في لحظة دولية دقيقة تعاد فيها صياغة ملامح السياسات العالمية المرتبطة بالمناطق الجبلية، تحتضن امارة اندورا ما بين 26 و28 مارس 2026 اشغال الاجتماع السابع لـMountain Partnership، وهو موعد استراتيجي لا يقتصر على النقاش، بل يمتد الى اعادة تشكيل مراكز القرار داخل الشراكة للفترة 2026–2030. هذا الحدث، الذي يسبق نهاية برنامج “خمس سنوات من العمل من اجل تنمية المناطق الجبلية”، يشكل محطة حاسمة لتثبيت موقع الجبال في قلب الاجندة العالمية للمناخ والتنمية المستدامة.
منذ اليوم الاول، اتضحت طبيعة الرهانات. فقد انطلقت القمة بجلسات افتتاحية رفيعة المستوى، بمشاركة قيادات دولية ومسؤولين امميين، تلتها مائدة مستديرة لمؤسسي الشراكة، قبل ان تنتقل النقاشات الى قضايا محورية مثل التغير المناخي، حماية النظم البيئية، والسياحة المستدامة. كما شهد البرنامج تنظيم اجتماعات وزارية مغلقة تعد الفضاء الحقيقي لصياغة التوجهات وبناء التحالفات بين الدول . هذه الدينامية تعكس بوضوح ان التأثير في هذا النوع من المنتديات لا يتم فقط عبر الحضور، بل عبر التموضع داخل دوائر القرار.
في هذا السياق، برز حضور حكومي قوي من مختلف مناطق العالم. فقد تقدمت دول مثل Nepal بطرح يركز على هشاشة النظم الجبلية وتأثيرات التغير المناخي، بينما لعبت Kyrgyzstan دورا قياديا في الدفع نحو ادماج قضايا الجبال في مفاوضات المناخ الدولية. وفي اوروبا، سعت Andorra، البلد المضيف، الى تجديد موقعها داخل اللجنة التوجيهية، الى جانب Romania التي قدمت نماذج تنموية قابلة للتعميم في المناطق الجبلية.
اما في امريكا الجنوبية، فقد سجلت كل من Chile وPeru حضورا وازنا، مستندتين الى خبرتهما في تدبير جبال الانديس وقضايا الانهار الجليدية، في حين برزت في افريقيا جنوب الصحراء دول مثل Uganda وMalawi وGhana، التي جمعت بين العمل الميداني والتأثير في السياسات الاقليمية. هذا الزخم يعكس تحولا واضحا: الجبال لم تعد قضية بيئية هامشية، بل اصبحت جزءا من معادلات الامن المناخي والغذائي العالمي.
في مقابل هذا الحضور الحكومي المكثف، يسجل المغرب غيابا لافتا ومزدوجا، اذ لم يتقدم باي ترشيح لعضوية اللجنة التوجيهية،كما لم يحضر اي ممثل عن الحكومة المغربية اشغال القمة، بما في ذلك الاجتماعات الوزارية المغلقة التي تشكل قلب عملية صنع القرار. هذا الغياب يضع المغرب خارج دينامية التفاوض والتأثير في مرحلة حاسمة يتم فيها تحديد اولويات العمل الدولي للسنوات المقبلة.
ورغم هذا الغياب الرسمي، لا يغيب المغرب بالكامل عن المشهد، اذ يسجل حضوره من خلال المجتمع المدني عبر الائتلاف المدني من اجل الجبل، ممثلا بمنسقه الوطني محمد الديش، الذي يخوض غمار الترشح ضمن فئة المنظمات الكبرى. وتكتسب هذه المشاركة اهمية خاصة بالنظر الى ان الائتلاف ليس فاعلا جديدا داخل الشراكة، بل سبق له ان كان عضوا في اللجنة التوجيهية المنبثقة عن القمة العالمية السادسة التي احتضنتها Aspen سنة 2022، قبل ان يتقدم اليوم بترشيح جديد يعكس استمرارية في الالتزام والرغبة في مواصلة التأثير.
هذا الامتداد المؤسساتي يمنح الائتلاف مصداقية اضافية، حيث راكم تجربة في العمل داخل جهاز القيادة، وفهم اليات التنسيق والتوجيه الاستراتيجي داخل شراكة الجبال . كما ان خبرته في الربط بين الترافع وصناعة السياسات، يجعلان منه فاعلا قادرا على نقل صوت الساكنة الجبلية من المستوى المحلي الى الفضاءات الدولية.
في المقابل، يواجه الائتلاف منافسة من مؤسسات مثل Saudi Geographical Society وUniversity of Tehran، في سباق يعكس تعددية النماذج بين المقاربة العلمية، والمؤسساتية، والمجتمعية. غير ان ما يميز الائتلاف المغربي هو جمعه بين الخبرة الميدانية والتجربة المؤسساتية السابقة داخل اللجنة التوجيهية، وهو عنصر حاسم في مثل هذه الاستحقاقات.
في المحصلة، تكشف قمة اندورا 2026 عن مفارقة عميقة: حكومات تتحرك لتامين مواقعها داخل هندسة القرار العالمي، مقابل غياب رسمي مغربي كامل، يقابله حضور مدني يسعى الى حمل الرهان الوطني. وبين هذا الغياب وذلك الطموح، يبرز ترشيح الائتلاف المدني من اجل الجبل كفرصة استراتيجية ليس فقط لضمان تمثيلية المغرب، بل للحفاظ على موقعه داخل دينامية دولية تتزايد اهميتها يوما بعد يوم.
ويبقى السؤال مفتوحا:
هل ينجح المجتمع المدني في تحويل هذا الحضور الى تاثير فعلي داخل دوائر القرار، ام ان كلفة الغياب الرسمي ستظل تلقي بظلالها على موقع المغرب في هذا الملف الحيوي؟
