مع سياسة الدعم التي تنتهجها الدولة، في مواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها:
كيف تحول الدعم من آلية انتقالية إلى بنية اقتصادية موازية؟ هل يصل إلى الفئات المستهدفة أم يتسرب إلى فئات أخرى يقوم وجودها على نظام الامتيازات؟ لماذا لم يساهم هذا الدعم، إذا كانت أهدافه نبيلة وعضوية للاقتصاد الوطني، في تقوية التنافسية لدى القطاعات والمقاولات التي نشأت داخل منطق الدعم نفسه؟
صحيح أن الدولة تلجأ، في لحظات الأزمات كما في لحظات التوازن الهش، إلى سياسة الدعم بوصفها أداة إنقاذ سريعة للخروج من الهشاشة. غير أن التجربة المغربية، على امتداد سنوات طويلة، تكشف مفارقة لافتة: اتساع دائرة الدعم يؤدي إلى اتساع دائرة الهشاشة، كأن القطاعات التي يفترض أن تستقوي بالدعم، تخرج منه أكثر تعبا وأقل تنافسية وقدرة على الاعتماد على ذاتها.
لقد نشأ الدعم في سياق الحاجة إلى حماية القدرة الشرائية، وضمان استقرار الأسعار، وتفادي الانفجارات الاجتماعية التي قد تنتج عن تقلبات السوق. لكن ما حدث، في الواقع، هو أن "الاستثناء" أصبح هو القاعدة غير المعلنة في تدبير قطاعات كاملة، خاصة أن الدعم تحول إلى آلية لتأجيل الأزمات، بدل أن يكون وسيلة لبناء القدرة التنافسية لهذه القطاعات، كما أنه أصبح، مع مرور السنوات، وسيلة لتغطية أعطاب بنيوية لكيانات تعتمد كليا على التنفس الاصطناعي بدل أن تعتمد على التنافسية والمردودية والابتكار.
لنأخذ مثال القطاع الفلاحي، وهو من أكثر القطاعات التي استفادت من الدعم العمومي عبر برامج متعددة، كان أبرزها مخططات التحديث الفلاحي التي استهدفت رفع الإنتاجية وتحسين مردودية الضيعات؛ فالمفارقة أن هذا القطاع، رغم ما تلقاه من دعم مالي وتقني، ما يزال رهينا بالتقلبات المناخية، وضعف سلاسل التثمين، وهيمنة أنماط إنتاج تقليدية في جزء واسع منه، مما يعني أنه قطاع يفتقر إلى الصلابة، وأقصى ما يمكن أن يحققه هو التحسن الظرفي المرتبط بتحسن الظروف المناخية.
الأمر نفسه يمكن ملاحظته على قطاع النقل، حيث ظل الدعم حاضرا بأشكال مختلفة، سواء عبر دعم أسعار بعض المدخلات أو عبر آليات التعويض في فترات الأزمات. غير أن هذا الدعم، بدل أن يدفع نحو تحديث الأسطول وتحسين جودة الخدمات، غالبا ما تحول إلى وسيلة لتأجيل الإصلاحات الضرورية. فالمركبات القديمة استمرت في العمل، والبنيات التنظيمية بقيت على حالها، بينما ظلت جودة الخدمة موضوع شكوى مستمرة لدى المواطنين.
أما في مجال المواد الأساسية، فقد ظل الدعم لعقود طويلة أداة مركزية لضمان الاستقرار الاجتماعي. وقد لعب دورا مهما في تجنب صدمات الأسعار، لكنه في الوقت ذاته خلق نوعا من الاقتصاد القائم على الحماية. وهذا هو الأخطر، إذ مع كل محاولة لإصلاح منظومة الدعم أو إعادة توجيهها لكلفتها المرتفعة، تظهر مقاومة اجتماعية وسياسية، لأن المجتمع نفسه تعود على وجود الدعم بوصفه حقا مكتسبا.
إن ما يجعل سياسة الدعم في كثير من الأحيان منتجة للهشاشة، هو غياب الربط الصارم بين الدعم والنتائج. ففي الاقتصادات التي نجحت في تحويل الدعم إلى قوة إنتاجية، لم يكن الدعم يمنح بلا شروط، بل كان مرتبطا بمؤشرات واضحة، وعلى رأسها: (تحسين الإنتاجية؛ رفع الجودة وتحسين الأداء؛ توسيع فرص الشغل، رفع حوافز الابتكار، القدرة على المخاطرة.. إلخ)، مما بإمكانه أن يحقق استقلالية تدريجية عن الدولة والتوقف عن انتظار تدفق المساعدات.
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بالقطاعات الاقتصادية، بل تمتد إلى بنية التفكير في السياسات العمومية نفسها. فالدعم، في كثير من الأحيان، يستعمل كحل سريع لمشكلة عميقة. وعوض مواجهة جذور الأزمة (مثل ضعف الحكامة، أو غياب التنافسية، أو هشاشة البنيات الإنتاجية) يتم اللجوء إلى الدعم كوسيلة لتأجيل المواجهة، بل كأداة للجذب السياسي، خاصة أن المغرب يعرف دورات جفاف متكررة، كما تتعرض القدرة الشرائية لضغوط مستمرة. ومن ثم، قد يحقق الدعم أثرا فوريا يمكن تسويقه بسهولة للكتلة الناخبة، بصرف النظر عن الأثر المؤجل المتمثل في استنزاف الموارد المالية وتكريس هشاشة البنيات الاقتصادية. ذلك أنه مع مرور الوقت، يصبح من الصعب التراجع عن الدعم، لأن كلفته الاجتماعية والسياسية ترتفع كلما طال أمده. وانطلاقا من هنا، يبدو أن السؤال الحقيقي هو: كيف ينبغي دعم القطاعات المتضررة، خاصة أن النقاش حول سياسة الدعم، بعيدا عن كل مقاربة تقنية حول الأرقام والميزانيات، أصبحت، في العمق، نقاشا حول طبيعة الاقتصاد نفسه، وحول طبيعة المجتمع الذي يراد له أن يتشكل؟
لم يقتصر الدعم، خلال السنوات الأخيرة، على مجال واحد، بل تمدد في اتجاهات متعددة: (دعم الاستهلاك، الدعم الاجتماعي المباشر للأسر، دعم الوقود والنقل، دعم «الفراقشية» (دعم قطاع الفلاحة والتنمية القروية)، دعم السكن والتعمير، دعم المقاولات الصغيرة، دعم الثقافة (النشر والكتاب، السينما، المسرح، المهرجانات الثقافية)، دعم التعليم والتكوين، دعم قطاع الصحة والحماية الاجتماعية، دعم الطاقة والماء والانتقال الطاقي..)، حتى أصبحنا، دون مبالغة، أمام شبكة واسعة من المساعدات التي تحيط بقطاعات كاملة، إلى درجة يصعب فيها التمييز بين الدعم كآلية إنقاذ للقطاع والفاعلين فيه، والدعم كآلية إنتاج للريع، خاصة أن جزءا كبيرا من هذا الدعم، تسرب بملايين الدراهم إلى فئات قادرة أصلا على تحمل الكلفة، مثلما حصل مع دعم «الفراقشية»، وهو مثال صارخ على الكيفية التي ساهم بها هذا الدعم في إضعاف حلقات الإنتاج المباشر وتكريس حلقات الوساطة.
إن أخطر ما يكشفه هذا التوسع في مجالات الدعم، هو أننا لم نعد أمام دعم استثنائي لقطاعات استراتيجية، بل أمام ثقافة يصبح فيها الحصول على الدعم هدفا في حد ذاته، أي أننا أصبحنا أمام شكل «مشروع» من أشكال الريع، وأمام امتياز يؤول إلى قطاعات اقتصادية متعددة دون منافسة حقيقية، مما ركز جهد الفئات المستفيدة نحو ضمان الاستفادة من الدعم، بالاستقواء بعلاقاتها الخاصة أو خبرتها الإدارية أو قدرتها على استيفاء الشروط في الآجال المحددة، بينما تبقى الفئات الأضعف خارج الدائرة، الأمر الذي يفضي إلى تعزيز الفوارق أو إعادة إنتاجها، ومن هنا لا بد من التفكير في حلول ناجعة لتحويل الدعم إلى آلية منتجة، وليس قاعدة اقتصادية قاتلة للتنافسية والإنتاج، وذلك عبر الإجراءات التالية:
أولا: إرساء سجل وطني موحد للدعم، يضم جميع المستفيدين من مختلف القطاعات الاقتصادية، مع نشر معطيات دقيقة حول طبيعة الدعم وقيمته ومدة الاستفادة، وهو ما من شأنه أن يشكل خطوة تأسيسية نحو وضوح شامل في تدبير المال العمومي؛ على أن يوفر هذا السجل قاعدة معلومات مشتركة بين المؤسسات، ويمنح الباحثين والفاعلين الاقتصاديين أدوات قراءة دقيقة لمسارات الدعم وتوزيعه؛ ذلك أن نشر المعطيات يعزز ثقة المجتمع في السياسات العمومية، ويخلق وعيا جماعيا بقيمة الموارد الموجهة إلى القطاعات المختلفة، كما يرسخ ثقافة المساءلة داخل الإدارة والقطاعات المستفيدة.
ثانيا: ربط الدعم بمؤشرات أداء واضحة، تشمل: (الإنتاجية، جودة الخدمات، عدد فرص الشغل المحدثة، حجم القيمة المضافة)، مما يمنح الدعم وظيفة تحفيزية داخل الاقتصاد. كما أن اعتماد هذه المؤشرات من طرف الدولة يجعل الدعم مرتبطا بنتيجة قابلة للقياس، مما قد يحوله إلى أداة تقييم مستمر لمسار القطاعات المستفيدة. ومن ثم، فإن حضور معايير محددة داخل منظومة الدعم من شأنه أن يرسخ ثقافة الإنجاز، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين حوافز لتطوير تقنيات العمل وتحسين جودة المنتوج والخدمات، كما يعزز القدرة على تتبع الأثر الحقيقي للدعم داخل النسيج الاقتصادي.
ثالثا: اعتماد سقف زمني محدد لكل برنامج دعم، إضافة إلى إنشاء مراحل تقييم دورية تسمح بقياس أثر التمويل على تطور القطاع الاقتصادي. ذلك أن تحديد المدة يمنح الدعم طابعا مرحليا، كما يخلق دينامية داخل القطاعات نحو تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة معلومة. أما مراحل التقييم الدورية فتتيح قراءة دقيقة لمسار البرامج، وتوفر معطيات تسمح بإعادة توجيه الموارد نحو المجالات ذات الأثر المرتفع. ومن ثم، فإن بإمكان هذا التنظيم الزمني أن يعزز الانضباط المالي، ويمنح الإدارة أدوات واضحة لمراجعة السياسات وفق معايير موضوعية.
رابعا: توجيه الدعم نحو الاستثمار المنتج، خاصة في مجالات: (التصنيع المحلي، تثمين المواد الأولية، تطوير سلاسل الإنتاج)، للرفع من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. ذلك أن الاستثمار المنتج يخلق فرص شغل مستقرة، ويعزز تنافسية المنتوج المحلي داخل الأسواق الوطنية والخارجية. كما يساهم دعم مشاريع التثمين الصناعي في تحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، ويخلق شبكة إنتاج متكاملة داخل الجهات.
خامسا: تقليص دور الوسطاء داخل سلاسل التوزيع، عبر دعم المنتجين المباشرين، وإحداث منصات تسويق حديثة، وأسواق رقمية تتيح وصول المنتج إلى المستهلك في شروط تنافسية واضحة، مما سيساهم في إعادة التوازن إلى العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك. أضف إلى ذلك، تقوية حضور المنتج داخل السوق مما يرفع من هامش الربح المشروع، ويعزز قدرة المنتجين على تحسين جودة السلع. أما المنصات الرقمية، فبوسعها أن تفتح مجالات واسعة لتسويق المنتوجات الوطنية، وتوفر أدوات شفافة لتحديد الأسعار وفق معايير العرض والطلب.
سادسا: إعادة توجيه الدعم نحو الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود، عبر آليات استهداف دقيقة تعتمد قواعد بيانات محدثة، مما يحقق توزيعا أكثر عدالة للموارد العمومية. فقواعد البيانات الدقيقة تمنح الإدارة قدرة على تحديد الفئات ذات الأولوية، وتسمح بتوجيه الدعم نحو المستحقين الفعليين. ومن شأن ذلك أن يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويرفع من القدرة الشرائية للفئات الهشة، كما يخلق شعورا بالإنصاف داخل المجتمع.
سابعا: تحويل الدعم الثقافي إلى تمويل قائم على جودة المشاريع، وتأثيرها المجتمعي، وقدرتها على توسيع قاعدة الجمهور، مما سيساهم في خلق حركية ثقافية قائمة على الإبداع والتجديد. ذلك أنه من شأن اعتماد لجان تقييم مستقلة ذات كفاءة مهنية عالية أن يعزز مصداقية القرارات، ويرفع من مستوى المنافسة بين المشاريع الثقافية. كما أن تمويل المشاريع ذات الأثر المجتمعي بوسعه أن يساهم في نشر الثقافة وتعزيز الوعي الجماعي، فضلا عن منح المبدعين فرص لتطوير أعمال ذات قيمة فنية وفكرية.
ثامنا: إحداث آليات رقابة مالية وتقنية مستمرة، تشمل افتحاصات دورية، ونشر تقارير مفصلة حول أثر الدعم على القطاعات المستفيدة، الأمر الذي يعزز ثقافة المسؤولية داخل المؤسسات. فالافتحاصات المنتظمة تكشف مواطن القوة ومجالات التطوير، وتوفر معطيات دقيقة حول مسار الموارد المالية. كما أن نشر التقارير يمنح الرأي العام صورة واضحة عن نتائج السياسات، ويعزز الثقة في المؤسسات.
تاسعا: تشجيع المقاولات على الاندماج في الاقتصاد المنظم، عبر تحفيزات ضريبية مرحلية مرتبطة بالإنتاج والتشغيل، مما يسمح بتوسيع القاعدة الاقتصادية والرفع من حجم الموارد العمومية. وتبعا لذلك، من شأن اندماج المقاولات داخل النسيج المنظم أن يخلق بيئة تنافسية متوازنة، ويعزز الشفافية داخل المعاملات الاقتصادية. كما تمنح التحفيزات المرتبطة بالتشغيل المقاولات حوافز لتوسيع أنشطتها وخلق فرص شغل جديدة.
عاشرا: ترسيخ ثقافة اقتصادية قائمة على الإنتاج والمنافسة والابتكار، عبر إصلاح منظومة التكوين، وتعزيز البحث التطبيقي، وربط التمويل العمومي بمشاريع قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة. وهذا يفضي إلى اقتصاد ذي قاعدة فكرية صلبة. فتطوير التكوين المهني والتقني يخلق يدا عاملة مؤهلة، ويعزز جودة الأداء داخل القطاعات المختلفة؛ أما دعم البحث التطبيقي فيفتح آفاقا واسعة لتطوير حلول تقنية مبتكرة، ويمنح المقاولات أدوات تنافسية فعالة، مما قد يساهم في ترسيخ دينامية اقتصادية قائمة على المعرفة، ويعزز حضور الابتكار داخل مسارات التنمية.
هكذا، إذن تتكشف، صورة الدعم الحكومي بوصفها شبكة واسعة من التدخلات التي مست معظم مفاصل الاقتصاد والمجتمع، حتى صار الدعم مكوّنًا ثابتًا في بنية السياسات العمومية، مما ساهم في تشكيل بيئة اقتصادية تتسم بتراجع نسبي لدينامية الإنتاج الخالص، وباتساع مجالات انتظار التمويل العمومي داخل قطاعات يفترض فيها امتلاك قدرة ذاتية على توليد القيمة؛ وهو ما يفرض إعادة ترتيب الأولويات، وذلك عبر توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج، وترسيخ معايير دقيقة للشفافية والتقييم، واعتماد منطق الزمن المحدد داخل البرامج، فضلا عن إنشاء نموذج دعم جديد يقوم على الإنتاجية، ويرتبط بالقيمة المضافة، ويمنح العمل والابتكار مكانة مركزية داخل دورة الاقتصاد.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"
رابط العدد هنا 👇
https://anfaspress.com/alwatan/pdf-view/435-2026-04-21-06-27-44




