jeudi 26 mars 2026
كتاب الرأي

عثمان زويرش: في نقد أطروحة مجيمعة " اليسار الجديد المتجدد " (1/3)

عثمان زويرش: في نقد أطروحة مجيمعة " اليسار الجديد المتجدد " (1/3) عثمان زويرش

جاء الإعلان عن ما يسمى بـ"اليسار الجديد المتجدد" من داخل نادي المحامين بالرباط، في شكل ندوة صحفية قُدِّمت باعتبارها لحظة تأسيسية لـ"تيار" داخل الحزب الاشتراكي الموحد. غير أن هذا الشكل في حد ذاته يطرح أولى علامات الاستفهام: إذ بدل أن ينبثق النقاش من داخل القنوات التنظيمية، يتم اللجوء إلى الفضاء الإعلامي للإعلان عن مشروع يفترض أنه داخلي، كما يتجلى في قوله: "نعلن للرأي العام عن انطلاق أشغال اليسار الجديد المتجدد". وهو ما يعكس منذ البداية نزوعا نحو الإشهار بدل التراكم التنظيمي، وتغليبا لمنطق الظهور(الذي لا يتقنه صاحبنا والأربعين موقعا) على منطق البناء.
في هذا السياق، لا يبدو اختيار فضاء عمومي كـنادي المحامين بريئا، بل يدخل ضمن محاولة تأثيث لحظة سياسية رمزية تُعوض غياب الامتداد داخل القواعد الحزبية والاجتماعية. فحين يُفتقد التجذر، يتم التعويض بالعرض، وحين يغيب الفعل التنظيمي، يتم اللجوء إلى "المسرحة" السياسية. وهنا يتحول “التأسيس” إلى حدث إعلامي أكثر منه سيرورة نضالية.
ضمن هذا الإطار، يتكرر التوظيف الرمزي للتاريخ، من خلال الإحالة على "نهج بنسعيد" و"نهج عبد السلام المودن الشهيد"، في محاولة لربط المشروع بسلسلة نضالية لا يمتلك شروط استمرارها. إن هذا الاستدعاء، في سياق إعلان عمومي احتفالي، يكشف عن استثمار رمزي في الذاكرة النضالية يهدف إلى إضفاء مشروعية سريعة على مشروع يفتقر إلى الجذور. فبدل أن يكون الامتداد تعبيرا عن موقع داخل الصراع الطبقي، يصبح مجرد ادعاء خطابي.
ويتعمق هذا التناقض حين يصرح العلمي الحروني  والأربعين الموقعين بوجود "مراسلات حزبية متعددة" و"عدم الاستجابة"، ثم يعود ليؤكد أن الأرضية "نوقشت بتاريخ 12 أكتوبر بالمجلس الوطني". هذا التردد بين خطاب المظلومية وخطاب الاعتراف يعكس ارتباكا في بناء السرد السياسي، ويطرح سؤالا جوهريا: إذا كانت المؤسسات قد ناقشت الأرضية، فما جدوى تحويل النقاش إلى ندوة صحفية؟ وإذا لم تكن قد ناقشتها فعلا، فكيف يتم الادعاء بذلك؟ إنها مفارقة تكشف عن سعي مزدوج: البحث عن الشرعية من الداخل، واكتساب التعاطف من الخارج.
كما أن الادعاء بأن "الأرضية نتاج مجهود فكري لأزيد من سنتين" يصطدم بمحدودية الطرح المعروض، الذي يفتقر إلى التماسك النظري. فالأفكار المقدمة لا تتجاوز تجميعا لشعارات متفرقة، دون بناء جدلي يربط بينها، مما يجعل “المدة الزمنية” هنا مجرد عنصر تضخيمي يُستخدم لتعزيز الصورة، لا لتعكس عمقا فعليا.
وفي قلب هذا الطرح، يبرز القول بأن "اليسار قد تقادم"، وهو تصريح يكشف عن نزعة تبسيطية تختزل أزمة تاريخية في حكم انطباعي. فبدل تحليل شروط تعثر اليسار داخل البنية الاجتماعية والسياسية، يتم إطلاق حكم عام يفتقر لأي تأصيل مادي. وهنا يتحول “التجديد” إلى شعار فارغ، يستخدم لتبرير القطيعة دون تقديم بديل.
