الاثنين 16 مايو 2022
منبر أنفاس

البشير افديفي: الدرس الأدبي بين فعلي التلقين الآلي، والتفاعل الإيجابي ( التعليم الثانوي نموذجا )

البشير افديفي: الدرس الأدبي بين فعلي التلقين الآلي، والتفاعل الإيجابي ( التعليم الثانوي نموذجا ) البشير افديفي
يستمد هذا الموضوع مشروعيته من عنصرين أساسيين:
ـ الأول يعود إلى ما راكمته من تجربة متواضعة في مجال التدريس بالسلكين الإعدادي والثانوي.
ـ والثاني يتمثل في الوضعية التي آل إليها درس الأدب في التعليم الثانوي التأهيلي، والمفارقة التي يعيشها المدرس بين سندان الواقع التعليمي ـ التعلمي، كما تنظر إليه الأدبيات التربوية، ومطرقة ما يعيشه المدرس في القسم، قصد تمكين المتعلم من الاشتغال على النص الأدبي.
لقد عرف درس الأدب في التعليم الثانوي التأهيلي مجموعة من المتغيرات خاصة بعد أن تقادمت الطرق التي كانت معتمدة قبل صدور منهاج 1996، فنشرت العديد من الكتب والمقالات تدعو إلى ضرورة إعادة النظر في التعامل مع الدرس الأدبي، ولعل أبرز دواعي إعادة النظر في منهاج اللغة العربية "ضرورة الاستجابة لحاجات المتعلمين العقلية والمهارية المتجددة في علاقتها بالمستجدات التربوية التي عرفتها الساحة التعليمية، وبالتطورات التي لحقت مختلف فروع المعرفة، وبالإصلاحات المؤسسية التي أدخلت على نظامنا التعليمي" .
ومن تم بات ضروريا الانفتاح على ما عرفته الساحة التربوية ـ عالميا ـ وإعادة النظر في الكتاب المدرسي الذي درس فيه المدرس، ودرس فيه.
فما هي المرتكزات التي بني عليها المنهاج الجديد؟ وما موقع درس الأدب ضمنها؟
لقد اعتمد المنهاج الجديد ما عرفته الساحة التربوية من تطور في مجال البحث التربوي الهادف إلى عقلنة العملية التعليمية وتأمين فاعليتها "ذلك التطور الذي حمل معه فلسفة ورؤية جديدتين للعمل التربوي عموما، ولفعل التدريس خصوصا، مما نتج عنه تحول الاهتمام من التركيز على المادة المعرفية إلى العناية بتنمية الجوانب المهارية، والانطلاق من حاجات المتلقي / التلميذ عوض حاجات المادة أو ثقافة المرسل / المدرس" .
وإضافة إلى هذا المرتكز التربوي، اعتمد كذلك مرتكزين أساسيين : الأول علمي من خلال ما عرفه الدرس الأدبي من تقدم خاصة في مجال اللسانيات الحديثة، والسيميائيات المعاصرة في العلوم الإنسانية، والتواصل اللغوي، والثاني مؤسساتي، يتعلق بالإجراءات والتدابير التي أقدمت عليها وزارة التربية الوطنية بهدف الرفع من مستوى التعليم وتحسين مردوديته.
ومن هذا المنطلق، فإن المقاربة الجديدة في إصلاح النظام التعليمي ببلادنا تجاوزت مفهوم البرنامج التقليدي نحو مفهوم المنهاج التربوي، كخطة عمل تربوية، تكوينية، نسقية متكاملة المكونات والعناصر، وراهنت على اعتبار التربية والتكوين مدخلا استراتيجيا لمواجهة تحديات التنمية في زمن العولمة، الشيء الذي جعلها تتبنى الكفايات كمدخل أساسي لبناء المشروع المجتمعي المتمثل في المتعلم. فكيف سيساهم درس الأدب في بناء هذا المشروع المجتمعي؟.
