يُشكل ورش الحماية الاجتماعية في المغرب أحد أبرز المشاريع الملكية الطموحة التي تهدف إلى صون كرامة المواطن. إلا أن التنزيل الإداري والتقني لهذا المشروع، خاصة في شقه المتعلق بكبار السن، بدأ يكشف عن ثغرات عميقة تحول "الحلم" إلى "متاهة" بيروقراطية تفتقر للحس الإنساني وتضرب مبدأ الإنصاف في الصميم.
ومن أغرب المفارقات التي يواجهها المسنون الذين ليس لهم تغطية في القطاع العام أو الخاص اليوم هو ربط أهليتهم للاستفادة من نظام "أمو تضامن" (AMO Tadamon) او أمو الشامل بمعطيات تقنية لا تعكس واقعهم السوسيو-اقتصادية. فمجرد استخدام الابن أو الابنة لرقم هاتفهم الشخصي كأداة تواصل عند تسجيل الوالدين، يؤدي آليا إلى رفع "المؤشر الاجتماعي" لهؤلاء المسنين.
هذا الخلط بين "الذمة المالية" للابن وحاجة الأب العاجز او الام المسنة ، يحرم فئات هشة من حقها الدستوري في العلاج، أو ينقلهم قسرا إلى "أمو الشامل" باشتراكات قد تتجاوز 600 درهم؛ وهو مبلغ يفوق أحيانا ما يدفعه كبار مدراء المؤسسات العمومية والوزراء. أين هي استقلالية الذمة المالية للمواطن، وأين هي "ذكاء" الإدارة في التمييز بين وسيلة تواصل اضطرارية وبين القدرة الشرائية الحقيقية؟
كما يعاني نظام التنقيط الحالي من خلل بنيوي مثير للدهشة؛ فالمؤشر يرتفع تلقائيا بمجرد أن يعيش المسن وحيداً. وكأن العيش بمفرده في خريف العمر دليل رفاهية، بينما الواقع السوسيولوجي المغربي يؤكد أن هذه الفئة هي الأكثر عزلة واحتياجا للدعم النفسي والمادي. كان الأجدر أن يكون "عامل الوحدة" سببا لخفض المؤشر وتيسير الولوج للخدمات، لا عائقا يحول دون التغطية الصحية.
ولم تتوقف التعقيدات عند "المؤشر"، بل امتدت لتشمل المساطر الإدارية التي تفرض على مسنين مثقلين بالمرض والوهن الانتقال لأخذ "بصمة العين" في السجل الوطني للسكان. حيث كان يمكن الاكتفاء "بالبطاقة الوطنية الإلكترونية" وثيقة رسمية كافية لتحديد الهوية، يمكن ان ينتقل احد الأبناء القيام بالاجراء الاداري ، لاستخراج الرقم التعريفي.
إن الحق في الحياة.. لا يحتمل "فترة الانتظار"
إن إلزام مسن يعاني من السرطان أو يحتاج لتصفية الكلي بفترة انتظار مدتها 3 أشهر لفتح الحق في الاستفادة، هو إجراء غير أخلاقي وتجاوز صارخ لمبدأ "المساعدة لشخص في خطر". إن المرض لا ينتظر الخوارزميات، والوفاء بالاشتراكات (التي غالباًد ما تكون مرتفعة بسبب أخطاء التنقيط) يجب أن يتبعه فتح فوري للحق في العلاج، دون تحميل المواطن مسؤولية "غلط الإدارة".
و الشجاعة السياسية و ما ينبغي ان يترجم على مستوى تنزيل اجراءات الدولة الاجتماعية عبر سياسات عمومية منصفة للاشخاص في وضعية شيخوخة إقرار استفادة فورية ومباشرة من التغطية الصحية لكل مواطن تجاوز سن الـ 70، دون إخضاعه لتعقيدات "المؤشر الاجتماعي"، ما دام لا يتوفر على تغطية أخرى.
العمل على تصحيح الاخطاء المادية باعتماد المبالغ المصححة من طرف الملحقات الإدارية فورا، دون إلزام المواطن بأداء مبالغ ناتجة عن أخطاء تقنية في "الخوارزميات". يطالب بها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ليفتح حق الاستفادة المتوقفة لمن كان لهم أمو التضامن و تم توقيفه بسبب اشتراك الهاتف ليس باسمه إن الدولة الاجتماعية الحقيقية هي التي تظهر في لحظات ضعف المواطن وعجزه. إن استمرار هذه الاختلالات يضع الحكومة في تناقض مع روح الورش الملكي للحماية الاجتماعية. لأن كبار السن أمانة في عنق الدولة، وكرامتهم فوق كل اعتبار تقني أو إحصائي جاف.