ويزداد هذا الانزلاق وضوحا مع طرح "التأسيس على أساس المواطنة"، الذي قُدِم خلال الندوة الصحفية كخيار استراتيجي. غير أن هذا الطرح يعكس انتقالا من تحليل طبقي إلى خطاب ليبرالي تجريدي، حيث يتم تذويب التناقضات الاجتماعية داخل مفهوم عام ومبهم. مما يجعل المشروع أقرب إلى إعادة إنتاج الخطاب السائد منه إلى معارضته.
أما القول بـ"الاشتغال من الطبقة إلى الحشد نتيجة تآكل الحد بين الطبقات"، فيكشف عن غموض نظري عميق، حيث يتم تبني مفاهيم دون تحديد دقيق لدلالاتها. فهل المقصود تجاوز التحليل الطبقي؟ أم إعادة صياغته؟ أم مجرد استعارة لغوية؟ إن هذا الغموض ليس بريئا، بل يعكس غياب رؤية واضحة، ويُحوّل “الحشد” إلى بديل فضفاض عن التنظيم، أي إلى نزعة شعبوية غير مؤطرة.
وفي سياق آخر، يدعو صاحبنا ومجيمعته إلى "أولوية التأهيل الإيديولوجي" و"التأهيل التنظيمي للحزب"، في حين أن إعلانه ذاته تم خارج القنوات التنظيمية، ومن خلال منابر إعلامية. وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب والممارسة، حيث يتم الدفاع عن التنظيم نظريا، وتجاوزه عمليا.
كما أن دعوته إلى "خوض صراع الأفكار مع إيديولوجية السوق" تبقى في حدود الشعار، خاصة حين تقترن بخطاب غير منسجم يجمع بين المتناقضات، دون تقديم تحليل ملموس للواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. وهنا يظهر “الصراع” كمفهوم مجرد، لا يجد ترجمة في الممارسة.
أما في مسألة الدين، فإن الدعوة إلى "الخوض في مسألة الدين من موقع الهجوم"، التي طُرحت في نفس السياق، تكشف عن راديكالية لفظية منفصلة عن الواقع، خاصة حين تتناقض مع ممارسات سابقة قائمة على الانفتاح على قوى دينية. وهذا يعكس غياب خط إيديولوجي ثابت، لصالح مواقف متقلبة حسب السياق.
وفي خضم هذا كله، يتم التلويح بشعارات كبرى من قبيل "حزب المستقبل ومغرب الغد" أو الإشارة إلى أن "الحزب لم يتفاعل مع مذكرة حول الصحراء"، في محاولة لتوسيع دائرة الخطاب، غير أن هذا التوسع يبقى كمّيا لا نوعيا، إذ لا يقدم إجابات ملموسة بقدر ما يراكم عناوين.
في المحصلة، فإن إعلان مجيمعة “اليسار الجديد المتجدد” من داخل نادي المحامين بالرباط لا يمكن قراءته كلحظة تأسيس سياسي بقدر ما هو حدث إعلامي يعكس أزمة ذاتية. فبدل أن يكون التيار تعبيرا عن دينامية جماعية، يبدو كمنصة لإبراز حضور فردي داخل الحقل السياسي، حيث يتم توظيف الخطاب اليساري كوسيلة للظهور، لا كأداة للتغيير.
وعليه، فإن هذا المشروع لا يسعى فعليا إلى تأسيس تيار سياسي أو الإسهام في تطوير اليسار، بقدر ما يعكس محاولة لملء فراغ ذاتي عبر التموقع الرمزي، والسعي إلى الظهور بمظهر الفاعل المؤثر، دون امتلاك شروط ذلك. وهنا يتحول الفعل السياسي إلى أداة لإشباع نزعة نفسية نحو الاعتراف، تُغلف بلغة يسارية، لكنها تفتقر إلى مضمونها الطبقي.

عثمان زويرش ، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي