mardi 28 avril 2026
جالية

عبد الحي السملالي: مغاربة العالم بين الهوية المتغيّرة وأنماط الهروب من المواطنة

 

23a816a7-8427-4d88-940e-a3ccb4610e5e.jpg

 

عبد الحي السملالي: مغاربة العالم بين الهوية المتغيّرة وأنماط الهروب من المواطنة عبد الحي السملالي

مع تحديد موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، عاد ملف مشاركة مغاربة العالم إلى الواجهة بقوة. فهذه الفئة التي تمثل أكثر من 15% من المواطنين، ليست مجرد امتداد ديمغرافي أو اقتصادي، بل هي جزء من النسيج الوطني، تحمل الوطن في القلب، وتعيش يومياً إشكالات الانتماء والمواطنة والهوية في فضاءات متعددة.

الوطنية: شعور لا يُختزل في الشعارات

الوطنية، في معناها الأصيل، ليست كلمات تُكتب ولا شعارات تُرفع، ولا تبجحاً ناتجاً عن نفاق لا نضال فيه ولا تضحية. الوطنية حبٌّ راسخ للوطن، إيمانٌ يستقر في القلب ويصدّقه السلوك والعمل. إنها شعور يرفض النعرات، يستهجن العنصرية، ويحارب التعصب.
وهي قبل كل شيء إحساس يحرم المزايدة ولا يقبل المساومة.
من هذا المنطلق، يصبح النقاش حول مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات نقاشاً حول جوهر الوطنية: هل هي انتماء عاطفي فقط؟ أم ممارسة فعلية لحقوق المواطنة داخل فضاء الحقوق الذي يضمنها؟

حراك مغاربة العالم: وعيٌ جديد يرفض الوصاية

الحراك الذي تعرفه منظومة مغاربة العالم اليوم ليس ضجيجاً عابراً، بل مخاضٌ فكري ومدني يدل على أن هناك مجتمعاً مدنياً واعياً يرفض القطعنة والوصاية والتدجين.
إنه حراك يسعى إلى تحديث المنظومة، وإلى جعلها مواكبة للعصر، قادرة على تحويل الراهن إلى ماضٍ يُوضع في مكانه الطبيعي داخل التاريخ، وبناء رؤية مستقبلية تُصبح ركيزة لأي مشروع مجتمعي جديد.
لكن هذا الحراك كشف أيضاً عن فوضى مفاهيمية: مواطنة، مواطنة كاملة، مواطنة مزدوجة… مفاهيم تُستعمل بكثرة دون ضبط، ودون وعي بحمولتها الفكرية والقانونية.

من هوية الجابري إلى مواطنة مغاربة العالم: الثابت المتغيّر

يقدّم محمد عابد الجابري مفتاحاً منهجياً حاسماً حين يقول إن الهوية «ثابت متغيّر».
فالإنسان يتحرك داخل دوائر متعددة: الحي، المدينة، الوطن، الأمة… وفي كل دائرة يبقى «هو هو»، لكنه يتغير باعتبار الدائرة التي ينتمي إليها في تلك اللحظة.

هذا المنطق ينطبق تماماً على مغاربة العالم:

* هم مغاربة بالانتماء الأصلي.
* فرنسيون أو بلجيكيون أو هولنديون… بالانتماء المدني‑القانوني.
* وهم في الوقت نفسه جزء من فضاء الهجرة الذي يصنع هوية ثالثة هجينة.

بهذا المعنى، المواطنة داخل منظومة مغاربة العالم ليست دائرة واحدة، بل مجموع الدوائر التي يتحرك فيها الفرد.

المواطنة ممارسة قبل أن تكون انتماء

المواطنة ليست جنسية مكتوبة في وثيقة، ولا انتماءً عاطفياً فقط.
إنها ممارسة داخل فضاء حقوق، وهذا الفضاء يتغير بتغير المكان والزمان.

المغربي المقيم في فرنسا، مثلاً:

* يمارس مواطنته الفرنسية داخل فضاء حقوق فرنسي.
* ويحمل مواطنة مغربية لا يمكن ممارستها كاملة إلا داخل فضاء الحقوق المغربي.
* ويعيش مواطنة ثالثة داخل فضاء الهجرة، حيث تتفاعل هويته الأصلية مع واقع الإقامة.
هنا يظهر التوتر البنيوي:
كيف نعرّف مواطنة شخص ينتمي إلى فضاءين حقوقيين في الوقت نفسه؟

الهروب من المواطنة: تعطّل الممارسة لا ضعف الانتماء

من بين الإشكالات التي تكشفها تجربة مغاربة العالم، يبرز شكل جديد من الاغتراب: الهروب من المواطنة.
ليس هروباً من الانتماء، بل من ممارسة الحقوق التي يفترض أن تجسّد هذا الانتماء.
فالكثير من أفراد الجالية لا يصوّتون في بلد الإقامة، لا لأنهم يرفضون المشاركة، بل لأنهم يشعرون بأن صوتهم غير مؤثر، أو لأنهم لا يجدون أنفسهم داخل النقاش السياسي، أو لأنهم يواجهون عراقيل لغوية وثقافية تجعلهم خارج اللعبة الديمقراطية.
وفي المقابل، لا يمارسون حقهم في التصويت في بلد الأصل، إما بسبب البعد الجغرافي، أو غياب آليات المشاركة، أو شعور بأن العملية السياسية لا تعنيهم عملياً.

هكذا يتحول المواطن إلى فاعل غائب:
منتمٍ بالهوية، حاضر بالوجدان، لكنه غير قادر أو غير راغب في ممارسة حقوقه داخل أي فضاء سياسي.
هذا التعطّل في الممارسة يكشف أ المشكلة ليست في المواطن، بل في الفضاء الحقوقي نفسه الذي لم ينجح بعد في احتضان الهويات المتعددة، ولا في توفير قنوات مشاركة حقيقية لمغاربة العالم.

المواطنة الكاملة: هل هي مطلب أم سوء فهم؟

حين يرفع بعض مغاربة العالم شعار «المواطنة الكاملة»، فإنهم – من حيث لا يشعرون – يطالبون بأقل مما يملكون.
فمواطنتهم كاملة وزيادة لأنها متعددة الأبعاد، متحركة، هجينة، تتجاوز النموذج التقليدي للمواطنة الأحادية.
لكن هذه المواطنة المتعددة تحتاج إلى فضاء حقوق يسمح بممارستها.
ومن هنا يصبح سؤال المشاركة السياسية سؤالاً حول الفضاء الذي تتحدد فيه المواطنة.

من هو «الآخر» الذي تتحدد به مواطنة مغاربة العالم؟

يختم الجابري نصه بسؤال جوهري:
قبل أن نحدد الهوية، يجب أن نحدد «الآخر» الذي تتحدد الهوية في مواجهته.

وبالقياس على ذلك:
قبل أن نحدد مواطنة مغاربة العالم، يجب أن نحدد الفضاء الذي تتحدد فيه هذه المواطنة، والآخر الذي تتمايز عنه.

هل هو:

* بلد الإقامة؟
* أم البلد الأصلي؟
* أم فضاء الهجرة ككيان مستقل؟
* أم كل هذه الدوائر في آن واحد؟

هذا السؤال ليس نظرياً، بل هو مفتاح النقاش حول المشاركة السياسية، لأن تحديد دائرة المواطنة يحدد بالضرورة دائرة الحقوق.

خاتمة: نحو رؤية جديدة لمواطنة مغاربة العالم

إن موعد 23 شتنبر 2026 ليس مجرد محطة انتخابية، بل هو لحظة فلسفية‑سياسية تفرض إعادة التفكير في معنى المواطنة داخل منظومة مغاربة العالم.
فالمسألة ليست تقنية ولا قانونية فقط، بل هي سؤال عن الوطنية، والهوية، والانتماء، وفضاء الحقوق، ودوائر الذات.
إن مغاربة العالم لا يطالبون بامتيازات، بل يطالبون بأن يُعترف بواقعهم كما هو:
مواطنون بهويات متعددة، وانتماءات متداخلة، ومواطنة متغيرة تحتاج إلى فضاء سياسي يحتضنها بدل أن يختزلها.

 

23a816a7-8427-4d88-940e-a3ccb4610e5e.jpg

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg