في سياق التحولات السياسية والإجتماعية التي تعرفها بلادنا، لم يعد خافيا علينا أن العديد من التنظيمات التي نشأت لخدمة قضايا الجماهير الشعبية قد انحرفت تدريجيا عن مهامها التاريخية، لتنزلق نحو مستنقع الوصولية والإنتهازية.فلقد أصبح الولاء الشخصي لا الإلتزام النظري هو معيار الترقي داخل أجهزة الحزب، وصار المنصب غاية في ذاته، بدل أن يكون أداة في خدمة المشروع التحرري الديمقراطي ببلادنا، غير أن هذا الإنحراف لا يمكن فهمه إلا من خلال تأطير نظري دقيق لطبيعة التنظيم ودوره في الصراع الطبقي الدائرة رحاه بين كادحي هذا الوطن وأعدائهم الطبقيين.
في المنظور الماركسي اللينيني، يشكل الحزب أداة تاريخية لتنظيم وعي الطبقة العاملة وقيادة نضالاتها، الطبقة العاملة بمفهومها الواسع الذي تحدث عنه الشهيد عبد السلام المودن (الطبقة العاملة المهندسة) والماركسي مايكل هارت وأنك نيو نيغري (مفهوم الحشد)، وهو ليس مجرد جهاز إداري، بل وحدة جدلية بين النظرية والممارسة، تحكمها المركزية الديمقراطية، حيث يفترض أن يفتح النقاش الإيديولوجي على مصراعيه داخل التنظيم، ليحسم ديمقراطيا، ثم يطبق بشكل موحد، غير أن غياب هذا الأساس النظري، أو تحريفه، يفتح الباب أمام صعود البيروقراطية، وتحول الحزب إلى جهاز مغلق يعيد إنتاج ذاته. فحين تفرغ النظرية من مضمونها، تصبح الممارسة عرضة للإنحراف، ويتحول التنظيم من أداة للتحرر إلى أداة للضبط.
انطلاقا من هذا الفهم، يمكن تأريح ما جرى داخل الحزب الإشتراكي الموحد كمسار تدريجي من التدهور التنظيمي، حيث سادت النزعات الوصولية والإنتهازية داخل القيادة، وتم تكريس منطق الولاء مقابل الإمتياز، ولم تكتف هذه القيادة بالإنحراف عن الخط الديمقراطي بل مارست حصارا إيديولوجيا ممنهجا على قواعد الحزب عبر تقييد النقاش وتهميش الأصوات النقدية وإقصاء كل محاولة لإعادة الإعتبار للصراع الفكري الديمقراطي المنظم داخل الهياكل الحزبية. وقد أدى هذا الحصار إلى نتيجة حتمية تمثلت في عزلة القيادة عن قواعدها، وتفكك الروابط التنظيمية الحية، إذ تجلى ذلك بشكل صارخ في تدمير روافد الحزب الأساسية، من شبيبة طلابية وشبيبة حزبية، والتي كانت تاريخيا تشكل فضاء لإنتاج الكوادر وتجديد الدماء النضالية. لقد تحولت بعض الأطر التظيمية داخل الحرب إلى هياكل شكلية، أو اختفت تحت ضغط البيروقراطية، ما أدى الى فراغ تنظيمي خطير لم يسبقه مثيل.
في هذه المرحلة، لم يعد الحزب قادرا على مواكبة التحولات الميدانية، خاصة مع بروز ديناميات شبابية جديدة، كحراك Gen Z، الذي يعكس تحولات عميقة في أشكال الوعي والتنظيم، إذ أن الحزب بدل الإنخراط في هذه الديناميات النضالية، ظل مغيبا ( بفعل فاعل) و حاضرا بشكل محتشم، لا يتجاوز التقاط الصور وتسجيل المواقف الشكلية في حدود ماهو مسموح به في علاقتهم بالسلطة القائمة. وهو ما يعكس فقدانه لوظيفته كمثقف جماعي، بالمعنى الذي حدده "أنطونيو غرامشي".
وفي هذا الصدد تطرح التجربة البرلمانية للحزب تساؤلات حادة حول طبيعة المشاركة الإنتخابية خلال الولاية البرلمانية للأمينة العامة السابقة وعضوة المكتب السياسي الحالية، حيث لم يبرز أي اثر ملموس لتحويل البرلمان إلى منبر لفضح التناقضات الطبقية أو لتعريف الجماهير بحزبها، وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح، هل كانت الإنتخابات أداة نضالية أم مجرد وسيلة للترقي داخل هرم السلطة!!؟؟ فحين يفرغ هذا التنظيم من مضمونه، ويتحول إلى جهاز بيروقراطي، فإنه يفقد وظيفته التاريخية ويصير أداة للضبط وفي خدمة العدو ضد جماهير شعبنا الكادحة.
في خضم هذا الإنحراف، برز داخل الحزب مجموعة من المناضلين الذين راكموا تاريخا من التضحية والصمود، سياسيا ونقابيا، والمشهود لهم بالتضحية ونكران الذات والواعون بضرورة خوض صراع إيديولوجي لتصحيح هذا المسار، طبعا لم يكن هذا الصراع شخصيا أو فئويا أو تعبيرا مزاجيا عن خصومة اجتماعية، بل تعبيرا عن تناقض موضوعي بين خطين: خط بيروقراطي تحريفي وخط ديمقراطي يسعى إلى إعادة الإعتبار للنظرية والممارسة الثورية، وقد تجسد هذا الوعي في تأسيس "تيار اليسار الجديد المتجدد"، كإطار تنظيمي يسعى إلى إعادة ربط الحزب بجذوره الطبقية، واستعادة ديناميته النضالية، وقد استوفى هذا التيار كافة الشروط والمحددات الشكلية والمضمونية التي تؤهله للإعتراف به، غير أن القيادة البيروقراطية إدراكا منها لخطورة هذا المشروع على ديمومة مصالحها الضيقة الأفق، سارعت إلى رفضه بمبررات واهية ورعناء، حيث أن هذا الرفض لم يكن سوى تعبير عن خوف عميق من عودة الصراع الإيديولوجي إلى داخل الحزب ومن فقدان السيطرة على جهاز أصبح رهينا بمنطق الإمتيازات والولاء وسياسة " مدفيديف وبوتين".
أمام هذا التعنت وسياسة الآذان الصماء ومنطق الهروب إلى الأمام، وبعد محاولات حثيثة لم تلقى إلا رفضا وتهديدات مبطنة في رسائل غير مباشرة، أعلن رفاق التيار رسميا عنه عبر ندوة صحفية ناجحة، عكست حجم التأييد الذي يحظى به هذا الخط داخل الأوساط المناضلة، وكما هو منتظر كما العادة فإن رد القيادة جاء سريعا، عبر بلاغ تنصلت فيه من الحدث، ورفضت الإعتراف بالتيار، بل وتعمدت اختزاله في شخص "المنسق الوطني"، في محاولة لتفريغ الصراع من مضمونه الطبقي الحقيقي وتحويله إلى خلاف شخصي لتقزيم أثر هذا المشروع السياسي الجديد، وإقباره في مهده، وهنا تتجلى بوضوح أطروحة الرفيق ماو تسي تونغ "الصراع بين الخطين داخل الحزب هو انعكاس للصراع الطبقي في المجتمع."
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية، بل لحظة حاسمة في تحديد مستقبل الحزب فإما الإستمرار في مسار البيروقراطية والإنفصال عن الجماهير، أو الإنحياز الى الخط الديمقراطي الذي يمثله تيار اليسار الجديد المتجدد وإعادة بناء التنظيم على أسس نظرية علمية وضوابط تنظيمية صلبة، فلا استسلام أمام التحريف، ولا امكانية للتوفيق بين الخطين، فالصراع مستمر والحسم فيه لن يكون إلا لصالح من يملك وضوح الرؤية، وصلابة الموقف، وارتباطا عضويا بقضايا الجماهير الشعبية.
محمد بن زاك، عضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد
