الخميس 29 يوليو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف: عن حكاية قرية فزوان وأشياء أخرى

عبد الصمد الشنتوف: عن حكاية قرية فزوان وأشياء أخرى عبد الصمد الشنتوف ومشهد من قرية فزوان

كما كان مقدرا وصلنا قرية فزوان على الساعة السابعة مساء، كانت أول مرة تطأ قدماي جهة المغرب الشرقي، ركنا السيارة قرب محل أواني الخزف ورحنا على مقهى مسيج بقصب الخيزران، استوينا فوق كراسي خشبية حول طاولة مستطيلة بجوار نافذة عريضة تطل على أشجار البرتقال، الطقس ربيعي جميل، فضاء المقهى فسيح، صوت شجي رقيق للشاب حسني يمر من فوق رؤوسنا يطرب سمعنا، ينبعث من مكبرات صوت مثبتة على السقف.

 

ترتاح البلدة بين أحضان هضاب وتلال شاسعة. أشجار البرتقال خالية من ثقل الثمرات، خمنت أننا أتينا في نهاية موسم القطاف، موسم برتقال منطقة بركان اللذيذ. الرياح تكاد تكون مضربة عن الهبوب، الأوراق جامدة في مكانها، الأشجار لا تتحرك. قررنا أن نستريح ونلتقط أنفاسنا بعد رحلة متعبة انطلقت من تازة .

 

قرية فزوان ساحرة تغشاها الخضرة، يستبد بها السكون والهدوء، كان المقهى شبه خال من الرواد، ربما لأن أجواء كورونا مازالت تخيم على البلدة، الفيروس اللعين ما زال يتربص بالعالم ويقاوم كل محاولات اللقاح المضاد، لم يختف بعد ولم يتم سحقه، لقد فتك بأعداد لا يستهان بها من البشر، لعله استطاب العيش بيننا، رغم مجهودات منظمة الصحة العالمية إلا أن الفيروس القاتل ما لبث ينغص علينا حياتنا، صار جزء من الهواء الذي نستنشقه، قرر أن ينشط ويمكث أكثر، نطارده لكنه صامد، ما لم يتم القضاء عليه سيظل يفتك بنا ويقتلنا في صمت .

 

مددت بصري نحو الهضاب البعيدة، كانت لحظات الغروب، أخذت الشمس تلملم أشعتها الحارقة، بدأت تستعد للمغيب رويدا رويدا، أرخت بخيوطها فوق السهول الخضراء وقد رسمت لوحة بهية بلون قرمزي مضيء .

 

ما إن عدلنا جلستنا والتقطنا أنفاسنا حتى أقبل النادل بخطى حثيثة، شاب أشقر طويل القامة، ضخم الجثة، على لسانه لكنة جزائرية، حيانا بابتسامة وديعة. قلت له لهجتك ومظهرك يوحي وكأنك جزائري، تذكرني بأصدقاء جزائريين رافقتهم خلال إقامتي الطويلة بلندن، أطلق الشاب ضحكة صفراء لا تخلو من توتر ارتسم على قسمات وجهه الواجم، لم يرق له كثيرا حديثي، فرد علي بحنق شديد: لا يشرفني هذا التشبيه سيدي، أنا فخور بمغربيتي وأكره الجزائر حتى الموت، وأجدادي ينحدرون من هذه الأرض الطيبة، أرض بني يزناسن. رده القوي أزعجني قليلا، ليس هناك ما يبرر كلامه القاس هذا، وأنا الذي عاشرت الجزائريين ووجدت معظمهم يعشقون المغرب ويحبون المغاربة، كانوا يحترمونني، لطفاء للغاية، ولا تعتريهم أية عصبية .

 

بدا الشاب صارما متجهما فيما يقول، قلت في نفسي: لا ينقصني سوى سماع دروس في الجغرافيا وصراع الشعوب من نادل معتوه هذا المساء !.

 

قلت له حسنا، نحن جئنا لنشرب من مياه فزوان الطبيعية الساخنة ونكتشف أرض أجدادك من قبيلة بني يزناسن. تبسم الرجل وخاطبنا قائلا: مرحبا بكما، هل ممكن أقدم لكما مشروبا ساخنا أو باردا؟

 

طلبت عصير برتقال فيما اختارت سارة كأس شاي بعشبة لويزة. وبعد أن عاد النادل من حيث أتى رحت أنقل بصري إلى الشارع، على طوله أشجار مورقة ظليلة وكراسي خشبية مبثوثة ينعم الزوار بالجلوس عليها بعد سفر مضني، قبالتي رصيف عريض يحتشد فيه جمع غفير من المارة يهرولون تجاه السقاية.

 

من الشرفة تلوح حامة فزوان، شلة من زوار غادين ورائحين يحملون قارورات وقناني فارغة يموج بهم المكان، يتجمعون حول الحامة كسرب من الطيور. يتسابقون.. يتزاحمون.. وكأنه وقع في ظنهم أن المياه المعدنية المتدفقة ستنحبس في أي لحظة، لا أدري لماذا نحن العرب لا نستطيع أن نقف في طوابير منتظمة مثل باقي شعوب العالم، أقصد شعوب أوروبا تحديدا، لا صبر لنا على الانتظار، دائما مستعجلون، نسابق الزمن، وكأن الشمس ستتوقف عن الدوران حول هذا الكون، يا للعبث !

 

معظمنا يهدر زمنه متجمدا فوق كراسي عند أرصفة المقاهي يرقب مؤخرات نساء غاديات رائحات، يلعب الورق أو "يقرقب الناب" في مواضيع تافهة. لا يستريح منهم الرصيف سوى عند مقابلة كلاسيكو، فريق يشجع ريال مدريد وآخر يذود عن برشلونة بكل بلاهة. يصرخون.. يتنابزون.. ويتقافزون كالمجانين من أماكنهم عند تسجيل الهدف. حينها يتسمرون على كراسي رديئة في ملهاة كروية يتابعونها على الشاشة بشغف إلى حد الجنون. ولما كل هذه العجلة، ما دامت الحياة تسير بسرعة الحلزون في بلادنا؟، ألا يردد المغاربة شعارهم الشهير "لي بغا يربح العام طويل"؟. يا للهول! تناقضاتنا عميقة ومهولة.

 

نحن قوم تستهويه الفوضى ويستلذ الصخب والتدافع.

 

قفز ذهني إلى مشهد شبيه حينما كنت شابا يافعا، كنا نتجمع حول شبابيك تذاكر السينما والحافلات، نتزاحم مثل ذباب مزعج. لا جديد! ما زلنا في عداد الدول المتخلفة، أصابني إحباط شديد، لم يتغير شيء منذ منتصف الثمانينيات. صديقي حمزة يقول ذلك راجع إلى قلة الوعي وفقر في الثقافة، أنا أقول هذا غير صحيح! عندما وطئت قدماي أرض القارة العجوز مع رهط من طلبة متعلمين صرنا نتدافع ونتقاتل حول شباك تذاكر القطار بالجزيرة الخضراء وكأننا قطيع من ضباع متصارعة، أحسست وكأن شيطانا يسكننا، ويحفزنا على سلوك هذا المنحى القاتم، شيطان النرجسية البغيضة الذي يسكن دواخلنا، الجميع يريد تحقيق مصلحته الذاتية، "أنا" وليضرب الزلزال من بعدي. صرت موقنا أننا مجبولين على تخلف مطبق ومريع. منذ بضعة شهور وجدتني في طابور طويل أنتظر دوري لأداء فاتورة الطريق السيار عند مدخل طنجة، وإذا بي أتفاجأ بسيارات فارهة من صنف مرسديس وفولسفاغن تندفع نحو الخط الأمامي بكل خسة وعنجهية، يقفز السائقون من الصف دون خجل، يتملصون من الطابور في مشهد أخرق، عندما لمحت وجوههم داخل سياراتهم الفاخرة أصبت بالدهشة والغثيان، معظمهم توحي سحناتهم بالأناقة والتحضر، يرتدون بدلات فاخرة وهندام بديع، لكنها مجرد مظاهر خداعة، حقيقتهم أنهم أشخاص متخلفون بربطات عنق. يغطون عيونهم الزائغة بنظارات شمسية باهظة مكتوب عليها "ديور" و"فرساشي" التي لا تصنع الرقي والتمدن لدى الانسان. يبدو وكأنهم متعودون على خرق القانون وتجاوز النظام .

 

تعد عين فزوان من بين عيون السياحة العلاجية، الناس تحج إلى هنا من كل حدب وصوب سعيا لرحمة الله في شفائه. يقول أحد رجال القرية إن مياه فزوان تتميز بنفس خصائص ماء "إيفيان" الفرنسي، إذ شاع أن مائها الطبيعي الساخن خال من الزئبق والنحاس والزنك، ويشكل علاجا فعالا ضد أمراض الكلي والجهاز الهضمي، لذلك أصبحت القرية قبلة للمواطنين من كل أرجاء البلد. تحولت الى منتجع للراحة والاستجمام أيضا، حيث تستقطب آلاف من العائلات والزوار لشرب مائها الطبيعي الساخن والاستمتاع بجمال طبيعتها الفيحاء .

 

حين فرغنا من المشروب وبعد انصرام نصف ساعة، توجهنا نحو النادل لدفع الحساب، وما إن هممنا بالانصراف حتى نادى علي الشاب مازحا: حذاري حذاري من الجزائريين، لا تخالطهم في لندن، شعرت ببعض الضيق من نصحه السخيف، فاقتربت منه بعدما مسحته بنظرة هازئة وقلت له:

- أستغرب من كلامك هذا وأنا الذي دخلت مقهاكم تحت إيقاع صوت الشاب حسني وخرجت بأغنية الفنان "سولكين"!

- هل تقصد أن المغني الذي يصدح صوته الآن في الفضاء جزائري الجنسية؟

- نعم ، هو كذلك، فنان مهاجر من الرعيل الجديد يقيم بفرنسا .

- آه، لم أكن أعلم ذلك، كنت أظنه مغني فرنسي.

- بل هو فنان جزائري متألق يغني بالفرنسية.

- ولماذا تفتخر به وأنت لست جزائريا؟

- لأنه غنى للحرية والحراك بالجزائر .

- وما اسم الأغنية التي فتنتك إلى هذا الحد؟

- ادخل لموقع يوتيوب واكتب"la liberte" ، ثم انقر على زر "ابحث"؟

- عماذا سأبحث؟

- عن شيء ثمين مفقود في وطننا العربي يسمى "الحرية"!