لا أثق في الحروب التي تصلني بعين واحدة، لأنه كلما اشتعل صراع، ألاحظ كيف يضيق العالم فجأة على الخريطة وعلى الوعي أيضا، يغدو كل شيء واضحا أكثر مما ينبغي: هذا مع، وهذا ضد. هذه حقيقة، وتلك دعاية. كأن التعقيد الذي كان يملأ المشهد قبل ساعات، انسحب فجأة وترك مكانه ليقين سريع ومريح.
لا أرى في ذلك وضوحا. ما أراه هو اختزال فقط.
فكرة أن الحرب يمكن فهمها من خلال “عين إيرانية” أو “عين إسرائيلية/أمريكية” تبدو لي أضعف من أن تفسر ما يجري. هي تشبه النظر إلى مدينة كاملة من ثقب باب، ثم التصرف وكأننا أحطنا بها كلها. و ما يزعجني في هذا التصنيف أنه يختصر الخلاف في الانتماء، بينما الخلاف الحقيقي يبدأ من زاوية النظر نفسها.
المحلل السياسي، مثلا، يقرأ الحرب كشبكة من التوازنات الدقيقة: من يردع من؟ من يبعث رسالة لمن؟ ما الذي تغيّر في ميزان القوة؟
في المقابل، هناك من يقترب من الحرب من مكان أكثر مباشرة. مواطن عادي لا تعنيه كل هذه الطبقات بالقدر نفسه. ما يشغله أبسط وأقرب: هل سيمتد هذا التوتر إلى حياتي؟ هل سأدفع ثمنه؟ هل سيتغير الإيقاع الهش الذي أعيش داخله؟
لا أحد هنا يخطئ تماما. ولا أحد يملك الصورة كاملة.
الصحفي يلتقط لحظة قابلة للسرد، صورة تختصر المشهد، أو عبارة تصلح لأن تتصدر النقاش. المؤرخ لا يمنح اللحظة كل هذه الثقة، بل يبحث عمّا يتكرر أكثر مما يبحث عمّا يقع. التاجر ينظر إلى ما بعد الانفجار: الأسواق، الإمدادات، الاضطراب، وربما الفرص. ومن ينطلق من مرجعية دينية أو ليبرالية أو قومية، غالبا ما يقرأ الحدث من داخل منظومته، ويرى فيه ما يعزز منطقه أكثر مما يراه كما هو.
كل هؤلاء يلمسون جانبا من الحقيقة. لكن أحدا منهم لا يحتكرها.
المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الزوايا إلى جدران. حين تصير كل عين معسكرا، وكل قراءة اصطفافا. عندها يتغير معنى النقاش كله. لا يعود الغرض فهم ما يحدث، بل تحديد الموقع منه. و لا يصبح السؤال: كيف ترى؟ بل: مع من تقف؟ هنا بالتحديد، يضيق النقاش أكثر.
تفقد اللغة دقتها، وتكسب حدة زائدة.
تتراجع المساحات الرمادية لأن أحدا لم يعد يحتملها. يرتفع الصوت، ويتراجع التحليل.
ويتحول التريث، وهو أحيانا أول شروط الفهم، إلى تهمة جاهزة.
ما يزعجني في هذا كله أعمق من مجرد الانحياز. ما يزعجني هو الفقر الذي يفرضه على الرؤية. فالحرب لا تكتفي بعنفها في الميدان، بل تُدخل هذا العنف إلى طريقة التفكير نفسها: سرعة، حدة، وضيق في الزاوية.
حتى لا يساء فهمي أوضح أنني لا أبحث عن حياد بارد، ولا أتعامل مع كل الزوايا كما لو كانت متساوية. لكني أرفض أن أستعير عينا واحدة وأتنازل عن البقية. لأن كثيرا مما يُسوَّق بوصفه وضوحا، لا يكون في الحقيقة سوى حذفٍ لطبقات كاملة من الفهم.
الحرب، كما أفهمها، لا تكمن فقط في ما يقع، بل في الطريقة التي تدفعنا بها إلى النظر.
ولهذا أحاول أن أقاوم هذا الإكراه بطريقتي:
أن أرى أكثر مما يريد لي اللغط الدائر أن أرى، وأن أترك مسافة بيني وبين اليقين السريع، وأن أؤجل الحكم قليلا حتى لا أخسر الفهم كله...ولعل خوسيه أورتيغا إي غاسيت كان دقيقا حين قال: "أنا أنا وظروفي"، ربما لا يمنحني هذا موقفا جاهزا.
لكنه يمنحني، على الأقل، عينا ليست مستعارة.. ..
