الجمعة 13 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: هل تشهد فرنسا اضرابا استثنائيا يوم 5 دجنبر؟

يوسف لهلالي: هل تشهد فرنسا اضرابا استثنائيا يوم 5 دجنبر؟ يوسف لهلالي

تتجه فرنسا نحو إضراب استثنائي يوم 5 ديسمبر 2019، تشارك فيه قطاعات نقابية مهمة، ويشهد تعبئة استثنائية خاصة أمام دعم كبير لرأي العام الذي وصل الى 66 في المائة حسب آخر استطلاع، والمفارقة الكبيرة أن أكثر من 60 في المائة مع إصلاح نظام التقاعد لكنه لا تتق في ما تقترحه الحكومة من إصلاحات.

 

ومع اقتراب موعد 5 من ديسمبر والتعبئة الناجحة التي تقوم بها النقابات من أجل إنجاح هذه المعركة التي يمكن أن تشكل خطورة على الحكومة، والجميع يتذكر ديسمبر 1995 حيث تراجعت حكومة آلان جيبي عن إصلاح نظام التقاعد بعد النزول الكبير للفرنسيين إلى الشارع. بل أجبرت على الاستقالة مما جعل الرئيس الراحل  جاك شيراك يدعو الى انتخابات تشريعية فاز فيها اليسار برئاسة  ليونيل جوسبان.

 

وتشهد فرنسا مند أسابيع حالة من التوتر الاجتماعي شاركت فيها عدة قطاعات مهمة منها قطاع الصحة والتعليم، وهو ما عكسته التظاهرات المتتالية واستمرار أصحاب السترات الصفراء في الاحتجاج رغم مرور سنة على بداية حركتهم. ومشاهد العنف الكثيرة التي تترتب على المواجهات المتكررة مع الشرطة.

 

تحاول الحكومة الفرنسية والرئيس الفرنسي بنفسه التجاوب مع مطالب هذه القطاعات، ويقوم ايمانييل ماكرون بجولات الى مختلف المدن والقطاعات بعيدا عن قصر الإليزيه من أجل إيجاد حلول والحوار مع مواطنيه، سواء من خلال اللقاء مع العمال المسرحين كما حدث بمدينة أميان الأسبوع الماضي أو باستقباله الباحثين الجامعيين بقصر الاليزيه من أجل الحوار حول مشاكلهم، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة من أجل  التجاوب مع مطالب القطاع الصحي الذي عرف احتجاجات كثيفة في الآونة الأخيرة.

 

والتحقت بالغاضبين على أداء الحكومة فئات أخرى في قطاع النقل السككي أو الميترو والبريد في أفق إضراب مشترك بين عدة نقابات في بداية شهر ديسمبر تنضم اليه عدد من أحزاب المعارضة. وهي وضعية تهدد  استمرار الإصلاحات التي وعد بها الرئيس الفرنسي، خاصة إصلاح نظام التقاعد.

 

ولاحتواء موجة الغضب هذه تحرك رئيس الحكومة إدوارد فيليب هو الآخر من أجل عقد سلسلة من الاجتماعات الماراطونية لربح معركة الرأي العام بفرنسا وتقليص آثار الإضراب المقرر يوم 5 من ديسمبر. ومحاولته إيجاد تقارب بين النقابات والمقاولات حول قانون التقاعد. وذلك من حلال الاجتماعات التي لا تنتهي بقصر ماتينيون، ويعول الرئيس على  الوزير الأول من أجل إيجاد حلول سريعة لهذه الأزمة. خاصة أن شعبيته لدى الفرنسيين تراجعت، ففي استطلاع نشرته يومية ليبيراسيون فان 64 في المائة من الفرنسيين يعتبرون ماكرون لا يفهم حقيقة الصعوبات الاجتماعية التي يعاني منها مواطنوه، وأنه منقطع هن الواقع. وهو ما يعكس حسب الصحيفة المزاج الأسود للفرنسيين وتأييدهم الكبير للإضراب الذي دعت إليه النقابات. وهو ما يعني أن المواجهة بين النقابات والحكومة سوف تكون جد قوية بمناسبة هذا الإضراب.

 

الأنظار هي موجهة للمسؤولين الفرنسيين وهل سينجحون في إطفاء نار هذا التوتر الاجتماعي من خلال التجاوب مع عدد من المطالب القطاعية، وطمأنه الرأي العام الذي يؤيد في غالبيته الاحتجاجات الاجتماعية والإضراب الذي ستنظمه النقابات.

 

وأعلنت الالتحاق بها فئات أخرى غاضبة كالسترات الصفراء، التي تستمر في الاحتجاج رغم مرور سنة على بدايتها. ورغم تراجع عدد المحتجين الذين يشاركون احتجاجاتها، فإن هذه الفئة تصر على الاستمرار في حركتها، وتعتبر أن الحكومة لا تتجاوب مع مطالبها. والذكرى الأولى لهذه الحركة الاحتجاجية تميزت بالعنف والاعتقالات والمواجهات مع الشرطة. بل إن عددا من ساحات باريس مثل  بلاص ديطالي تحولت الى ساحة معركة حقيقية بين شرطة مكافحة الشغب والمتظاهرين.

 

وفي تصريحات المسؤولين الفرنسيين هناك تركيز على تفهم للقلق الذي تعيشه عدة فئات من الفرنسيين  التي  تتخوف من المستقبل  ومن أداء الاقتصاد.

 

الرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون نجح في تجاوز أزمة السترات الصفراء التي تركت صورة سيئة عن فرنسا بسبب طول الاحتجاجات والعنف الكبير الذي شاب هذه التظاهرات في الشتاء والربيع الماضي، والتخريب الذي عرفته عدة ساحات كبرى خاصة بباريس، بالإضافة إلى العنف الكبير بين الشرطة والمتظاهرين الذي كانت له آثار كبيرة ومازالت التحقيقات القضائية مستمرة في بعض  الحوادث حول استعمال العنف المفرط او الغير القانوني أحيانا من طرف بعض عناصر الشرطة. الرئيس الفرنسي نجح في الخروج من هذه الأزمة الخطيرة واختار الخروج والنقاش مع الفاعلين وهو ما سمي "بالنقاش الوطني" الواسع التي عرفته فرنسا والذي شارك فيه الرئيس ايمانييل ماكرون بنفسه في العديد من المدن.

 

وبعد هذه الفترة الصعبة لرئيس وحكومته اختاروا سياسة الهدنة تجاه الشارع وتجاه النقابات، ليعود التوتر مع رفض النقابات لإصلاح نظام التقاعد التي اختارته الحكومة. ومع اقتراب موعد 5 من ديسمبر والحشد الذي تقوم به النقابات من أجل إنجاح هذه المعركة التي يمكن أن تشكل خطورة على الحكومة، والجميع يتذكر 1995 حيث تراجعت حكومة آلان جيبي عن اصلاح نظام التقاعد بعد النزول الكبير للفرنسيين إلى الشارع.

 

اليوم من سينتصر في هذه المعركة الحاسمة لإصلاح نظام التقاعد بين الرئيس الفرنسي والنقابات؟ ومن سيدعم الرأي العام الفرنسي، هل المحتجين ضد اصلاح نظام التقاعد أم  إرادة إصلاح هذا النظام الذي استعصى على كل الحكومات السابقة. خاصة أنه بالإضافة إلى النقابات هناك احتجاجات الشارع والتي يقودها السترات الصفراء بعيدا عن مختلف المؤسسات السياسية والنقابية.

 

رهان القوة الذي سوف يتم بين  الرئيس وأغلبيته والنقابات وبعض الأحزاب السياسية، سيكون أساسيا في تحديد مصير الإصلاحات التي وعدت بها الاغلبية الحاكمة.