إن المتصفح لكل الوثائق التربوية، والتوجيهات والمذكرات الصادرة عن الجهات الرسمية التي ترعى درس الأدب يجد نفسه أمام ركام من المقاربات التي تستمد مرجعيتها من علوم مختلفة في مجال اللغة العربية، بل وحتى النظريات الحديثة في مجال الديداكيتك، ولن يسعفنا المقام هنا للتطرق إليها، إلا أنها كلها راهنت على ما يلي:
● تأهيل المتعلم (ة) لمتابعة الدراسات الجامعية المتخصصة والعليا في مختلف شعب الآداب والعلوم الإنسانية والقانونية وغيرها.
● تقوية القدرة على توظيف المعارف والمهارات المكتسبة في وضعيات مختلفة ومجالات متعددة.
● تكوين شخصية مستقلة ومتزنة تتخذ المواقف المناسبة حسب الوضعيات المختلفة.
● قدرة المتعلم على حل مشكلات ترتبط بمهارات الفهم والتحليل والتطبيق...
● اعتماد القراءة المنهجية كخطة قرائية / إقرائية، يوظفها المدرس كمراحل تنطلق من الإدراك العام والكلي للنص، ووضع فرضيات لقراءته، إلى العمليات التي يقوم بها التلميذ لفحص هذه الفرضيات اعتمادا على عناصر النص الداخلية (معجما دلالة تركيبا وأسلوبا)، أو الخارجية (تتعلق بربط النص بمحيطه السوسيوثقافي) .
وفي هذا السياق فإن منهاج اللغة العربية سعى إلى تمكين المتعلم من التواصل والتعبير بلغة عربية سليمة، وإقداره على كسب التقنيات والمنهجيات الكفيلة بتوليد المهارات الضرورية التي تساعده على محاورة النصوص الأدبية. فما علاقة هذا الطموح بتلقي الدرس الأدبي ؟ وما هي انعكاسات الاشتغال على هذا الدرس في النهوض بالأدب داخل الممارسة التعليمية ـ التعليمة ؟
إن المتصفح لمقرر الدرس الأدبي يلاحظ أنه اعتمد على التدرج من مستوى الجذع المشترك الأدبي (الاشتغال على أنماط النصوص النثرية (الحكي والحجاج) والشعرية (الشعر العمودي وشعر التفعيلة)، مرورا بالسنة الأولى الأدبية (الاشتغال على نماذج من القصيدة العربية بدءا من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي)، وصولا إلى السنة الثانية (الاشتغال على القصيدة العربية البعثية والرومانسية والحداثية)، وفي هذا التدرج ما يوحي بأن المشرع راهن على ضرورة تمكين التلميذ من مختلف الآليات التي يتواصل بها مع النص الأدبي، ويتذوقه بالطريقة التي تجعل من المتعلم عضوا فاعلا في القراءة، منتجا لا مستهلكا "قصد تمكينه من الثقة في النفس، والمشاركة الفعالة، والشعور بالمسؤولية، والقدرة على تدبير تعلمه وتدبير الزمن، وهذا يستدعي إعطاءه الفرصة في التفكير فيما يتعلم، وكيف يتعلم، ولماذا يتعلم؟، وهو ما يتطلب تجاوز بعض الممارسات التقليدية في التدريس مثل الإلقاء المباشر، والإملاء الحرفي، والاسترجاع دون فهم واستيعاب ودون القدرة على التطبيق والتحويل".
من هذا المنطلق فإن الدرس الأدبي تجاذبته مجموعة من الأطراف التي تلعب فيه دورا حسب سياق معين، والمتمثلة في المعلم والمتعلم والنص، والتي عبرت عنها الأدبيات التربوية بالأقطاب الثلاثة : القطب الإسبتمولوجي (المادة) ، والقطب السيكولوجي (المتعلم)، والقطب البيداغوجي (المدرس).
وتختلف التعاقدات بين هذه الأقطاب انطلاقا من هيمنة المدرس (القطب البيداغوجي)، أو المادة (القطب الإيستبمولوجي) أو المتعلم (القطب السيكولوجي)، وباختلاف هذه التعاقدات تختلف المواقع والأدوار لكل طرف، إلا أن العقد القرائي المتمحور حول المتعلم هو الذي تراهن عليه المدرسة الحديثة في هذه الأدبيات انسجاما مع التطورات التي شهدتها نظريات القراءة ومناهج التحليل وبيداغوجيا الكفايات والإدماج، وتجاوبا مع أهداف تدريسية النص الأدبي، هذا الأخير الذي يعتبر القطب الأساس للاشتغال، لأن وضعه في الدراسة تتجاذبه مستويات ثلاثة :
ـ العلاقات النصية الداخلية
ـ تفاعل النص مع باقي النصوص الأخرى
ـ تفاعل النص مع محيطه الاجتماعي
مما سبق يتضح لنا أن موقع درس الأدب في التعليم الثانوي التأهيلي يتحدد اعتمادا على مرجعية علمية تتصل بالنص في حد ذاته، وأخرى بيداغوجية تتأسس على الطرق والمناهج التي ينبغي بها تصريف مكونات هذا الدرس. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الإطار [هل ينجح مدرس الأدب في تحقيق ما يراهن عليه الدرس الأدبي، وذلك بخلق القنوات البيداغوجية التي تمكنه من ذلك ؟.
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب إجراء مسح موضوعي يستقرئ جل الممارسات البيداغوجية في مختلف الفضاءات التي يشتغل فيها على هذا الدرس. ورغم عدم إمكانية الوصول إلى نتائج موضوعية، تسعفنا على الخروج برؤية شمولية لهذا الوضع، إلا أن الاحتكاك بالممارسين (أساتذة وتلاميذ) يجعلنا نقترب إلى الوضع الذي تعيشه الشعبة الأدبية، ومن خلالها درس الأدب، ويمكن اختزال ذلك في الملاحظات التالية :
1 – إذا كان التعلم في أي مجال يراهن على الرغبة والميول والإقبال ، فإن التلميذ الموجه إلى الشعبة الأدبية، توجه إليها بفعل ضعف مستواه في المواد العلمية التي تؤهله لاستكمال دراسته في هذه الشعبة، فهل يعقل أن يقبل تلميذ على دراسة مكونات غير مؤهل لها مسبقا،(وهذا خيار مؤسساتي يغيب المقاييس التربوية في عملية التوجيه).
2 – إن عنصر التوجيه السالف ينعكس سلبا على الشعبة الأدبية، ومن خلالها الدرس الأدبي، حيث تشيع ثقافة التمييز بين المعارف العلمية أو التقنية من جهة والأدبية من جهة ثانية، فيغدو درس الأدب ذا قيمة بخسة مقارنة مع باقي المعارف الأخرى.
3 – عدم مساعدة المحيط السوسيوثقافي للمتعلم على الاهتمام بالدرس الأدبي، فأمام انتشار ثقافة "الرقمنة" وعولمة وسائل الاتصال والإعلام وغياب الاهتمام بالجانب القيمي، وتقلص العلاقات الاجتماعية الحميمية، وهيمنة ثقافة المصلحة... كل ذلك دفع المتعلم إلى التحصيل البراغماتي الذي يراهن على توخي المنفعة الآنية بعيدا عن أي ذوق يسعف الإنسان في بناء تفكير سليم يدفعه إلى الاختلاء بنفسه نحو التنظير والإبداع والكتابة الأدبية...
إضافة إلى هذه العوامل الخارجية، فهناك بعض العوامل الداخلية المتعلقة بتدريس الأدب، تساهم هي الأخرى في جعل هذا الأخير يعرف تهميشا وعدم اهتمام، يمكن أن نوجز بعضها فيما يلي :
● غياب الاهتمام بالنص الأدبي كمعطى في المقرر الدراسي، لأن الميل إلى القراءة الورقية أصبح شيئا بعيد التحقق عند تلميذ مؤطر في عالم محكوم بالآلة / الهاتف الذكي الذي يوفر له مختلف أنواع المعارف التي تثير اهتمامه وميوله، وبالتالي فوضع النص أضحى هامشيا لا يتلاءم مع رغبات القارئ / التلميذ.
● انعدام التفاعل الإيجابي مع المحيط الوثائقي للتلميذ، فهو لا يزور المكتبة الورقية إلا اضطراريا، عندما يحتاج إلى اقتناء مقرر دراسي، وحتى المكتبات المدرسية، فإن أدوارها باتت كدكاكين بدون زبناء لغياب القيمين التربويين الذين يلعبون دور المحفز والمرغب في الكتاب، لا المنفر الذي يود قضاء مدة زمنية محدودة وكأنه في إقامة إجبارية داخل هذا الدكان / المكتبة.
● انعدام الاهتمام بالعنصر الثقافي الذي يجعل التلميذ يعيش حيوات مختلفة، يكسر بها حياته النمطية، واهتماماته البسيطة، خاصة أمام تقادم كل ما هو مؤسسي، حيث عدت الأقسام كفضاءات لتصريف المنتوج الرسمي الذي يتخذ من المقررات الدراسية وسائل للمعارف "الرسمية" التي لا تعطي إمكانية للخروج عنها، فأصبح دور المدرس للنص الأدبي آليا / نمطيا، ما دام عنصر الإبداع في عملية الإقراء يبقى رهينا للمراحل القرائية التي تنطلق منها أنشطة التعامل مع هذا النص، والمتمثلة في مراحل القراءة المنهجية، والتي تنطلق من كون التلميذ يقبل على الاشتغال على النص اعتمادا على رصيد معرفي قبلي يسعفه على طرح فرضيات قرائية، والتأكد منها اعتمادا على مرحلتي الفهم والتحليل، ثم إعطاؤه الفرصة للحكم على النص داخليا (من خلال مكوناته الدالية، الدلالية والتداولية) وخارجيا (من خلال ربطه بمحيطه والسياق الذي أبدع فيه مقارنة مع باقي النصوص).
والسؤال الذي يتحتم علينا طرحه الآن يتمثل في مدى كفاية هذه المراحل القرائية المعتمدة في درس النصوص في التعليم الثانوي التأهيلي. [وبالتالي هل تنسجم مع فعل القراءة الذي يسعف التلميذ على التواصل مع النص].
إن التمهر على التعامل مع النص الأدبي في التعليم الثانوي التأهيلي يتم بطريقة تدريجية، حيث ينطلق التلميذ في البداية ليشتغل على النص بطريقة جزئية عبرها يتمكن من ضبط مراحل القراءة المنهجية بدءا بالاشتغال على كيفية التوصل إلى طرح فرضيات قرائية من خلال مؤشرات نصية، مرورا إلى ضبط قضايا النص من خلال القراءة والتنقيل، ثم تحليل مستوياته المعجمية والبلاغية والإيقاعية والأسلوبية، وصولا إلى إعادة تركيب وتقويم ما تم التوصل إليه في المستويات السابقة، وينبغي أن يتخرج قارئ النص/التلميذ من هذا التعليم، وله القدرة على قراءة النص قراءة متكاملة تستوعب المراحل السابقة في كتابة إنشائية متكاملة قادرة على تحقيق الفهم والتحليل والتركيب والتقويم.
إن التقويم النهائي للدرس الأدبي في السنة الثانية الأدبية، هو الكفيل بتقديم إجابات حاسمة تستوعب مدى قدرة التلميذ على إنجاز قراءة متكاملة مما حصله من وضعيات إقرائية تبين أنه تفاعل مع النص الأدبي بطريقة إيجابية، تدل على إيجابية انسجام المدخلات والمخرجات المتوخاة من وراء فعل التعامل مع هذا النص.
إن التجربة أثبتت وبالملموس، أن القارئ للنص الأدبي لا يتحكم في الآليات التي تسعفه على تذوق النص وخلق قنوات التواصل الإيجابي معه، فغالبا ما ينظر إليه على أساس أنه مجموعة من المعارف التي ينبغي ترديدها، وتنقيلها في وضعيات اختبارية، فهو دائم الطلب على الحصول على ما يسمى في صفوف التلاميذ بالمنهجية، منطلقا من كون النص تحكمه منهجية نمطية رغم اختلاف جنسه ومكوناته الإبداعية، وتصبح المعرفة الجاهزة هي المتحكمة في التعامل مع هذا النص، مما ينعكس سلبا على تمثل ما ينبغي تحققه في التعامل مع النص من آليات اشتغال يتحكم فيها الجانب التحليلي الذي يستنطق المواقف والقضايا التي يطرحها هذا النص دون الاتكاء على المعارف الجاهزة والتي ربما قد يتم إسقاطها بطريقة اعتباطية لا تنسجم مع منطوق النص.
إن التعامل مع النص بهذه الطريقة قد تمليه كيفية الاشتغال عليه بالنمطية التي تطرقنا إليها سالفا، وقد يزكي ذلك، الاعتماد على أطر مرجعية تفرض على الأستاذ الانطلاق منها ضمانا لتحقيق مبدأ التكافؤ بين التلاميذ على الصعيد الوطني والجهوي. ولا يسعفنا المقام هنا للتطرق إلى مدى انسجام هذه الأطر المرجعية مع الوضعيات الاختبارية الإشهادية.
وتأكيدا لما توصلنا إليه سابقا حول مشروعية التحكم في النص الأدبي إقراء وقراءة، فإنني سأتوقف عند قراءة في مجموعة من إنتاجات التلاميذ في السنة الثانية الأدبية، حيث تم تفريغ استمارة منجزة من طرف أساتذة صححوا إنتاجات التلاميذ تتضمن مراحل القراءة المنهجية للنص (التقديم ـ الملاحظة ـ الفهم ـ دراسة المعجم ـ الصورة ـ الإيقاع ـ الأساليب ـ التركيب والتقويم) على المستوى العمودي، وأفقيا وضعت تقديرات من المستوى الضعيف إلى الجيد وبعد تفريغها تم التوصل إلى الخلاصات التالية :
● اعتماد رصيد معرفي جاهز / محفوظ عن ظهر قلب، يتردد بنفس الأسلوب من طرف التلاميذ، وهذا يزكي الطرح الشائع في صفوف المتعلمين والمتمثل في ضرورة حفظ مقدمة مناسبة في كل موضوعة من موضوعات النصوص الأدبية.
● الانطلاق من مؤشرات مفارقة للفرضية التي تطرح، وبالتالي فالتلميذ يتعامل مع هذه المرحلة (ملاحظة النص) في غياب ضبط مرجعيتها والمغزى منها.
● اختزال القضايا التي يطرحها النص، حيث يغيب التفسير الدقيق للمضامين مع ابتعاد فئة عن منطوق النص، لأنها ظلت تـنهج استراتيجية الهروب إلى الأمام، عوض تنقيل الأفكار التي يطرحها النص.
● غياب القراءة التأويلية في الاشتغال على مستويات النص، حيث ركز التلميذ على الوصف (وصف الحقول المعجمية وتصنيفها، جرد بعض الصور البيانية، تحديد إيقاع القصيدة...) دون الوصول إلى إبراز مدى تمثل النص للاتجاه الأدبي الذي ينتمي إليه، وحتى الفئة التي استطاعت التأويل فإنها لم تؤول إلا اعتمادا على نص غائب، الذي كان موضوع دراسة صفية.
