السبت 2 يوليو 2022
سياسة

الشاوش: لابد من اللجوء للقضاء الدولي وتجريم الجزائر لإنصاف المغاربة ضحايا الترحيل التعسفي

الشاوش: لابد من اللجوء للقضاء الدولي وتجريم الجزائر لإنصاف المغاربة ضحايا الترحيل التعسفي ميلود الشاوش مع صور من الطرد التعسفي لمغاربة الجزائر (صور أرشيفية)

قبل استقلال الجزائر لم تكن هناك حدود؛ وبالتالي كانت هناك عائلات مغربية تعيش في الجزائر، والعكس كذلك. إذاً الأمر يتعلق بروابط تاريخية قديمة بين الشعبين، بحكم القرب الجغرافي وروابط الدين واللغة. فمدن تلسمان ومغنية وبشار وغيرها كانت كلها تخضع للوصاية المغربية وهذه حقيقة للتاريخ، كما أن الوجود الفرنسي في الجزائر وخضوع المغرب للحماية الفرنسية جعل كلا الشعبين مستعمرين من طرف دولة واحدة، ومن هنا جاءت فكرة أن العدو واحد وأنه لابد من النضال من أجل التحرر.

والدي ووالدتي وجدتي عاشوا في الجزائر لسنوات طويلة، وبالتالي كانت مساهمتهم في الثورة الجزائرية على أساس أنهم يساهمون في تحرر بلدهم رغم كونهم كانوا يحملون الجنسية المغربية، وكانوا مؤمنين بهذا الواجب، حيث كان تحرير الجزائر بالنسبة لهم وكأنهم بصدد تحرير المغرب من الاستعمار عبر التضحية بأموالهم وأرواحهم، حيث استشهد العديد من المغاربة بينما كانوا يقومون بعمليات التحرير إلى جانب "الفلاكة" التي تعني "الثوار الأحرار"، وكانت فرنسا تحارب بشكل دائما "الثوار الأحرار"، وكان هؤلاء بحاجة ماسة إلى الدعم المادي بالمال والسلاح، وكان المغاربة منخرطون إلى جانبهم، بينما كان البعض الآخر يساهم بالدعم المالي أو السلاح الذي كان ينزل في وجدة بحكم قربها من السعيدية والبحر الأبيض المتوسط ويتم نقله نحو الجزائر.

كان الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين يحمل السلاح إلى جانب أبناء عمومتي، وكانت السفينة تحط في "رأس الماء" ما بين السعيدية والناظور، وبعدها تفرغ في أحد المنازل، ثم ينقل الى وجدة من أجل إدخاله للثوار الجزائريين، وهذا تاريخ لا يمكن إنكاره، إلى جانب أن كل القيادات الجزائرية التي تبنت الثورة، كانت تعيش في المغرب وضمنهم هواري بومدين وعبد العزيز بوتفليقة.

بالنسبة لنا كأطفال آنذاك لم نكن نشعر بالفرق بين المغرب والجزائر إلى أن فوجئنا بعملية الطرد، حيث فهمنا حينذاك أننا نحمل جنسية مغربية، ولهذا السبب قام النظام الجزائري بترحيلنا إلى المغرب. وأشير إلى أن مساهمة المغاربة في تحرير الجزائر كانت مهمة والدليل على ذلك هو أن جل العائلات المغربية التي تم طردها من الجزائر فقدت شهيدا أو أكثر أو فقدت مختفيا أو أكثر، أو أصيب أحد أعضائها بعاهات مستديمة إما سمعية أو بصرية أو إعاقة حركية نتيجة المساهمة في ثورة الجزائر. وبالتالي فدماء المغاربة كانت تسيل جنبا إلى جنب مع الجزائريين، فلم يكن هناك فرق بين مغربي وجزائري، الكل "خاوة خاوة" كما يقال اليوم في الجزائر. وقد طبقنا هذا الشعار على الأرض ولم نكن نردده كشعار فقط، رغم أن وجودنا كان في تلمسان أو مغنية سواء إذا كانت مغربية أو جزائرية، وهذا موضوع آخر يؤرخ فيه التاريخ  فمسألة الحدود لم تكن قائمة، بل كنا أمام شعب واحد يتقاسم نفس اللهجة واللكنة، ونفس التقاليد، فالحايك الموجود في وجدة تجده أيضا في تلمسان، وأصناف الحلويات التي تحضر بفاس تجدها أيضا في تلمسان.. يعني هناك الكثير من الأمور المشتركة. ولابد من الإشارة إلى أن مساهمة المغاربة إلى جانب جيش التحرير لم تقتصر على ساكنة المناطق الشرقية، بل شملت أيضا ساكنة مناطق دكالة وسوس ومن الراشيدية.. والدليل هو أن ساكنة هذه المناطق شملها أيضا الطرد من الجزائر. كذلك نجد عائلات جزائرية وتضم عددا هاما من أفرادها في المغرب، وتمكنت من تقلد مناصب مهمة في المغرب. فلم يكن هناك أي فرق بين الشعبين الى غاية عام 1963 فما فوق .

