الثلاثاء 25 يونيو 2019
سياسة

عز الدين خمريش: العلاقة بين المغرب والسعودية علاقة حضارية، تتكئ على مرجعيات صحيحة وما نسمعه سوى الضجيج

عز الدين خمريش: العلاقة بين المغرب والسعودية علاقة حضارية، تتكئ على مرجعيات صحيحة وما نسمعه سوى الضجيج الأستاذ عزالدين خمريش (يمينا) ومحمد بن سلمان ولي العهد السعودي
العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والسعودية تشبه إلى حد كبير المعادلة الرياضية، لأن الأحداث السياسية تشكل "التيرمومتر"، والمعيار الحقيقي الذي يرتكز على الحساب السياسي الصحيح والذي يشبه- إلى حد كبير- الحساب الرياضي؛ لأنه يتطلب جمع المكونات السياسية، ومعالجتها - مجتمعة- كمعادلة أو مصفوفة رياضية بأوزان متباينة، في ضوء إضافتها المباشرة وغير المباشرة للمخرج النهائي، وبدون هذه الدقة والصرامة.
ففي لحظة رمادية ربما تفتقد القدرة على تقدير أهمية بعض الأمور التي تبدو صغيرة، ولكن إضافتها أو تحييدها يؤدي إلى فارق كبير وربما أكبر مما يمكن احتماله.
السياسية الخارجية المغربية تطبق مصفوفتها باحترافية عالية؛ مما أكسبها -مع مرور الزمن- احتراماً دولياً قوياً.
فالسياسة، في حقل العلاقات الدولية هي فن إدراك المكونات السياسية المهمة، ثم طرح الأسئلة الصعبة حولها؛ للوصول إلى إجابات ومواقف متماسكة وراسخة تسمح باتخاذ قرارات صحيحة، وبناء على هذا المبدأ نسأل: هل العلاقات السعودية المغربية في أزمة؟ وحتى نصل إلى إجابة صحيحة لا بد من تحديد تفاصيل العلاقات السياسة والاقتصادية والاجتماعية ومعالجتها مجتمعة.
تعود العلاقات السياسية بين الدولتين إلى أكثر من 60 عاماً، زار خلالها ملوك المملكة العربية السعودية المغرب ابتداء من زيارة قام بها الملك سعود رحمه الله في عام 1957م، ومنذ ذلك الحين والعلاقة تتطور تطوراً راسخاً ومتوازناً على مستوى البلدين وعلى المستوى العربي والإسلامي والدولي، فعندما استضافت السعودية قمة المؤتمر الإسلامي في عام 1975م، أسندت رئاسة لجنة القدس للمغرب، واستمرت رئاستها إلى يومنا هذا، وعندما تعرضت المغرب للعدوان، كانت السعودية بجانبها، ولم تستكين حتى تم بناء أكبر جدار عازل بالألغام في جنوبها الغربي، وعندما غزا العراق الكويت، كانت المغرب أول بلد يعلن رفضه الصريح لهذا العدوان في خطاب تلفزيوني للملك الحسن الثاني، وشارك بفاعلية في تحريرها، وعندما بدأت حركات الربيع العربي، دعي المغرب على عجل للانضمام إلى عضوية مجلس التعاون الخليجي، وعندما لم يقبل، بادر المجلس بوضع صندوق لدعمه بـ 2.5 بليون دولار، وجعل المغرب شريكاً استراتيجياً لدول مجلس التعاون الخليجي، ودعي الملك محمد السادس لحضور قمته، وتبنى المجلس مغربية الصحراء على أنها قضية مجلس التعاون الخليجي، كما اشترك الطرفان في بناء علاقات قوية مع الدول الأفريقية، خاصة دول الصحراء وغرب وشرق أفريقيا، كما أن المغرب شريك فاعل في عاصفة الحزم التي شنتها السعودية لتحرير اليمن من الإيرانيين الممثلين بالحوثيين، الذين انقلبوا على السلطة الشرعية في اليمن، وهذا غيض من فيض سياسة متسلسلة ومتماسكة بين البلدين.فعلى ضوء هذه الشواهد وغيرها نعيد طرح السؤال: هل بين (الأخوين) أزمة؟ الجواب هو أن الشواهد التاريخية مجتمعة أكدت أن علاقة البلدين علاقة حضارية، تتكئ على مرجعيات صحيحة، ومتفق عليها، وتستجيب بمرونة رائعة للتحديات الظرفية المختلفة؛ بما يجعل التباين في المواقف مقبولاً، وعابراً في مدته وتأثيره. إذن نطرح السؤال الآخر: لماذا لم تصوت السعودية لاستضافة كأس العالم في المغرب؟ والجواب هو أن تصويتها لم يكن ليجدي نفعاً للمغرب، فبين المغرب والفوز بالاستضافة مسافة بعيدة جداً، ولو كان تصويتها لصالح المغرب سيجعله يفوز بالاستضافة لصوتت له بلا تردد، وقد صوتت السعودية لصالح استضافة الدول الثلاث في أمريكا الشمالية لأن ظروف السعودية صعبة؛ فهي تقود معركة لحماية الجزء الشرقي للعالم العربي من إيران التي تسعى بصراحة وبلا هودة للاستيلاء عليه، فالسعودية تعمل على تحرير اليمن من براثنهم، وتقود السعودية معركة أخرى في سوريا، وتعاني من تحديات صعبة في الأردن، وأصعب منها في العراق، وأصعب من ذلك كله مع معاناة الفلسطينيين.
