vendredi 27 mars 2026
منبر أنفاس

زهير حميدوش : أزمة اليسار أم نهاية الإيديولوجيا؟

زهير حميدوش : أزمة اليسار أم نهاية الإيديولوجيا؟ زهير حميدوش

لم يعد السؤال حول موقع اليسار في المشهد السياسي هو الأهم، بقدر ما أصبح منصبا على وظيفة الأحزاب الإيديولوجية داخل النسق السياسي، هل ما زالت فاعلة في سيرورة فكرية وسياسية، أم تحوّلت إلى مجرد عنصر ضمن هندسة المشهد؟ وهل يُختزل التحول الذي أصابها في تراجع انتخابي أو تنظيمي، أم يمتد إلى عمق المسألة، أي إلى طبيعة العلاقة بين الإيديولوجيا والسلطة؟

 

نشأ اليسار، في سياقه الكوني، كأطروحة فكرية ارتبطت بتصور شامل، بلوره الثنائي كارل ماركس وإنجلز،  إذ لم يكن مجرد تعبير سياسي، بل أفقا يربط بين التصور والتغيير. غير أن التحولات التي أعقبت سقوط جدار برلين لم تُضعف هذا الأفق فحسب، بل أعادت صياغة العلاقة بين الفكر والممارسة، فتفككت المرجعيات الكلية، وانكمش الفعل السياسي داخل أفق "الممكن".

 

في المغرب، تداخل هذا التحول مع خصوصيات محلية عمّقت المأزق. فإلى جانب تفكك القاعدة الاجتماعية التقليدية، برزت تجربة اليسار داخل السلطة بوصفها لحظة كاشفة. لم تكن مرحلة "التناوب" مجرد انتقال من المعارضة إلى المشاركة، بل اختبارا فعليا لطبيعة العلاقة بين الإيديولوجيا والنسق السياسي، وقدرة الدولة على الوفاء بوعدها، حيث تبيّن أن الولوج إلى السلطة لا يعني امتلاك القدرة على التأثير، بل قد ينتهي إلى الاندماج ضمن توازنات قائمة سلفا.

 

والمفارقة أن اليسار، الذي تأسس على النقد والتغيير الجذري، وجد نفسه ـ منذ تلك اللحظة ـ منخرطا في منطق مغاير، غدا فيه الحضور داخل المؤسسات غاية في ذاته، منفصلا عن أي مشروع مُؤطِر. فلم تعد المشاركة مشروطة بالقدرة على توجيه السياسات العمومية وقياس أثرها، كما كان يصبو إليه، في سياق معارضته السابقة للدساتير ومواقفه المتحفظة من الانخراط في مؤسساتها، بل أضحت رهينة بمنطق التموقع وتثبيت الحضور، ولو في حدوده الدنيا.

 

وقد مثّل ذلك انتقالا من إيديولوجيا مُؤطِرة، ذات امتداد قاعدي وإنتاج فكري، إلى ممارسة روتينية داخل نسق صُمّم لاستيعاب تعددية شكلية ومسار سياسي مضبوط. وهو انتقال لا يعكس تحولا نحو "التدبير" بقدر ما يكشف انخراطا في "تمثيل هامشي وصوري".

فحتى حين يشارك اليسار في الحكومة، يظل حضوره كحزب ـ لا كتيار ـ محدود الأثر في القرار، مندرجا ضمن وظيفة أوسع قوامها تأثيث المشهد السياسي وإضفاء شرعية شكلية عليه. وهكذا يتحول الهامش المتاح إلى وضع رمزي يُطلب لذاته، ويغدو الاستوزار، في حدوده الدنيا، أفقا سياسيا قائما.

 

وتتجلى هذه الوضعية بوضوح في التشبث المستميت بالولوج إلى الحقائب، بعيدا عن أي اعتبار سياسي أو إيديولوجي، كما حدث في أعقاب تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2016، وهي لحظة تكاد تمثل، دون مواربة، إعلانا متأخرا عن نهاية مسار كان يعيش حالة إكلينيكية مطوّلة.

وإذا كان هذا التحول يُفهم في السياق المغربي من خلال خصوصيات النسق السياسي، فإنه يجد ما يوازيه في تجارب ديمقراطية راسخة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بأزمة اليسار، بل بتحول أعمق يمس شروط إنتاج الإيديولوجيا ذاتها. لم يعد المجتمع يُنتج فاعلين مؤطرين بأفق فكري متماسك، بل بات يميل إلى عرض سياسي "سائل"، تتلاشى فيه الحدود بين المشارب المختلفة لصالح صيغ هجينة قائمة على الالتقاط والتجميع.

 

ولعل صعود "إيمانويل ماكرون" مثال دال على ذلك، إذ جاء خارج الأطر الحزبية التقليدية، ودون سند إيديولوجي صلب بالمعنى الكلاسيكي، بما يعكس تحولا في الطلب المجتمعي نفسه.  لقد أعرض المجتمع عن الأحزاب "النخبوية"، وبرزت في المقابل الأحزاب اللاقطة لكل شيء، التي لا تقوم على أي تماسك إيديولوجي، بل على قابلية التكيف واستيعاب التباينات.

 

وهكذا، فإن تآكل الإيديولوجيا لا يُختزل في أزمة فاعلين، بل يعكس تحولا في البنية الاجتماعية ذاتها، التي لم تعد تُنتج شروط التبلور الإيديولوجي، بل تُغذّي، على العكس، أنماطا سياسية قوامها السيولة بدل الانتماء، والالتقاط بدل الوضوح.

في المغرب، حيث يظل السلوك السياسي والانتخابي للفاعلين متخلفا، لم يكن انتقال اليسار من المعارضة إلى المشاركة بلا كلفة، بل مثّل قطيعة مع التراكم الذي راكمه منذ ستينيات القرن الماضي. فقد تآكلت حمولته الرمزية المرتبطة بدوره في الدفاع عن أطروحات كبرى، مثل السلطة التأسيسية الأصلية للشعب ومواكبته لنقاش "الدولة الدستورية"، وهي قضايا ظلت مثار سجال حتى بعد دستور 2011.

 

ولا ينبغي، في هذا السياق، إغفال تجربة الحزب الشيوعي، التي كثيرا ما تُهمّش في الدراسات، رغم سبقيتها، إذ انتقل، بفعل الحلَ، من "التحرر" إلى "التقدم"، قبل أن يبلغ أفق الانسداد، محاولا، رغم ذلك، إحياء حضور انتخابي عبر خطاب إعادة البناء والتشكل.

ومع ذلك، لم يعد اليسار يُدرك بوصفه حاملا لمشروع بديل، بل كفاعل منخرط في تقاسم منطق التوازنات والوزيعة. وفي المقابل، لم تعد الإيديولوجيا، بصيغتها الكلاسيكية، قادرة على استعادة موقعها، في ظل تفكك الأطر الفكرية، وعجزها عن استيعاب القضايا المستجدة، وهيمنة منطق الواقعية السياسية.

 

هنا، تبدو محاولات إعادة التشكل ـ رغم رمزيتها ـ محكومة بتوتر مركب، إيديولوجيا فقدت صلابتها، وسلطة كابحة وضابطة للنسق، ومجتمع لم يعد يُنتج شروط التمثيل نفسها. لذلك، لا يكمن التحدي في استعادة إيديولوجيا متخيّلة، ولا في الذوبان داخل منطق التموقع، بل في إعادة تركيب العلاقة بين الفكر والسياسة، بما يسمح بإنتاج شروط التأثير داخل نسق يحدّ منها أصلا.

ذلك أن المحك الذي ينبغي أن يشكّل هاجس الفاعل لا يكمن في الحضور المؤسسي، بل في استعادة نَفَس قاعدي يعيد له وظيفته كقوة اقتراحية، خاصة في اللحظات الكبرى. غير أن هذا الأفق يصطدم بواقع سلبي، يقوم على تشظّ تنظيمي وهيمنة ذهنيات سياسية انتهازية سبق لجون واتربوري أن فكك بعض ملامحها، حيث يتحول التموقع إلى غاية في ذاته مستغلا ما يتيحه من مكاسب.

 

ويتعاظم هذا المأزق في سياق أوسع يتسم بتآكل الإيديولوجيا كخطاب تعبوي، وهو ما تجلّى أيضا في مسار الحركات الإسلامية، التي انتهت بدورها إلى منطق الإدماج وما يستتبعه من إعادة تشكيل وتنميط.

فما بات اليوم يُعد يسارا على مستوى الخطاب، لم يعد سوى علامة "تجارية" غير قادرة على إنتاج ذاتياتها، وتكتفي بإنتاج ما يفرضه السوق وما يقتضيه الوجود، وما تتطلبه سبل حصد الغنيمة السياسية.

زهير حميدوش، محام وباحث في العلوم السياسية.