من وجهة النظر الدولية، أن هذا السلوك يشكل خرقاً للقانون المنظِّم للاتحاد الدولي لكرة القدم، الفيفا، الذي جاء في المادة 15 منه أن القرارات الصادرة عن أي هيأة قضائية أو تحكيمية جهوية أو قارية أو دولية في كرة القدم تعتبر مُلزمة ونافذة بالنسبة للأطراف المعنية بها في انتظار قرارات النقض التي يمكن أن تصدر عن الهيأة العليا ("الطاس" أو "الكاس" TAS - CAS) في حالة اللجوء إليها طبقا للمساطر الشكلية والموضوعية المنصوص عليها في لوائح الفيفا.

 

وبالتالي، فالاحتفال الحاشد والكبير الذي أقامته السنغال منتخباً وطاقماً تقنياً وإداريين ومسؤولين وإعلاميين في ملعب "ستاد دو فرانس" يشكّل بكل المعايير تحدياً صريحاً للاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم، وخرقاً جلياً ومقصوداً للقانونين الإفريقي والدولي لهذه اللعبة، التي حولها السنغاليون والحالة هذه إلى ما يشبه السيرك، لكثرة البهلوانات المشاركين فيه، ولا أستبعد أن تكون لجارتنا سيّئة الذكر يد بشكل أو بآخر في هذا الذي وقع، ولو على سبيل تمويل الحفل وإرشاء المطبلين له من مختلف المشارب !!

 

لكن، تبقى سيدة الغرائب المذكورة كلها، والتي أشم فيها تحديداً رائحة جيران السوء المتطوّرين في الغباء، أن السنغال قدمت مذكرة نقض لقرار الكاف لدى المحكمة العليا للفيفا، الطاس، لأنها تعتبر قرار الاتحاد الإفريقي الاستئنافي جائرا في حقها... ولكن، كيف يشتكي السنغاليون إلى المحكمة العليا لدى الفيفا وفي الوقت ذاته لا ينتظرون قرارها، ويُقيمون احتفالهم ذاك ضدّاً في قوانين الفيفا نفسها، في وقت ينتظرون فيه عطفها وتفهّمها لموقفهم... ما هذه الدرجة الراقية من الغباء، الذي صار "سنغاليا/جزائريا" بامتياز ؟!!

 

الأيام القليلة القادمة كفيلة بإخبارنا عن المواقف والتدابير التي قد يتخذها الاتحادان المذكوران، الإفريقي والدولي، بعد أن ضرب إخواننا السنغاليون بأنظمتِهِما ولوائحِهِما عرض الخائط في وَضَح النهار، وأمام أنظار العالم... عجبي !!!
محمد عزيز الوكيلي،  إطار تربوي متقاعد.