الأحد 9 مايو 2021
سياسة

رشيدي في حفل تأبين والي المظالم: الفقيد مولاي امحمد العراقي شخصية بصمت تاريخ المغرب

رشيدي في حفل تأبين والي المظالم: الفقيد مولاي امحمد العراقي شخصية بصمت تاريخ المغرب الأستاذ إبراهيم رشيدي (يسارا) والفقيد مولاي امحمد العراقي

في حفل تأبيني، نظمته مؤسسة الوسيط، للفقيد مولاي امحمد العراقي، والي ديوان المظالم الأسبق، يوم الجمعة 19 مارس 2021 بمقر مؤسسة الوسيط بالرباط، حمل عنوان "جذور وطنية وقيم إنسانية"، تم إلقاء كلمات تأبينية وشهادات في حق الراحل من طرف شخصيات قضائية وحقوقية؛ كانت من بينها كلمة الأستاذ إبراهيم رشيدي، التي ننشرها كاملة كالتالي:

 

"بداية أشكر وسيط المملكة الأستاذ الجليل محمد بن عليلو، الذي أتاح لي فرصة الحضور لحفل تأبين واحد من أهرام جهاز القضاء المغربي المرحوم مولاي امحمد العراقي والي المظالم الأسبق.

شرف لي أن أحضر في حفل تكريم قامة من قامات بلدنا العزيز إلى جانب قامات شامخة من كبار القضاة والمحامين وأساتذة وفقهاء القانون.

هذه المشاركة الثانية في حفل تكريم هذه الشخصية التي بصمت تاريخ المغرب وليس تأبينا، وذلك بعدما كان لي الشرف أن أشارك في الحفل التكريمي الذي نظمه المركز المغربي المتعدد الاختصاصات إلى جانب المجلس الوطني لحقوق الإنسان في افتتاح منتدى فاس حول تحالف الحضارات والتنوع الثقافي والشراكة المتوسطية حول موضوع "الشباب وتحديات العولمة بفاس أيام 09-10-11-12 دجنبر 2011 تحت الرعاية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

كانت هذه التظاهرة الثقافية الرائعة مناسبة، كذلك لتكريم القاضي والأستاذ الجليل والي ديوان المظالم مولاي امحمد العراقي الذي كرس حياته في خدمة العدل وخدمة المحرومين والمظلومين، وأيضا خدمة العدالة الاجتماعية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان في مفهومها الكوني، ومصالحة المواطنين مع الإدارة وخدمة الوطن والعرش.

شاءت الأقدار مباشرة بعد رجوعي من فرنسا بداية الثمانينات من القرن الماضي، أن أتعرف على هذا الفقيه القانوني عن طريق ابنه البار المرحوم فاضل العراقي الذي كان يتابع محاضراتي بكلية الحقوق والاقتصاد بـ "جامعة بونتيون صوربون" بباريس، حيث ألح المرحوم فاضل العراقي بأن أتعرف على والده الأستاذ مولاي امحمد العراقي الذي كان يستقبلني بحفاوة خاصة وبابتساماته وضحكاته الشهيرة.

و كان بيت الفقيد بمثابة "الزاوية" التي يحج إليها المثقفون و المواطنون من جميع الأصناف، حيث كان الجلوس إلى الفقيد مولاي امحمد العراقي هو بمثابة جلوس مريد إلى شيخه. وكانت نصيحته لي كلما هممت بمغادرة بيته: "تمسك بالهوية الوطنية ودافع عنها بالحوار الهادئ الرزين والمقنع وبالكلمة الطيبة".

نصائح مولاي امحمد العراقي لم تتوقف أبدا وأتذكر أنه عندما كان مراقبا للانتخابات بالدار البيضاء خلال الاستحقاق الانتخابي لسنتي 1992 و1997. كان رحمه الله يتصل بي ويوصيني دائما بالتشبث بالوطنية وبالدفاع عن وحدة الوطن، خاصة أن مرحلة الشباب كانت تتسم بالاندفاع والحماس.

لقد تدرج مولاي امحمد العراقي القاضي النزيه في جميع أسلاك القضاء: وكيلا عاما، قاضيا للتحقيق، رئيسا للغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مفتشا بوزارة العدل، مراقبا للانتخابات، وكيلا عاما بمكناس تم والي ديوان المظالم (وسيط المملكة حاليا)، الذي نحن اليوم في ضيافته. إذ ظل مولاي امحمد العراقي يعمل جاهدا على سمو السلطة القضائية واستقلالها.

كما كان رجل الدولة بامتياز مشهودا له بالولاء والتفاني ونكران الذات والإخلاص في خدمة مقدسات الأمة وثوابتها والقضايا العادلة للوطن والمواطنين.

كان المرحوم مولاي امحمد العراقي، معروفا بنبله وكرمه ونخوته وتواضعه وحزمه وشجاعته وجهره بكلمة الحق كيفما كانت العواقب.

لقد عرفت حملة التطهير لسنة 1996 عدة خروقات. وقد تم استبعاد المسؤولين القضائيين الذين كانوا يمتلكون سلطة القرار آنذاك ليتولى الوزير تدبير الأبحاث والمتابعات بتنسيق مع وكيل الملك بأنفا آنذاك. ونزع الملف من مدير الشؤون الجنائية والعفو آنذاك. كما تم تهميش الوكيل العام للملك بالدار البيضاء في ذلك الوقت.

خلال حملة التطهير لسنة 1996 فوض وزير العدل لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء أنفا كل السلطات فيما يتعلق بالمخالفات الجمركية على الصعيد الوطني خلافاً لكل قواعد الاختصاص، وأصدر بذلك مذكرة أرسلها إلى كل الوكلاء العامين بالمغرب، يأمرهم بمقتضاها بإحالة جميع المساطر المرتبطة بحملة التطهير مباشرة إلى وكيل الملك بأنفا. فأصبح هذا الأخير يمتلك صلاحيات مدير الشؤون الجنائية والعفو بمقتضى هذه الرسالة الدورية.

لكن المرحوم الأستاذ مولاي امحمد العراقي الوكيل العام للملك بمكناس آنذاك، هدد بتقديم استقالته بسبب المذكرة المشؤومة، وصرح لمسؤولي وزارة العدل بأنه لا يقبل بمثل هذه الممارسات".

كل هذه المواقف لبعض رجال الدولة، التي نددت بما سمي آنذاك حملة التطهير دفعت جلالة المغفور له الحسن الثاني -خلد الله في الصالحات ذكره- بوقف حملة التطهير. وسيصدر بعد ذلك أمره المطاع بالعفو الشامل عن المحكوم عليهم بسبب تلك الحملة في نهاية سنة 1997.

كل ما يمكن أن يقال عن مولاي امحمد العراقي لا يوفيه حقه. لقد كان مناضلا شجاعا في طريق الحق. مثقفا ملتزما بقضايا الوطن. وطنيا صادقا ما بدل تبديلا. حمل رسالة القضاء بكل اقتدار وتجرد. دافع عن شرف المهنة واحترم اخلاقياتها وتشبث بمبادئها وأهدافها بثبات وإيمان وصمود في وجه من كان يعبث بهرم القضاء الشامخ.

إن مواقفه التاريخية تشرف القضاء وتشرف التربة التي أنجبت أمثال مولاي امحمد العراقي، لأنه كان يؤمن برسالة القضاء التاريخية في إحقاق الحق وإنصاف المظلومين. تشبت بقيم العدالة الخالدة، مدافعا عن حرمة المؤسسة القضائية وعن تخليق القضاء وتحقيق الإنصاف وإعلاء كلمة الحق.

شهادتي في حق الفقيد مولاي امحمد العراقي تظل ناقصة مع وجود قامات قضائية عاصرت وعايشت فقيدنا الجليل عن قرب سواء بوزارة العدل أو بديوان المظالم سابقا وطيلة مساره المهني.

شهادتي هي تعبير صادق عن محبتي وتقديري للمرحوم الأستاذ مولاي امحمد العراقي رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنانه إنه سميع عليم.

لا يمكن أن ننسى الأعمال الجبارة التي كانت ولا زالت تقوم بها زوجته الفاضلة لالة عائشة العبادي التي تضحي بالغالي والنفيس لخدمة زوار فقيدنا في منزله الذين كانوا يحجون بانتظام إلى البيت متحلية بقيم إنسانية كريمة"...