أنا مزداد بتلمسان سنة 1967، ومن خلال الشهادات التي سمعتها كطفل كانت الأمور مستقرة، وكان المغاربة يعيشون في استقرار تام بعد تحرير الجزائر ويساهمون في اقتصادها، خصوصا أنهم اشتغلوا في قطاع التجارة، علما أن الاقتصاد الجزائري كان مبنيا على التجارة، وكان المغاربة هم النواة الأولى لهذا الاقتصاد، إذ اشتغلوا الى جانب التجارة  في قطاع الفلاحة، بالإضافة إلى قطاع البناء، وقد عرف المغاربة بالجد والعمل. إذاً الجزائر كانت بحاجة ماسة إلى اليد العاملة المغربية وإلى الكفاءات المغربية وإلى المال المغربي.

طرد المغاربة عام 1975 شكل كارثة ليس بالنسبة للمغاربة، بل بالنسبة للاقتصاد الجزائري، لأنه بعد طرد المغاربة خلقت أزمة اقتصادية في الجزائر سواء من ناحية التجارة أو الفلاحة، وقد ظهر هذا واضحا بعد فتح الحدود عام 1984. وبالتالي فمنذ عام 1963 إلى حدود 1975 كانت الأمور عادية ولكن في مصلحة الجزائر بالدرجة الأولى.

السياق التاريخي لحدث 18 دجنبر 1975 كانت له علاقة بما حصل قبل 18 دجنبر، وهو تنظيم المغرب للمسيرة الخضراء. فبعد تنظيم المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء بدأت الأمور تتغير بالجزائر، وأحست العائلات المتواجدة بالجزائر بأن الأمور ستنقلب عليهم، وقد كنت أسمع وأنا طفل صغير من والدي أن النظام الجزائري يستعد لخطوة غير معروفة ضد المغاربة المقيمين بالجزائر، فكانت المباغتة في 18 دجنبر 1975 بعد عيد الأضحى بيومين أو ثلاث، مع الإشارة إلى أن السلطات الجزائرية قامت خلال شهر نونبر إلى غاية 18 دجنبر بتحديد لوائح المغاربة المقيمين بالتراب الجزائري، ومقر عملهم وإقامتهم كي تضمن تسريع العملية في وقت وجيز وبأعداد معينة كل يوم على صعيد التراب الجزائري ككل، وبعض المغاربة الذين كانت تربطهم علاقات ببعض الضباط الجزائريين كانوا يعرفون بأن التحضيرات كانت جارية لطرد المغاربة من الجزائر. في 18 دجنبر 1975 انطلقت أول حافلة لترحيل المغاربة نحو الحدود الجزائرية – المغربية، حيث تم تجميع كل المغاربة، وهنا انطلقت المأساة، إذ تم اقتياد الأطفال والمرضى من المستشفيات، اقتياد الرجال من مقرات عملهم.. كان عمري آنذاك 8 سنوات، حيث تم استقدامي من المدرسة ووجدت والديّ وإخوتي في سيارة الأمن، حيث تم اقتيادنا جميعا إلى مخفر الشرطة وتم إخضاعنا للتحقيق لمدة 3 أيام. لم أكن أدري ما يجري آنذاك وأنا طفل صغير، وما كنت أعرفه هو أننا سنغادر صوب المغرب. هناك أطفال لم يعثروا على والديهم الذين تم ترحيلهم إلى المغرب لما عادوا من المدرسة، وهو الأمر الذي تسبب في ضياعهم.. المنهجية التي اتبعتها الجزائر في حق المغاربة كانت منهجية انتقام، والدليل على ذلك أن السلطات الجزائرية كانت تردد أن ملككم طلبكم ولابد من الذهاب إلى المغرب من أجل سماع خطابه الموجه لكم، ثم العودة بعد ذلك إلى الجزائر. وقد سمعت هذا الكلام مرارا من خلال عدة شهادات لمطرودين، وهذا هو السبب الذي يفسر حرمان امرأة مغربية من أبنائها لكون الأب من جنسية جزائرية. ومن بين الشهادات التي أثرت في بشكل كبير، رغم أنني عشت هذه المعاناة، هي الشهادة المتعلقة بحرمان الرضيع الذي لا يتعدى عمره 6 أشهر من حضن أمه لكون والده جزائريا بمخفر الشرطة.. وهم يعرفون أن هذه الأم ستغادر بلا عودة، مما يعني حرمان الطفل من والدته.. تصور معي هول هذه المأساة.. ومن بين الشهادات التي أثرت في كذلك هي حرمان أم من حضور جنازة ابنها على أساس أن ابنها جزائري وهي مغربية. أضف إلى ذلك انتهاك حرمة بيوت بها نساء تم اقتيادهن بملابس النوم، دون تمكينهم حتى من الوقت الكافي لتغيير ملابسهن. وهنا أتذكر شهادة إحدى المغربيات المطرودات التي توفيت متأثرة بغبن الطرد من الجزائر، حيث كانت لا تتمالك نفسها وتجهش بالبكاء كلما تحدثت عن هذه المأساة.. هذه السيدة كانت متزوجة من ثري جزائري ولحسن الألطاف أنها أحضرت ابنتها قبل الطرد إلى والديها في المغرب من أجل إجراء فحص طبي في العينين، بالنظر لكون المغرب كان يشهد تطورا في الطب والاقتصاد وفي أمور كثيرة مقارنة مع الجزائر، حيث تركت ابنتها في المغرب وعادت إلى الجزائر من أجل حضور عيد الأضحى إلى جانب زوجها، وبعد مرور ثلاثة أيام عن عيد الأضحى، تم اقتحام بيتها من طرف السلطات الجزائرية حوالي الساعة 7 صباحا واقتيادها بملابس النوم ووضعها إلى جانب نساء أخريات في شاحنات بها نساء ورجال. وتحكي أن الشاحنات ظلت تطوف بالمغاربة حول هواري بومدين الذي كان جالسا بمدينة وهران، وبعدها تم نقلهم نحو الحدود المغربية – الجزائرية. وتستطرد هذه السيدة أنها لما وصلت إلى مغنية توصلت من سيدة جزائرية بـ"الحايك" من أجل ستر جسدها.. هل تعتقد بأن شخصا مسلما تربى في وجدة وساهم المغاربة إلى جانبه في حرب التحرير سيقدم على تنفيذ هذه المأساة في حق المغاربة؟.. إذا كان عدد العائلات المطرودة من الجزائر هو 45 ألف عائلة، فلكل عائلة قصتها الخاصة، لدرجة أن كل مخرج يمكنه أن يعد شريطا سينمائيا ينبثق من قصة واقعية..

ما حدث يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، فالأمر يتعلق بالتهجير القسري الجماعي. ومنذ 2006 تاريخ تأسيس جمعيتنا كنا نطالب الأمم المتحدة بإدراج مصطلح التهجير ضمن اليوم العالمي للهجرة ليصبح "اليوم العالمي للهجرة وضد التهجير وحق اللاجئين"، فأصبح منذ 2015 "اليوم العالمي للهجرة وضد التهجير وحق اللاجئين".

في عام 2010 بدأ عملنا على الصعيد الدولي، فكانت أول محطة هي اللجوء إلى اللجنة الأممية المعنية بحقوق العمال المهاجرين، والتي كانت ستناقش تقرير الجزائر حول حماية حقوق العمال المهاجرين، وبعد اطلاع اللجنة على الحدث طلبت من الجزائر استفسارا حول مدى قانونية طرد المغاربة عام 1975 بهذا العدد، وقد تفاجأت الجزائر بهذا التساؤل. وأوصت اللجنة الجزائر عام 2013 بجبر الضرر وضمان استرجاع الممتلكات ولم العائلات المشتتة، وقد خلقت هذه التوصية رجة في الجزائر لدرجة أنها قدمت شكاية إلى الأمين العام للأمم المتحدة مدعية أن رئيس اللجنة مغربي (المرحوم الجمري)، لكن اللجنة كانت مكونة من مجموعة من الخبراء، والمرحوم الجمري لم يكن سوى عضو داخل اللجنة، وقد جعلت التوصية الأمور أكثر وضوحا لدى المنتظم الدولي.

وفي الفترة من 2010 إلى 2018 كان هناك تواصل دائم مع مجلس حقوق الإنسان في ما يخص المقررين الخاصين، لأنه كما قلت كان التهجير يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بفعل التهجير، ويرقى إلى جريمة حرب بفعل مصادرة الممتلكات والعقارات، ومن خلال الشهادات المستقاة من الضحايا فهناك اعتقالات، حالات اختفاء، حالات قتل، بعض الضحايا تم ترحيلهم إلى سجون "الرابوني"، ومن تلك السجون تم نقلهم إلى سجون ليبيا ولم يتم الإفراج عنهم إلا في حدود سنة 2012، حتى أن هناك من توفوا داخل هذه السجون. فحسب الشهادات التي نتوفر عليها قام النظام الجزائري بقتل مغاربة داخل السجون بين سنتي 1975 و1976، ولهذا السبب التجأنا إلى اللجان المعنية بالاختفاء القسري، وصدرت توصيات من أجل معرفة مصير المختفين، كما طلبنا من المقرر الخاص بالتعذيب بزيارة الجزائر من أجل فتح تحقيق في المكان المعين.

وفي عام 2013 صدرت توصية أخرى تهم المغرب من أجل تبني الملف والدفاع عنه دوليا، والمغرب مطالب في التقرير المقبل بإعطاء توضيحات حول الخطوات التي قام بها من أجل حل هذا الملف دوليا وليس ثنائيا، بحكم أن العلاقات المغربية - الجزائرية متوترة. بالإضافة إلى ذلك طالبنا من الحكومة المغربية بإعادة إدماج المطرودين ولفت انتباهها إلى هذه الفئة العريضة. فالأمر يتعلق بصدمة واجهت المطرودين وتتطلب إعادة بناء حياة جديدة (كل الممتلكات صودرت بما فيها الأراضي الفلاحية والعقارات..) ولكون هذه الفئة ضحت من أجل الحفاظ على هويتها المغربية، إذ عرضت عليهم مقايضات من أجل الالتحاق بالبوليساريو أو التخلي عن الجنسية المغربية مقابل عدم الترحيل حسب الشهادات المستقاة من العائلات.

جمعيتنا قامت بعقد مؤتمرات دولية من أجل تكييف الحدث، ولابد من اللجوء إلى القضاء الدولي من أجل التجريم والمطالبة بجبر الضرر وإنصاف الضحايا، والقضاء الدولي ينصف في مثل هذه القضايا، علما أن ضمن الضحايا من يحملون جنسيات أوروبية ومن حقهم وضع دعاوى داخل اللجنة الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، كما استشرنا مع عدة محامين في إمكانية رفع دعوى قضائية ضد الجزائر على المستوى الدولي...

 

ميلود الشاوش، رئيس جمعية المغاربة ضحايا الطرد التعسفي من الجزائر