الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ :الصحافة في زمن المجلس الوطني الاستشاري.. المهدى بن بركة يرفض مقترحا بسحب إذن صحفي، ويقول أن الأمر موكولا لضميره

جمال المحافظ :الصحافة في زمن المجلس الوطني الاستشاري.. المهدى بن بركة يرفض مقترحا بسحب إذن صحفي، ويقول أن الأمر موكولا لضميره جمال المحافظ
تبدأ القصة ، حينما تناول رئيس المجلس الوطني الاستشاري المهدي بن بركة، الكلمة، ليعلن قراره بخصوص اقتراح لكتابة المجلس، حول منع مراسل صحفيي من حضور أشغال المجلس، على إثر ما نشره من "أخبار عارية من الصحة" بجريدته، حسب ما أفاد به في بداية الجلسة، عضو من كتابة هذه الهيئة التمثيلية الاستشارية التي تعد أول تجربة يعرفها المغرب بعد نيله الاستقلالفي المجال التشريعي.
وفي الوقت الذى كان غالبية أعضاء المجلس، يتوقعون أن يصادق رئيس المجلس الوطني الاستشاريخلال احدى جلساته في يونيو 1957على هذا المقترح، اتخذ المهدي بن بركة القيادي في حزب الاستقلال آنذاك، موقفا مغايرا فاجأ المعارضة (حزب الشورى والاستقلال)،قبل الأغلبية ( حزب الاستقلال)، وذلك حينما عبر عن رفض المقترح المقدم بمنع المراسل من اداء مهامه الصحفية بالمجلس.
وعلل المهدي بن بركة قراره هذا بالقول " إني لا أوفق على سحب الإذن، بل اتركه موكولا لضميره"،في اشارة للمراسل الصحفي، موضحا أن مسالة إعطاء الإذن بالدخول للمجلس لغير الأعضاء، تدخل في نطاق اختصاصات الرئيس،ومنها اعتماد المراسلين الصحفيين، في الوقت الذى كان المسؤول عن ضبط عدد الاعضاء الحاضرين والغائبين، قد وصف ما نشره مراسل جريدة "الرأي العام" من كون جلسات المجلس غير قانونية ، لأن عدد من تغيبوا عن حضور الجلسات، كان 26 عضوا، بأنه "كذب محض"،لأن عدد الغائبين من الأعضاء 14 فقط، وهو ما يجعل - حسب ما ينص عليه القانون الداخلي للمجلس- الجلسة قانونية لحضور أكثر من ثلثي الأعضاء ،وبناء على ذلك اقترح منع مراسل الجريدة من حضور جلسات دورة المجلس.
غير أن المهدي بن بركة رئيس أول تجربة استشارية تمثيليةيعرفها المغرب بعد الاستقلال، عبر عن اعتقاده أن " حرمة المؤسسة ،لا تقتضى أن يقوم بعض أعضائه بما لا يليق بمقامه، فإنها لا تقتضى أيضا أن يكذب عليه من طرف من يسمح لهم بالدخول للقيام بمهمة صحافية".
ولم يقف المهدي بن بركة عند حدود الموقف من الصحفي، بل استغلها مناسبة لتنبيه كافة أعضاء المجلس الوطني الاستشاري، بضرورة التقيد بآداب وأخلاقيات الحوار والنقاش، وذلك اعتبارالكون من مسؤوليته كرئيس، تتطلب منه الدفاع عن حرمة المجلس وحفظ كرامته.
وفي هذا الصدد،قال رئيس المجلس الوطني الاستشاري " لن أستطيع الوقوف كصورة جامدة، " أمام أي تصرف وسلوك حاد عن ذلك، وزاد قائلا " لا أريد ان يفهم ،بأن رأي عضو خولت له عضويته حق الكلام، هو رأي المجلس كله" يضيف المهدي بن بركة في تعليقه على ما بدر من سلوكوكلمات غير لائقة من طرف أحد اعضاء المجلس.
وأضاف موجها كلامه لكافة الأعضاء "فاذا أردتم أن تكون لهذا المجلس كرامة وحرمة ،فاستسمحكم في الدفاع عنها، وانى لا أقبل مطلقا، أن يأتي عضو من هذا المجلس، ويحتقر بقية أعضائه، بقول كلام قد استمعتم بأنفسكم كيف يسفه... إن لهذا المجلس حرمته في البلاد، وأن الدور الذى يلعبه في الدولة المغربية فهو أكبر دليل على هذه الحرمة" مسجلا أن المجلس الوطني الاستشاري يعتبر في الواقع خطوة كبرى في طريق الديمقراطية الحقة والتي سنصل اليها حين نصبح مجلسا منتخب لا ينال شرف العضوية فيه إلا من منحه الشعب ثقته واختياره بكامل ارادته.
وفي هذه الفترة الانتقالية، يجب أن نبرهن بأننا لا نأتي لهذا المجلس لقول الكلام الوقح، بل نأتي لأداء رسالة والقيام بمهمة، فلكل واحد منا رسالة، يجب عليه أداؤها بكل نزاهة واخلاص، وإذا لم تكن تقدر هذه القيمة قلة قليلة من أعضائه، فهو شعور الأغلبية الساحقة من هؤلاء الأعضاء يخلص المهدي بن بركة رئيس المجلس الذى تأسس بمقتضى ظهير ملكي صدر في ثالث غشت 1956، ويختص في إبداء الرأي في ميزانيات الدولة العامة وفي استشارته في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتوجيه أسئلة شفوية مكتوبة إلى الوزراء.
ويحفل التاريخ الوطني لمرحلة ما بعد الاستقلال بالعديد من الاحداث والوقائع، لم تحظ مع الأسف بما يكفي من الدراسة والبحث، فهذه الاحداث لازالت مبعدة عن مجال البحث العلمي خاصة منها يرتبط بتاريخ ومسار الإعلام، خاصة وإذا كان من نافلة القول أن جانبا من تاريخ المغرب الراهن يعود الى صحافته.ويرتبط حدث " الصحافة والمجلس زمن المهدي بن بركة " صاحب النقد الذاتي، بعدد من الوقائع التي تكتسى رمزية ودلالات عميقة، ساهمت بطريقة أو أخرى في تشكيل وتطوير نسقنا السياسي الوطني لمرحلة بدايات الاستقلال والتي لازالت ترخي بظلالها على واقعنا الراهن.
فتأسيس المجلس الوطني الاستشاري شكل في إبانه "حدثا عظيما للبلاد"، بل انه من أهم الاحداث التي تمت في عهد الاستقلال في أفق التمتع بحياة نيابية، تمكن الشعب من تدبير الشؤون العامة في دائرة ملكية دستورية تضمن المساواة والحرية والعدل للأمة افرادا وجماعات، حتى يتم خلق ديمقراطية بناءة، كما جاء في الخطاب الذي ألقاه المغفور له محمد الخامس في افتتاح أشغال المجلس الوطني الاستشاري الذى كان يضم 67 عضوا،يتم اختيارهملتمثيل النزعات السياسية والمهن الحرة والمصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتجدر الاشارة إلى أنه استلهام هذا المقال استنادا لما تضمنه كتاب العصامي عبد الحي بنيس حول تجربة المجلس الوطني الاستشاري وسياقاتها الواقع في 350 صفحة، والذي يجمع بين دفته الظهائر والقوانين المؤطرة للمجلس والخطب الملكية التوجيهية والمداولات والمناقشات ونماذج من الأسئلة الشفوية والكتابية التي كانت تدور داخل قبته.
فعلى الرغم من طبيعته الاستشارية،- يقول عبد الحي بنيس - في مستهل كتابه الذى يوجد ضمن أرشيفه الخاص، أن المجلس الوطني الاستشاري الذى " اصطدم بصعوبات سياسية، أدت الى تجميده، شكل نواة حقيقية لمؤسسة النظام التمثيلي والديمقراطي موضحا أن الفكرة الرئيسية لمؤلفه استقاها من فكرة المهدي بن بركة التي عبر عنها في المقدمة التي وضعها لكتاب " المغرب على عتبة القرن العشرين" لصاحبه محمد الحبابي، والتي جاء بها بالخصوص " عندما يبدأ شعب يتكلم عن نفسه وماضيه، فانه يبلغ سن رشده".
إلا أن الغرض من هذه المساهمة،ليس الوقوف فقط عند المقارنة بين أداء الهيئات التمثيلية بين الأمس واليوم، والعلاقات التي نسجتها هذه المؤسسات مع الصحافة خلال مختلف التجارب، وإنما المساهمة في حفظ ذاكرتنا الغنية، وهي المواضيع التي سيتم تناولها مستقبلا بشراكة وتعاون مع الباحث العصامي السيد عبد الحي بنيس رئيس المركز المغربي لحفظ الذاكرة البرلمانية، الذى تضم مكتبته على أرشيف جد هام حول الحياة البرلمانية والسياسية والثقافية والفنية والاجتماعية في الحاجة الى اعادة اكتشاف من لدن الباحثين والمهتمين، فضلا عن سلسلة الكتب التي أصدرها والبالغ عددها 22 مؤلفا.
- جمال المحافظ ،كاتب صحفي