● إضافة إلى ذلك، فإن استراتيجية التعبير تفاوتت مستوياتها، فعندما كان الأمر يتعلق باستحضار المعرفة الجاهزة، واستثمارها في قراءة النص، جاء الأسلوب خاليا من الأخطاء، لكن عندما تم الانتقال إلى الاشتغال على النص بدأت الأساليب تنحو نحو الركاكة والاستطراد، وارتكاب الأخطاء الفادحة على المستوى النحوي والتركيبي والتعبيري... الشيء الذي يفسر بأن التعامل مع النص كمعطى بات متجاوزا في ظل التركيز على المادة الجاهزة التي يصحبها التلميذ معه في أية وضعية اختبارية، سواء كانت خاصة (في إطار التقويم التكويني) أو عامة (في إطار التقويم الإجمالي).
وما يزكي هذا الطرح أشكال التقويم في الشعبة الأدبية، لأنها ترتكز على أطر مرجعية منظمة للامتحانات الإشهادية في المادة (خاصة الامتحان الوطني)، تدفع التلميذ إلى اعتماد الحفظ الآلي الذي يراهن على حفظ المعرفة دون إنتاجها، ويبعد النص الذي يجب أن يكون محط اشتغال عند التلميذ، وفي هذا الإطار فإن التعامل مع النص واستنكناه قضاياه، والوصول إلى أبعاده عن طريق آليات اشتغاله، وطبيعة جنسه لم تعد محط اهتمام أي طرف في الممارسة التعليمية ـ التعلمية، فحتى المدرس غدا كآلة التي تنتج إطارا جاهزا في العملية القرائية للنص، لأنه مكبل من جهة بالخطة الإقرائية المتمثلة في مراحل القراءة المنهجية، ومن جهة ثانية صار مقيدا بأطر مرجعية لا تتيح له الفرصة للتعامل مع النص بحرية قد تستدعيها طبيعته.
إن هذا التعامل مع النص القرائي تنتج لنا قارئا مروضا على فعل القراءة، لأنه يكرر تجربة قرائية نموذجية واحدة وموحدة، حيث تكون السلطة فيها للمعرفة المنتجة إما عن طريق المادة الجاهزة في الكتب المدرسة، أو المعرفة العالمة للمدرس، الشيء الذي يؤدي إلى تقوية مشاعر الخضوع لسلطة المعنى الواحد والوحيد، والنفور من الاختلاف والتعدد والانفتاح، ما دامت الطرائق مغلفة والنصوص ممجدة، الشيء الذي يؤدي إلى البقاء في موقع الاستهلاك والاستيلاب والعجز عن التحول إلى الإنتاج والإبداع.
وحتى يتحول قارئ النص الأدبي إلى مبدع/ منتج / فعال، فلابد من الانطلاق من الوضعيات الآتية :
● إعادة الاعتبار للدرس الأدبي، كدرس أساسي ينبني على أساس معرفي علمي، لا فرق بينه وبين باقي الدروس التي تشتغل عليها المعرفة المدرسة.
● إعطاء الأهمية لهذا الدرس من خلال انفتاحه على محيط المتعلم وجعله مفعما بالحياة، مرتبطا بواقع المتعلم، مجسدا لكل القيم التي تساهم في تكوين شخصية الإنسان.
● الاهتمام بالمكتبة كمادة دراسية تدرج كباقي المواد، وتخصص لها حصص تعليمية توكل لمؤطر يمتلك كل ما يحيط بالكتاب، والكتابة، والمكتبة والتصنيف والتبويب والترتيب والمعالجة والبحث... وكل ما يتصل بتقريب الكتاب إلى التلميذ وتحبيبه إليه.
● اعتماد الطرق البيداغوجية المنفتحة على طبيعة النصوص دون فرص واحدة لا غير، حتى يصبح بناء المعرفة القرائية ناتجا عن أفعال الحوار والتعاون والإدماج والتفاوض والتفاعل والمشاركة.
فإن التعامل مع النص الأدبي في مختلف المستويات والمراحل التعليمية للتلميذ بطريقة إيجابية، كفيل بأن يخلق منه إنسانا مدركا للمعاني والأفكار والسلوكات التي تجعل منه كائنا فاعلا ومتفاعلا مع مختلف المشاكل التي تواجهه في حياته.