lundi 27 avril 2026
كتاب الرأي

سعيد هندي: المغرب.. حين تتحول كرة القدم إلى هوية وطنية لا مجرد لعبة

 

23a816a7-8427-4d88-940e-a3ccb4610e5e.jpg

 

سعيد هندي: المغرب.. حين تتحول كرة القدم إلى هوية  وطنية لا مجرد لعبة سعيد هندي

في زمنٍ تُقاس فيه قوة الأمم ليس فقط باقتصادها أو نفوذها السياسي، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج الشغف الجماعي، يبرز المغرب كواحد من أكثر بلدان العالم التصاقًا بكرة القدم، ليس بوصفها رياضة، بل كجزء من نسيج الحياة اليومية. 


الحديث عن ترتيب “رسمي” يضع المغرب خامسًا عالميًا قد يظل محل نقاش، لكن ما لا يقبل الجدل هو أن هذا بلدنا يعيش كرة القدم بحدةٍ نادرة، تضاهي بل وتتجاوز أحيانًا أعرق مدارس الشغف الكروي في العالم.

 

شغف يبدأ من الشارع ولا ينتهي في المدرجات

في المغرب، لا تحتاج إلى ملعب رسمي لتدرك حجم العشق..الأزقة، الساحات، وحتى الأحياء الشعبية تتحول يوميًا إلى ملاعب مفتوحة. كرة مصنوعة من القماش أو البلاستيك تكفي لإطلاق مباراة حماسية، وكأنها نهائي كأس العالم. هذا الامتداد الشعبي للعبة يمنحها عمقًا اجتماعيًا، حيث تصبح وسيلة للاندماج، والتعبير، بل وحتى للهروب من ضغوط الواقع.

 

المدرجات..مسرح الشغف الخام

إذا كان الشارع هو القلب، فإن المدرجات هي الصوت. ثقافة “الألتراس” في المغرب تعد من بين الأكثر تنظيمًا وإبداعًا عالميًا، سواء من حيث اللوحات (التيفو) أو الأهازيج التي تتجاوز الرياضة إلى رسائل اجتماعية وسياسية.

إن حضور الجماهير المغربية لا يقتصر على التشجيع، بل يتحول إلى عرض بصري وصوتي متكامل، يفرض نفسه حتى في الملاعب الدولية.

 

ولم يكن وصول المنتخب المغربي لكرة القدم إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 مجرد إنجاز رياضي، بل لحظة تاريخية فجّرت مشاعر جماعية غير مسبوقة. خرج ملايين المغاربة إلى الشوارع، ليس فقط احتفالًا، بل تأكيدًا على انتماء مشترك أعادت الكرة صياغته. في تلك اللحظة، لم يعد المنتخب مجرد فريق، بل رمزًا لوطن بأكمله.

 

فحين تُذكر دول الشغف الكروي، غالبًا ما تتصدر القائمة بلدان مثل البرازيل والأرجنتين وإنجلترا. غير أن المغرب يفرض نفسه ضمن هذا النقاش، ليس بفضل الألقاب فقط، بل بفضل “الكثافة العاطفية” التي تحيط باللعبة. هنا، لا تُشاهد المباريات فحسب، بل تُعاش بكل تفاصيلها.

 

ما وراء الأرقام… الشغف كقوة ناعمة

قد لا توجد إحصائية دقيقة تقيس الشغف، لكن المؤشرات واضحة: نسب مشاهدة مرتفعة، متابعة هائلة للدوريات الأوروبية، حضور قوي في الملاعب، وتأثير ثقافي يتجاوز الرياضة. لقد أصبحت كرة القدم في المغرب شكلًا من أشكال “القوة الناعمة”، تعكس صورة بلد حي، نابض، ومتشبث بأحلامه.

 

ختاما، قد يختلف المحللون حول ترتيب المغرب عالميًا في سلم الشغف الكروي، لكن الحقيقة الأعمق تكمن في مكان آخر، في الطريقة التي يعيش بها المغاربة كرة القدم. هنا، لا تُختزل اللعبة في 90 دقيقة، بل تمتد لتصبح لغة مشتركة، وهوية جماعية، وحلمًا لا يتوقف. وفي عالم يبحث عن المعنى وسط الأرقام، يقدّم المغرب درسًا بسيطًا: الشغف لا يُقاس..بل يُعاش.

 

23a816a7-8427-4d88-940e-a3ccb4610e5e.jpg

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg