شن التحالف الأمريكي -الإسرائيلي منذ 28 فبراير 2026 وللمرة الثانية بعد هجومه الخاطف في يونيو 2025 حربا عدوانية واسعة النطاق على إيران .وما لبثت إيران أن ردّت على هذا العدوان بقصفها لعدد من الأهداف العسكرية في الدول العربية في الخليج ليمتد النزاع الى المنطقة بكاملها .وفي الساعات القليلة التي أعقبت اشتعال نيران الحرب ، توالت التحذيرات من خطورة الوضع في منطقة الشرق الأوسط ، وتواترت الدعوات من طرف الأمم المتحدة والعديد من دول الجنوب الى احترام القانون الدولي ، كما أعلنت الدول الأوروبية عن مواقف متفاوتة من الحرب على إيران بعضها بشكل محتشم وانتقائي و بعضها باستعمال لغة ديبلوماسية مبهمة وحمّالة أوجه .
وقد تراوحت مواقف وردود فعل الدول غير الأطراف في هذا النزاع المسلح بين المساندة والتأييد الصريح للحرب الامريكية -الإسرائيلية على إيران (كندا، أستراليا، دول البلطيق ...)، والتعبير عن الإدانة في حدّها الأدنى من طرف روسيا والصين الدولتين ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، أو الاقتصار على التعبير عن «التفهم الواقعي" لمبررات شن الحرب على إيران، أو الرفض الحازم الذي عبرت عنه بعض الدول للهجوم الأمريكي- الإسرائيلي غير المبرّر على إيران (كوبا، باكستان، إسبانيا، فنلندا، النرويج ...).
ولعل ما يسترعي الانتباه بشأن المواقف المتفاوتة التي عبرت عنها العديد من الدول تجاه شن الحرب على إيران، هو الحذر الشديد والبراغماتية التي طغت على هذه المواقف، فضلا عن الحيّز المتواضع للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحددة في الحجج والمسوغات التي أسست عليها هذه الدول مواقفها، ولجوؤها إلى التعبير عن قلقها الشديد من خطورة الوضع في الشرق الأوسط ودعوتها إلى عدم التصعيد والعودة إلى المفاوضات.
ويبدو لنا من جهة أولى ،أنه من اللازم التذكير ببعض الأساسيات في القانون الدولي التي تؤطر اللجوء إلى استعمال القوة ضد الدول الأخرى، وتقيد ممارسة حق الدفاع الشرعي خاصة أنه قد تبلور- بناء على هذه المبادئ الأساسية- اتفاق واسع بين المختصين في القانون الدولي حول الطابع الجليّ لعدم شرعية للحرب العدوانية على إيران وتعارضها الصارخ مع ميثاق الأمم المتحددة والقانون الدولي العرفي (أولا).ومن جهة ثانية ، إن الذرائع و الادعاءات التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير هجومها العسكري على إيران، تفرض في رأينا الكشف عن ضعف وتهافت رأي بعض المختصين في القانون الدولي – وهم قلة - الذين يدافعون عن " مشروعية العمليات المسلحة "ضد إيران ،و انبروا للتسويغ القانوني للهجوم العسكري على دولة إيران وتعليله بناء على التأويل المتعسف لمبادئ القانون الدولي و والتوظيف المتحيز لقواعده و تحريف دلالاتها و الجنوح عن الراجح والمستقر في نطاق تطبيقها (ثانيا).
واعتبارا للطابع القانوني المعقد للقضايا التي تطرحها الحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد إيران وأبعادها المتداخلة (قانون الحرب أو النزاعات المسلحة، قواعد اللجوء الى استعمال القوة، القانون الدولي لحقوق الإنسان، مسؤولية الحماية، حرية الملاحة الدولية ...)، ولكونها تستوجب تحليلا وافيا يتجاوز الهدف من هذا المقال وحيّزه المحدود، ولأننا نستهدف القراء عامة وليس المتخصصين منهم حصرا في حقل القانون الدولي، سوف نضطر إلى الاختزال والتركيز على العناصر الأساسية التي تبدو لنا ضرورية للتدليل على عدم شرعية الحرب المعلنة ضد يران ، ومطابقتها للمعايير التي ينبغي تحققها في استعمال القوة ضد دولة أخرى لتوصيفها بالعدوان من وجهة القانون الدولي الوضعي .
أولا – الحرب على إيران: عدوان بموجب القانون الدولي
يلزم ميثاق الأمم المتحدة جميع الدول الأعضاء في هذه المنظمة بالامتناع في علاقاتهم الدولية عن " التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة [...]"، المادة 2 /فقرة 4. ومما لا جدال فيه فقها و استنادا على عدد من الاجتهادات المتواترة لمحكمة العدل الدولية ، أن القانون الدولي يحظر بشكل مبدئي وقاطع وشبه مطلق اللجوء الى استعمال القوة أو التهديد باستعمالها ،ويضفي على هذه القاعدة طابعا عرفيا .( قرارات محكمة العدل الدولية : الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها / نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة 1986- قضية منصات النفط ، إيران ضد الولايات المتحدة ، 2003 – التبعات القانونية لبناء جدار أمني في الأرض الفلسطينية المحتلة ، 2004 - الأنشطة المسلحة على إقليم الكونغو / الكونغو ضد أوغندا ، 2005 – قضية كوستاريكا ضد نيكاراغوا ، الأنشطة في المناطق الحدودية ، 2015 - قضية انتهاك الحقوق السيادية في بحر الكاريبي ، نيكاراغوا ضد كولومبيا ، 2022).
ويجدر التذكير أن الرئيس الأمريكي "ترامب"، كان قد وجه في 13 يناير 2026، تهديدا صريحا بالتدخل العسكري في إيران، كما حرّض المتظاهرين في إيران على تصعيد ومواصلة حركة التمرد والعصيان على النظام الحاكم، وهو في حد ذاته موقف عدائي صريح يندرج في نطاق التهديد باستعمال القوة ضد دولة أخرى وينتهك المادة 2 /4 من الميثاق.
ومما لا شك فيه، أن مبدأ حظر اللجوء إلى استعمال القوة لحل النزاعات بين الدول الذي كرسه ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2 /4 المشار إليها، يعتبر مكسبا اتفاقيا أساسيا منذ 1945، لأنه يكرس إحراز تقدم هائل على طريق تجنب اندلاع الحروب الشاملة والمدمرة للعالم في المستقبل، والقطيعة مع فكرة "الحروب العادلة" وشرعية استعمال القوة المسلحة في العلاقات الدولية الذي ظل سائدا الى نهاية القرن التاسع عشر، وإرساء أسس وقواعد عهد جديد يقوم على التدبير الجماعي لقضايا السلم العالمي.
وقد حسم ميثاق الأمم المتحدة - من حيث المبدأ-مسألة عدم شرعية استعمال القوة بين الدول، وأورد عليها استثناءين على سبيل الحصر. يتمثل الاستثناء الأول في الحالات التي حدّدها الفصل السابع من الميثاق المتعلق بالأعمال المتخذة في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان. فبهدف التصدي لهذه الحالات، خوّل الميثاق لمجلس الأمن وحده اختصاص اتخاذ تدابير استعمال القوة وفقا للشروط المحددة في المادتين 41 و 42 .وتندرج هذه التدابير في نطاق إعمال آلية " الأمن الجماعي" التي تنظمها المواد 39 إلى 42 من ميثاق الأمم المتحدة ، ولاسيما المادة 42 تحديدا التي تنص على أنه " إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض ، أو ثبت أنها لم تف به ، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه [...]"
ويتضح من أحكام الميثاق ذات الصلة أن آلية " الأمن الجماعي" تستبعد أي تدخل أحادي من لدن الدول خارج إطار الأمم المتحدة، وبالتالي فإنها تمنع أي دولة من استعمال القوة ضد دولة أخرى مسندة في ذلك على مجرد تقديرها لوحدها لحالة وقوع تهديد للسلم والأمن الدولي.
ويتمثل الاستثناء الثاني في حق الدول في الدفاع الشرعي الذي كرسته المادة 51 من الميثاق. وبالنظر إلى أهمية هذه المادة فيما سيلي من تحليل، نوردها بنصها الكامل. " ليس في هذا الميثاق ما يضعف او ينتقص الحق الطبيعي للدول ،فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على " أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي . والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبلغ الى المجلس فورا.ولا تؤثر تلك التدابير باي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".
ويتأكد من سياق ووقائع الهجوم الأمريكي -الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026 أن إيران لم تبادر إلى القيام بهجوم مسلح على الولايات المتحدة أو إسرائيل، الأمر الذي تنتفي معه قابلية استنادهما على المادة 51 من الميثاق. ويجدر التنبيه إلى أن السياسات والتدابير التي اعتمدتها وطبقتها بعض الدول الغربية في سياق مكافحة " الإرهاب" غداة 11 شتنبر 2001، ثم اثناء الحرب على العراق في سنة 2003، قد أدت إلى احتدام الجدل الفقهي حول فكرة " الدفاع الشرعي الوقائي " أو " الاستباقي" الذي يمكن أن تمارسه إحدى الدول حتى قبل أن تتعرض لعدوان مسلح من طرف دولة أخرى. وقد تزعمت الولايات المتحدة آنذاك الاتجاه الداعي إلى الاعتراف بحق الدفاع الشرعي بطريقة وقائية واستباقية، مما يتعين معه الكشف عن التحريف والتحوير الذي أصاب استعمال حق الدفاع الشرعي كما يضمنه نص الميثاق، وتوظيفه المنحرف من طرف بعض الدول لتبرير عملياتها المسلحة غير الشرعية ضد دول أخرى.
فإذا كان صحيحا أن قسما من فقهاء القانون الدولي يؤيد " الدفاع الشرعي الاستباقي "الذي استعملته الولايات المتحدة لشن عدوانها على العراق، فإن هذه الفكرة لا ترتكز على أي أساس سليم وقوي في القانون الدولي الوضعي. ويتفق موقف الأغلبية العظمى من الفقه الدولي -إلى جانب قرار معهد القانون الدولي رقم 10 / ألف لسنة 2007 – الذي يكتسي حجية فقهية قوية في هذا الموضوع- على " أن نظريات الدفاع الشرعي الوقائي ، وفي غياب هجوم مسلح في طور التنفيذ أو وشيك الوقوع بشكل جلي وواضح، تفتقد الى الأساس في القانون الدولي ". وفي الواقع، ورغم المحاولات الحثيثة لبعض الدول لتكريس التأويل الواسع للدفاع الشرعي واعتماده في مؤتمر القمة العالمي المنعقد في 2005، فإن قرار الجمعية العامة رقم 60 / 1 بشأن نتائج هذه القمة، اقتصر على الإحالة إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة ذات الصلة معتبرا أنها كافية للتصدي لكامل التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن الدوليان. وبذلك يمكن الجزم أن " نظرية" الدفاع الشرعي الوقائي والاستباقي لم تحظ أبدا بالاعتراف سواء في النصوص أو في الممارسة، رغم استعماله من لدن الولايات المتحدة أو إسرائيل في 2025 و2026 وفي مرحلة سابقة في العراق في 1981 و2003. وبعد دخول العالم إلى "المرحلة النووية"، عادت بعض الدول - أثناء اشغال الأمم المتحدة حول تعريف العدوان - الى المناداة بضرورة مراجعة القيود التي تؤطر حق الدول في الدفاع الشرعي وجعل شروط استعماله أكثر مرونة ، غير ان تعريف العدوان الذي اعتمدته الجمعية العامة في 14 دجنبر 1974 يؤكد في مادته الأولى الخاصة بالتعريف و المرفقة بالقرار أنه " استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة [...]" ( القرار 3314 / 1974)، وبالتالي ، لم يتضمن التعريف عنصر تعرض الدولة لمجرد التهديد باستعمال القوة وإن كان هذا التهديد "وشيكا" .
وفي ضوء مجمل العناصر السابقة، يتبدى أنه ليس ثمة شك في كون العمليات المسلحة التي شنها التحالف الأمريكي -الإسرائيلي على إيران منذ 28 فبراير الماضي، ينطبق عليها تعريف العدوان وفقا لقرار الجمعية العامة المشار اليه سابقا، وأيضا بموجب المادة (8 مكرر) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. فالأفعال المرتكبة من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل تتطابق مع استعمال القوة المسلحة ضد سيادة دولة أخرى وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي من خلال الغارات والقصف الهجومي وفي انتهاك واضح لميثاق الأمم المتحدة من طرف دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وبالإضافة إلى ما سبق، ومع افتراض ثبوت مبررات ممارسة الولايات المتحدة وإسرائيل لحق الدفاع الشرعي، فإنها لم تحترم الشرط الإجرائي الذي تنص عليه المادة 51 والذي يلزم الدول الأعضاء بأن تبلغ فورا إلى مجلس الأمن التدابير التي تتخذها استعمالا لحق الدفاع عن النفس، مما يكشف النية المسبقة لأمريكا وإسرائيل على استبعاد هجومها المسلح ضد إيران من نطاق المادة 51 لميثاق الأمم المتحدة. فالقوات الإيرانية لم تكن هي السباقة للهجوم على الولايات المتحدة وإسرائيل، ومجلس الأمن لم يرخص لها باستعمال القوة ضد إيران. فضلا على أن إيران كانت فيما يبدو إلى غاية الساعات القليلة التي سبقت تعرضها للهجوم، تجري المفاوضات مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي ولم تكن على وشك استعمال القوة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن ثم، فمن البديهي أن تعرض إيران للعدوان الأمريكي -الإسرائيلي خارج نطاق الشرعية الدولية يقود إلى الجزم أنها هي التي توجد في الوضع القانوني للدفاع الشرعي من أجل ردع هذا العدوان على سيادتها وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي، الأمر الذي يجيز لها – مع مراعاة مبدئي الضرورة والتناسب وفقا للقانون الدولي العرفي – توجيه ضرباتها المسلحة نحو الأهداف العسكرية لحماية أراضيها.
ويتعين التذكير في هذا الصدد، أن الأفعال التي تندرج في نطاق العدوان بموجب التعريف المشار اليه، تشمل أيضا " استخدام أراضي دولة أخرى، وقيام دولة ما بوضع إقليمها، الذي وضعته تحت تصرف دولة أخرى، ليكون منطلقا للعدوان على دولة ثالثة «(المادة 3 -و-). وبالتالي، إن الدول الخليجية المجاورة لإيران، التي قد تسمح باستخدام أراضيها لانطلاق الهجمات المسلحة على الأراضي الإيرانية تصبح هي نفسها شريطة ثبوت هذه الحالة ، مسؤولة عن ارتكاب فعل من أفعال العدوان، ولا يمكنها بالتالي الاحتجاج بحق الدفاع الشرعي.
ثانيا – في دحض "المشروعية "المزعومة لاستعمال القوة ضد إيران
أثارت الحرب التي يخوضها التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران والتي امتدت نيرانها الى العديد من دول الشرق الأوسط نقاشات حادة بين المختصين في القانون الدولي. وكانت مسألة "عدم شرعية" هذه الحرب أو " مشروعيتها" من منظور القانون الدولي من القضايا البارزة في التوتر والخلاف بين المختصين.
وقد أسلفنا الإشارة إلى أن تحاليل وخلاصات الأغلبية العظمى من أساتذة القانون الدولي، ذهبت في الاتجاه الذي يؤكد انتفاء شرعية الحرب ضد إيران، وتكييف استعمال القوة ضدها بمثابة عدوان محظور بموجب القانون الدولي وانتهاكا خطيرا لميثاق الأمم المتحدة. بيد أنه رغم قوة وصلابة الاستدلالات القانونية لهذا الاتجاه الأغلبي، تعالت أصوات أقلية من بين القانونيين الذين عبّروا عن رأي مخالف للاتفاق الواسع الذي تكون حول الطابع غير الشرعي «للعمليات المسلحة" ضد إيران التي أطلق عليها اسم " الغضب الملحمي " وهي في حقيقتها " حربا للحمق الملحمي".
ويمكن أن نخلص من القراءة النقدية لما نشره البعض من أصحاب هذا الرأي وما تيسر لنا الاطلاع عليه، الى أن المحدد الأساسي الذي يرتكز عليه رأيهم يتمثل في مؤاخذة ولوم أغلبية المتخصصين في القانون الدولي على ركونهم إلى "الشكلية القانونية"، وغلوّهم وتطرفهم في الاحتماء وراء «حرفية نصوص القانونية وجمودها"، وذلك ما يعزز لديهم الإحساس بالاطمئنان والرضا على منهجية واهنة ومعيبة تعكس في نظرهم «خللا فكريا " خطيرا على القانون الدولي. ومن المؤكد أن موقف الانتقاد الذي تبنّاه المؤيدون والمناصرون للحرب ضد إيران، لا يعزى في حقيقته إلى غيرة مزعومة على القانون الدولي وردّ الاعتبار لمكانته في النظام الدولي، بقدر ما يفصح عن خلفيات أصحابه الرامية إلى إرباك وإضعاف الاستنتاج الراجح والرزين الذي أجمع عليه معظم القانونيين الدوليين، بشأن الطابع غير القانوني والفاقد للشرعية للحرب العدوانية التي تخوضها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير 2026.
وسوف نعرض في هذا المقال عن مناقشة الموقف الشاذ للمفكر اليميني الفرنسي "لوك فيري" المعروف بتحيزه غير المشروط لإسرائيل وأحد المدافعين الأوفياء عن سياسة الاحتلال الإسرائيلي. فقد تطاول على أهل الاختصاص في القانون الدولي، ونصّب نفسه فيلسوفا للقانون وأقحم " هانز كلسن"،( 1881- 1973) الفقيه النمساوي ذائع الصيت وصاحب النظرية الخالصة للقانون في استشهاد خارج السياق ، كي يعود بنا قرونا إلى الوراء ،جازما دون أدنى تحفظ أن القانون الدولي "لا يجب ان يطبق سوى بين الأمم المحترمة"، و أن " احترام القانون مع المجرمين يكون عبثا وحماقة " .ونكتفي في هذا الصدد بالإحالة إلى الردّ القوي والمفحم للمفكر رشيد بن الزين (منشور على موقع، تيل كيل، 13 مارس 2026) ،الذي يغنينا عن التعقيب على" اللغو " " الذي أطلقه "فيري" و تصريحه السخيف و أفكاره المجافية للصواب حول القانون الدولي ومقاصده العامة .
وأما حجج ومبررات القلة من أساتذة القانون الدولي الآخرين الذين يجادلون في الطابع الواضح لعدم شرعية الحرب العدوانية على إيران، ويلتمسون لها مسوغات" المشروعية"، فيمكن إجمالها في «النظام السياسي السيئ الحاكم في إيران "، وارتكاب هذا النظام" لانتهاكات خطيرة لحقوق النساء والمعارضين السياسيين له" بالإضافة إلى كونه "يمثل تهديدا للدول المجاورة "، و " استمراره في تطوير برنامجه النووي المحظور "، و " دعمه وتمويله للإرهاب"، و"تعاونه الوثيق مع روسيا والصين".
وإذا كان بديهيا أن توجيه النقد لطبيعة وممارسات أي نظام سياسي ليس من دائرة المحرمات، فإن ما يثير الاستغراب ولا يمكن استساغته في رأي هذه الأقلية، هو مطالبتها للاتجاه الفقهي الأغلبي بتأييد الاستعمال غير الشرعي للقوة وبصفة أحادية وبانتهاك واضح لميثاق الأمم المتحدة ضد دولة أخرى، والتزام الحياد السلبي بشأن ما يتسبب فيه هذا العدوان من الضحايا المدنيين الأبرياء ، ناهيك عن التدمير المروع والأضرار الجسيمة الأخرى التي يلحقها خيار هذه الحرب غير المشروعة بإيران ودول منطقة الشرق الأوسط بكاملها.
إن "الأسباب الموجبة" التي يستند عليها رأي هذه الأقلية المدافعة عن "مشروعية" الحرب ضد إيران، فضلا عن كونها ليست مقنعة على الإطلاق من وجهة المبادئ الأساسية للقانون الدولي و نصوصه القطعية والعرفية ، فإنها تكتسي خطورة كبيرة من الناحية النظرية ،لكونها تمتح من المرجعية الاستعمارية "للرسالة الحضارية" للأمم الغربية التي كنا نعتقد ان زمانها قد ولّى وانتهى ،لكن البعض يسعى فيما يظهر لبعثها و إحيائها ، بالإضافة إلى التأويل الخاطئ للفكرة القديمة ل" التدخل الإنساني" و ل"مسؤولية الحماية "،علما أن الممارسة الدولية في عمومها قد تخلت عنها منذ سنة 2011 على الأقل، بعد التدخل العسكري للإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان( 2001) و نظام صدام حسين في العراق (2003) و معمر القذافي في ليبيا (2011) بسبب فشلها الذريع الذي لا يسعف المقام لشرح سياقه و أسبابه وتداعياته .
فالقول بعدالة ومشروعية استعمال القوة لإسقاط الأنظمة التي كانت قائمة في هذه البلدان بذريعة طبيعتها الديكتاتورية وارتكابها لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في حق شعوبها، ما فتئ يكشف زيفه ومحدوديته في الواقع، ذلك أن الديمقراطية والحرية والعدالة والأمن وحماية الحقوق والحريات التي تم التبشير بها لم تتحقق مطلقا في هذه البلدان بعد التدخلات العسكرية التي من المفترض أنها كانت تستند على "قضايا عادلة".
وعلاوة على هذه الذرائع، يقتبس المدافعون عن العدوان على إيران سندهم من فكرة "الحرب العادلة" التي كانت دائما محل نزاع وخلاف فلسفي وقانوني شديد، لأن تبنيها دون قيد أو شرط، من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى الترخيص لأي دولة بخرق القانون الدولي، وفقا لتقديراتها السيادية لحماية أمنها القومي ومرجعياتها الأخلاقية، وخارج أي إطار جماعي يضمن التأكد من عدالة القضية التي قد تستعمل الدولة القوة لحمايتها، و"مشروعية" دوافع الحرب وشروط خوضها وأهدافها.
وعلاوة على ما سبق، يوجه المدافعون عن مشروعية الحرب على إيران سهام نقدهم للقانون الدولي نفسه
، معتبرين أن أصل المعضلة يكمن في منظومته الراهنة ومؤسساته وقواعده التي فشلت في كبح "الانتهاكات والجرائم الفظيعة" للنظام الإيراني. وليس هذا فحسب، بل بلغ بهم الغلوّ الى حد اعتبار القانون الدولي سببا في جميع المصائب التي يتخبط فيها العالم.
وبالتأكيد، إن القانون الدولي الراهن هو أبعد ما يكون من الكمال، بيد أنه على خلاف ما يؤكده عادة الذين ينتقدونه بحدة، ليس قانونا عديم الفائدة على الإطلاق كما تدعي هذه الأقلية. ذلك أن أوجه العجز والقصور التي تعتري منظومة هذا القانون، ليست في الكثير منها سوى نتيجة لممارسات الذين يتذرعون بضعف القانون الدولي لتبرير انتهاكهم لقواعده والدوس على مبادئه.
إن الأمثلة والسوابق في هذا الموضوع لا تحصى، ونكتفي ببعض ما يتصل بالحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط لطرح التساؤلات التالية: من يتحمل مسؤولية تعطيل اختصاصات مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدولي، ويفرط في استخدام سلاح الفيتو لعرقلة أي تسوية ممكنة للأزمات والنزاعات الدولية، لا تساير مصالحه وأهدافه وأولوياته؟ ومن الذي أجهض الاتفاق النووي مع إيران لسنة 2015و قرر الانسحاب الأحادي منه في سنة 2018؟ ومن سيحاسب المسؤولين عن جريمة الحرب الفظيعة التي ارتكبها الذين استهدفوا مدرسة "الشجرة الطيبة "بقصف صاروخي خلف ما يفوق 168 من الضحايا المدنيين الأبرياء أغلبهم من الفتيات؟ ومن الذي يهدد بتفجير وتدمير المنشئات المدنية والبنيات التحتية في إيران في انتهاك فاضح لقوانين الحرب وأعرافها؟
وبشكل أعمّ، من الذي يحتقر الآليات الأممية متعددة الأطراف ويضغط على الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة عن طريق إيقاف مساهماته في ميزانياتها أو بالانسحاب من بعضها؟ ومن الذي يقرر عقوبات انتقامية ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية وبعض المقررين الخاصين للأمم المتحدة؟ ومن يستخدم القوة ضد دولة ذات سيادة ويعتقل رئيسها وزوجته ويقودهم للسجن قصد المحاكمة في دولة أجنبية؟ ومن يتحدى المجتمع الدولي بتصريحه في وجه العالم أن إرادته لا تحدّها سوى قناعاته الأخلاقية الشخصية؟ ومن الذي اعترف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل ضدا على قرارات الأمم المتحدة و الموقف الثابت لمحكمة العدل الدولية؟ ومن الذي تطبق إدارته سياسة عدائية وممارسات عنيفة وتمييزية تجاه المهاجرين واللاجئين المنحدرين من بلدان وجنسيات بعينها في انتهاك صارخ للحقوق الأساسية للإنسان؟ ومن .... ومن.....
فعلى الرغم من ازدراء القانون الدولي والاستخفاف به من طرف المدافعين عن المشروعية المزعومة لاستعمال القوة ضد إيران، ورغم محاولاتهم تسفيه رأي أغلبية الفقه التي اتفقت على عدم شرعية الحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد هذه الدولة، فلا يمكن بأي حال لهذه الأقلية ان تنكر وجود هذا القانون أو ان تقرر نهايته وفناءه.
بالفعل، إن القانون الدولي يتأسس على بنية مجزأة Fragmentée من المعايير غير الكاملة، كما أن إعمال وتطبيق قواعده قد يتسم بالتعقيد والبطء، على خلاف الأنظمة القانونية الأخرى، لأنه يخاطب الدول وهي نفسها التي تساهم في إنتاج قواعده الاتفاقية والعرفية وإضفاء القوة الملزمة على اجتهادات المحاكم الدولية التي أنشأتها بمحض إرادتها لتسوية نزاعاتها بالطرق السلمية. وإذا كانت أسباب ضعف القانون الدولي هاته واقعية ومفهومة، فإن الأمر الذي يخالف المنطق ويجافي الصواب هو الافتراض بأن معالجة قصور القانون الدولي تستوجب تحقيره وانتهاكه بشكل جسيم هو.
ومهما كان " الشرّ " المنسوب للنظام السياسي القائم في إيران، ومهما كثرت مساوئه، لا ينبغي أن ينسى المدافعون عن مشروعية الحرب ضد هذه الدولة، أن من قرر من جانب واحد الإطاحة بنظامها هو نفسه الذي يقوّض أسس ومعايير ومؤسسات دولة القانون في بلاده، من خلال تحريف القوانين، وازدراء المؤسسات، والتشكيك في استقلالية ونزاهة القضاة، والاستغلال الشنيع لسلطة المال. كما أن حليفه في العدوان على دولة ذات سيادة هو رئيس لحكومة دولة تمارس الاحتلال، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في حقه مذكرة دولية بالاعتقال، كما تتوفر قرائن قوية على ضلوعه في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد سكان غزة د.
وبالنظر الى كل ما سبق، لا نعتقد مطلقا أنه يمكن اعتبار استعمال القوة ضد إيران دفاعاً شرعيا عن النفس، أو غيرة على مشروعية مزعومة يبيحها القانون الدولي، بل إنه على العكس من ذلك، واجهة جديدة لتقويض القانون الدولي ونسف أسس ومبادئ النظام متعدد الأطراف الذي تم بناؤه بعد ويلات الحرب العالمية الثانية.
خلاصة
مما لا جدال فيه، أنه من اللازم على المختصين في القانون الدولي كغيرهم من المشتغلين في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية التسلح بالشكّ في تحليلهم للواقع المعقد للعلاقات الدولية، غير أن استحضار الشك في تحليل وتكييف الوقائع لا ينبغي ان يبلغ حد التطرف والمغالاة. ذلك أن بعض الحالات تستلزم بطبيعتها إعمال الشك بينما تنتفي أسباب هذا الشك في حالات أخرى.
ويبدو لنا أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تعتبر من الحالات التي لا تستدعي الارتياب والتردد في توصيفها وتكييفها كسلوك غير شرعي وغير مشروع وفقا للقانون الدولي. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تقدم أي تعليل قانوني متين ومقنع لسلوكها العدواني الذي ينتهك التزاماتها الجوهرية والإجرائية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ولعل تكون شبه إجماع بين المختصين في القانون الدولي حول انعدام شرعية ومشروعية الحرب ضد إيران، يثبت ببساطة أن التكييف القانوني للوقائع لا يكون فيه أحيانا أي مجال للشك والارتياب.
محمد العمارتي ، أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان بجامعة محمد الأول (سابقا)


