حينما نقارب ما يقع حرب إسرائيل وأمريكا على إيران لا نقاربها بثنائية الدين والعقيدة، المؤمنين والكفار... ولا الشيعة والسنة، ولا المسلمين والآخر...
وحينما نقارب ما يعيشه الشعب الفلسطيني من تقتيل وتهجير، لا نقاربه من ثنائية الدين أو العرق…
بل… من منطلق كوني… الحق.
فلو بغت أمة مسلمة على أخرى غير مسلمة، لناصرنا المظلومة، إيمانا بالحق الذي لا يصطف مع الظالم لمجرد الانتماء العقدي والعرقي. وثانيا... حتى المقاربة الإيمانية لا تمنحك شيكا على بياض لمناصرة من هم من قبيلتك الدينية أو المذهبية أو العرقية...فالأصل في الإسلام مناصرة المظلوم… ولو كان كافرا… بل إعلان الحرب على الظالم إن بغى وجار على غير المسلم.
لهذا… نقف مع فلسطين… بعيدا عن العروبة والإسلام… نقف معها لأن هناك كيانا احتل الأرض، وهجر، وقتل، وما زال… 7 أكتوبر نتفهم سياقها القهري، ونتفهم أن المقاومة حق لمن ظلم ولمن قتل، وانتزعت أرضه.... نناصر الفلسطينيين لأنهم أصحاب قضية عادلة، لا نرى فيهم العقيدة ولا العروبة، بل الضحية المظلومة والشعب الذي يباد.
مناصرة شعب إيران ليس ذا خلفية دينية ولا تعصبية، فالعدل لا جبة له شيعية ولا سنية ولا صليبيا ولا عبريا،… بل لأن أرضها تتعرض للبغي والظلم والقصف والقتل… لوكانت بوذية أو لادينية، لاستحقت التضامن... والحق حتى من منظور إيمانييفرض مناصرة المظلوم... خصوصا وأن القانون الدولي داست عليه غطرسة التحالف الأعمى.
فحين ضربت الولايات المتحدة، لم نناصر طالبان المعتدية باسم الدين، بل ناصرنا الضحية... ناصرنا شعب أمريكا.... لأن الاعتداء على المدنيين ظلم، ولم نناصر طالبان بحجة العقيدة... فحتى العقيدة لا تسمح بالبغي وقتل الأبرياء.
وهكذا فالحق…
فهو ليس لافتة ترفع في ساحة، بل بوصلة تختبر في زمن الانقلاب على ميثاق الأمم المتحدة وزمن انحراف هذه الممظمة نفسها.
الحق أن ترى الإنسان قبل العقيدة والعرق، والجرح قبل الشعار، والدم قبل البيان الرسمي... والعدل قبل الجغرافيا....
أن تدرك أن العالم لا ينقسم إلى “أخيارنا” و“أشرارهم”، بل إلى أفعال عادلة وأخرى جائرة، إلى قرارات تنقذ الحياة وأخرى تهدرها.
تخيّل مشهدا بسيطا:
طفل في غزة يركض بين ركام بيته، لا يعرف من السياسة إلا صوت الطائرات.
طفل آخر في مدينة بعيدة، ربما في طهران أو السودان وكييف وموسكو أو أي مكان، ينام على قلق مشابه، وإن اختلفت اللغة والوجوه.
الحق لا يسأل: من أي معسكر هذا الطفل؟
الحق يسأل: من الذي جعل الخوف خبزه اليومي؟
في هذا السؤال، تسقط الأقنعة.
الانحياز للحق ليس حيادا.
الحياد، حين يتساوى فيه الجلاد والضحية، شكل.آخر من أشكال التواطؤ.
الحق انحياز… لكنه انحياز أخلاقي: مع من يسلب حقه، وتغتصب أرضه... ويقتل قادته، ويباد ويجوع صد من يسلبه، ويختطف، ويحتل، ويعاقب للتركيع.
ولأن العالم معقد، فالحق أيضا دقيق.
ليس كل من يقاوم محقاةفي كل أفعاله، وليس كل من يملك القوة ظالما في كل تفاصيله.
الميزان هنا ليس الانتماء، بل الفعل.
مثال أوضح:
يمكنك أن تدعم حق شعب في مقاومة احتلال سلب أرضه، وفي الوقت نفسه ترفض استهداف المدنيين.
هذا ليس تناقضا، بل انسجام مع مبدأ: الحياة ليست ورقة تفاوض.
مثال آخر:
حين تفرض عقوبات شاملة على شعب بأكمله، فتنهار المستشفيات، ويحرم الأطفال من الدواء، هل يعاقب النظام أم يعاقب الناس؟
الحق هنا لا يخدع بالشعارات السياسية، بل يرى النتيجة: إنسان يتألم... وبلد يتم غزوه.
وحيث يوجد ألم غير مبرر… يوجد ظلم.
الحق يبدأ من التفاصيل الصغيرة، قبل أن يصل إلى خرائط الحروب.
أخطر ما تفعله ثنائيات الهوية أنها تبسط الشر...تجعله مقبولا إن صدر “منّا”، ومرفوضا إن صدر “منهم”.
بهذا، يتحول الظلم إلى مسألة وجهة نظر، لا إلى حقيقة يجب مقاومتها.
الإعلام السريع مسخ المرجعيات وقلب المواقف، وصنع الروايات وفق رؤية تخلط الحقيقة بالوهم.
صورة تقص، تصريح يقتطع، كلمة تضخم… فيتشكل وعي على مقاس موازين القوى.
وهنا، يصبح الدفاع عن الحق عملا شاقا... أن تبطئ الحكم، أن تشكك في السردية الجاهزة، أن تبحث عن الحقيقة في مكان لا يسلط عليه الضوء.
الحق، بهذا التصور، ليس ما يقال لك، بل ما تصل إليه بعد مقاومة ما يقال لك.
ثمة بعد آخر… بعد الشجاعة.
أن تقول “هذا ظلم” حين يصفق الجميع له...
أن تقول “هذا خطأ” حين يخاف الآخرون من النطق به...
أن تعترف بأن “رهطك” أخطأ… دون أن تشعر بأنك خنته.
هذه ليست خيانة ولا خذلان، بل جوهر الوجود الإنساني حين يتخلص من عصبية عمياء، تحاصر الحق والحقيقة.
لأن أسهل شيء في العالم هو أن تنتمي...
وأصعب شيء… أن تكون عادلا....
ندرك أن الحق أيضا ليس كاملا فينا.
نحن نتعلمه، نخطئ فيه، نراجعه....
قد ننخدع بصورة، أو ننساق وراء خطاب عاطفي، أو نبالغ في رد فعل.
لكن الفرق بين من يعيش للحق ومن يعيش للهوية والنصرة العمياء للعرق والعقيدة والطائفة… أن الأول يعود، والثاني يبرر ويلج في عماه.
العودة هنا فضيلة:
أن تقول “كنت مخطئا"...
أن تعيد وزن الأمور...
أن تنقذ ضميرك قبل أن تنقذ صورتك.
فالعالم قاس متعثر البوصلة الأخلاقية...عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاستقطاب، لدرجة أن التمسك بالحق يغدو نوعا من المقاومة الهادئة.
مقاومة ضد التبسيط، ضد التحريض، ضد تحويل الإنسان إلى رقم أو أداة.
أن تنحاز للحق…
يعني أن ترفض أن تكون جزءا من ماكينة الكراهية...
أن تختار أن ترى… لا أن تساق،
أن تفكر… لا أن تبرمج.،
الحق لا يحتاج إلى جمهور وبرامج ومخللين ودوغمائيين مأجورين، بل إلى شجاعة رؤية، تنحاز للحق، لا للقبيلة ولا الدين ولا الطائفة ولا للغنيمة...
وأخطر الاصطفافات... تلك التي وقودها المصالح والمنافع والغنيمة، ويكلف بها الكتبة والرموز ومن يجيدون التأثير " خطابا" وهم مجرد أجراء لأجندة... آخر شيء تفكر فيه " الحق... وعدالة القضية"...
فالحق لا يحتاج إلى كلام مزيف دسم في السياسة، بل إلى وضوح لا يخاف تكلفة البوح... وصدق النوايا قبل الأهواء...
ولا يحتاج إلى هوية ولا عقيدة، بل إلى ضمير... يعلو على العير والنفير، وإلى موقف يريح المضجع قبل المرجع.
هناك فقط، يصبح موقفك نقيا:
أن تنصر المظلوم لأنه مظلوم…
حتى لو لم يشبهك.
أن تدين الظالم لأنه ظالم…
حتى لو كان يشبهك.
أن ترى الإنسان…
قبل أن ترى اسمه، ودينه، وحدوده.
الحق…
ليس معركة بين “نحن” و“هم”،
بل رحلة شاقة نحو أن نكون ببساطة بشرا...
خالد أخازين، كاتب وإعلامي