ونتيجة لذلك هي في حاجة إلى مساعدة ودعم حليفها الأمريكي، والتصويت على استضافة كأس العالم هو فرصة "علاقات عامة هامشية" ربما تفيد السعودية، وهي بالتأكيد لا تضر المغرب الشقيق، وأعرف جيداً أن المملكة المغربية حكومة وشعباً لا ترضى أن تخسر السعودية فرصة العلاقات العامة هذه بلا مقابل،وأعرف جيداً أنه لو كان تصويت السعودية لصالح المغرب سيجعلها تفوز بالاستضافة لصوتت لها بلا تردد. السعودية صوتت باستقلالية وواقعية إيماناً بأن مصفوفة المغرب الدقيقة ستقرأ حقيقة المواقف السعودي بدقة، ولن تنتج مصفوفتها –كما عودتنا- إلا حسابات ومواقف مغربية صحيحة؛ فالمغرب كان سباقاً في دعم "كل قضايا الأمة العربية"، والمغرب حمى ويحمي الحدود العربية الغربية طوال تاريخه، والسعودية كذلك حمت وتحمي الحدود العربية الشرقية، ومن لا شرق له لا غرب له، والعكس صحيح؛ إذن لماذا هذه التصريحات من الطرفين؟ ولماذا استدعاء السفير المغربي التشاور ولماذا هذا الجفاء الدبلوماسي بين ملكيتين متميزتين ومؤثرتين في مراكز القرار الدولي؟ وأجيب على السؤال بسؤال ومن مصدر هذه التصريحات؟ وهل يجوز أن تؤخذ المواقف السياسية للحكومة السعودية أو الحكومة المغربية من غير المؤسسة الملكية أو وزير الخارجية في البلدين؟ العرف السياسي الدولي يقول إن هذين هما المصدران الرسميان المعبران عن المواقف السياسية؛ وبناءً على ذلك كل ما نسمعه أو سنسمعه من سواهما يعد ضجيجاً بلا جدوى، سواء كان مصدره رياضياً رسمياً، أو ممن يرغب في أن يعبث بعلاقات البلدين العصية على عبثه. وقد حدث مثل هذا الضجيج عندما نشأت المشكلة الخليجية الحالية، وأرسل المغرب طائرة مساعدات لقطر، وفهم البعض هذا الموقف على أنه قبول لفرضية الحصار ورفض لفرضية المقاطعة في خضم جدل سياسي وقانوني محتدم، كما أخذ هذا على أنه موقف وخطاب سياسي وإعلامي غير متسق مع الحياد المغربي المتوازن، إلا أن القيادة السياسية للمملكة العربية السعودية التزمت بالتفسير السياسي الصادر عن القيادة السياسية المغربية القائم على الحياد، ولم تلتفت أبداً للتحليلات والتأويلات والتصريحات الأخرى.
لذلك أكاد أجزم بأن العلاقات بين البلدين وإن بدت عليها بعض الغيوم المظلمة تبقى مجرد سحابات عابرة لا يمكنها أن تتأثر بخرجات إعلامية لا تفقه كنه وقواعد اللعبة في حقل العلاقات الدولية خاصة عندما يتعلق الأمر بنظامين سياسيين يتشابهان إلى حد التماهي في كل شيء وحول جميع القضايا الدولية التي تستأثر بٱهتمام الرأي العام العالمي نظامين يعتبران أمن و استقرار كل واحد منهما لصيق بالآخر فكيف نجازف في ظل كل هذه الاعتبارات بالقول بوجود أزمة دبلوماسية بين المملكتين .
عزالدين خمريش، أستاذ العلوم السياسية، و العلاقات الدولية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء