لم يعد تعثر الحوار القطاعي داخل الجماعات الترابية مجرد محطة عابرة في مسار تفاوضي معقد، بل تحول إلى مؤشر مقلق ينذر بانسداد أفق إصلاح طال انتظاره. فبعد جولات من النقاشات التي انطلقت مجدداً في ماي 2024 على وقع وعود إيجابية، انتهى المسار إلى حالة من الجمود، بل إلى ما يشبه القطيعة غير المعلنة بين الإدارة وممثلي الشغيلة. والأخطر من ذلك، أن هذا التعثر لم يكن نتيجة خلاف تقني بسيط، بل جاء نتيجة تراجع واضح عن التزامات سابقة وغياب إرادة حقيقية لإنتاج حلول.
في هذا السياق، يبدو موقف الاتحاد المغربي للشغل الرافض لاتفاق 23 يونيو 2025 أكثر من مجرد موقف نقابي معارض؛ إنه تعبير عن أزمة ثقة عميقة في منهجية الحوار نفسها. فحين تُختزل المفاوضات في خيارين أحلاهما مر: “إما التوقيع أو تمرير المشروع بشكل أحادي”، فإننا لا نكون أمام حوار اجتماعي، بل أمام إجراء شكلي يفرغ التفاوض من جوهره.
غير أن ما يمنح هذا الجدل بعداً جديداً هو صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، والذي لم يكتف بتشخيص اختلالات تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية، بل ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً بشكل ضمني وجاهة عدد كبير من المطالب التي ظلت النقابات ترفعها لسنوات. وهنا تكمن المفارقة: ما اعتُبر سابقاً “مطالب فئوية” أو “مبالغات نقابية”، أصبح اليوم توصيات صادرة عن أعلى هيئة رقابية في البلاد.
لقد سلط التقرير الضوء على واحدة من أبرز إشكالات القطاع: ضعف جاذبية الوظيفة العمومية الترابية. فالأرقام وحدها كفيلة بفضح حجم الاختلال؛ أجور راكدة، تحفيزات شبه منعدمة، وفوارق صارخة مقارنة بقطاعات عمومية أخرى. كيف يمكن، والحال هذه، الحديث عن إدارة ترابية حديثة وقادرة على مواكبة ورش الجهوية المتقدمة، في ظل نزيف مستمر للكفاءات نحو قطاعات أكثر جاذبية؟
ثم إن تعقيد مساطر الحركية الإدارية يزيد الوضع قتامة. فبدل أن تكون آلية لإعادة توزيع الموارد البشرية وتحقيق التوازن، تحولت إلى عائق بيروقراطي يُكرّس التفاوت بين الجماعات. وهو ما يجعل توصية تبسيط هذه المساطر ليست ترفاً إصلاحياً، بل ضرورة ملحة لضمان الحد الأدنى من النجاعة الإدارية.
ولا يقل غياب دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات خطورة عن باقي الاختلالات. إذ يظل تدبير المسار المهني للموظف خاضعاً في كثير من الأحيان لمنطق الأقدمية أو التقدير غير الموضوعي، بدل أن يرتكز على الكفاءة والاستحقاق. وهو وضع لا يضر فقط بالموظفين، بل ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
أما مشروع النظام الأساسي، الذي كان يفترض أن يشكل مدخلاً شاملاً للإصلاح، فقد تحول بدوره إلى نقطة توتر. فبدل أن يكون ثمرة توافق حقيقي، أصبح موضوع شد وجذب، انتهى بمحاولة فرضه دون استيعاب جوهر الملاحظات النقابية. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل الهدف هو إخراج نص قانوني بأي ثمن، أم بناء إطار منصف ومستدام يعيد الاعتبار لموظفي الجماعات الترابية؟
إن التقاطع الواضح بين توصيات المجلس الأعلى للحسابات والمطالب النقابية لا يمكن قراءته كصدفة، بل كدليل على أن الخلل لم يكن في طبيعة المطالب، بل في طريقة التعاطي معها. وهو ما يضع الجهات الوصية اليوم أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية لإعادة النظر في مقاربتها، والانخراط في حوار حقيقي لا صوري.
في المقابل، لا يُعفي هذا الوضع النقابات من مسؤوليتها. فاستثمار هذا الزخم المؤسساتي يتطلب توحيد الرؤية، وتعزيز الضغط المشروع، ولكن أيضاً تطوير الخطاب الترافعي ليواكب التحولات ويقنع بجدوى الإصلاح، ليس فقط لفائدة الموظفين، بل لصالح المرفق العمومي ككل.
في النهاية، لا يتعلق إصلاح النظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية بمطلب فئوي ضيق، بل برهان حقيقي على قدرة الدولة على إنجاح ورش اللامركزية. فإدارة ترابية بدون موارد بشرية مؤهلة ومحفزة، هي مجرد هيكل بلا روح. وإذا استمر هذا التعثر، فإن الكلفة لن تتحملها الشغيلة وحدها، بل سيدفع ثمنها المواطن، أولاً وأخيراً.
سليمان قلعي، عضو الأمانة الوطنية للإتحاد المغربي للشغل، والكاتب الوطني للجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية
