الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

رشيد لزرق: هل خانت أحزاب اليسار الشعب المغربي؟

رشيد لزرق: هل خانت أحزاب اليسار الشعب المغربي؟ رشيد لزرق

إن المتغيرات السياسية المغربية جعلت من الصعب الحديث على اليسار ككتلة منسجمة، أو حتى كجبهة سياسية موحدة.. وما نعرفه اليوم يمكن تسميته بيسار "الموضة"، جراء بعض الموجات الإعلامية، حيث سمعنا سابقا عن يسار بنكيران، وسمعنا مرة يسار القومة، ومرة ثورة الكمون، ومرة أخرى يسار العائلوقراطية (أبناء قيادات تاريخية).

كما برز فريق يساري، مدافع عن الشركات المتعددة الجنسيات فيما سمي بيسار "دانون" إبان حملة المقاطعة الشعبية لشركة دانون.

إن هذه المتغيرات تجعل الأسئلة الراهنة هي: أين نحن من مشروع اليسار؟ هل خانت أحزاب اليسار الشعب المغربي؟ وما الذي يجمع هذه البقايا من التنظيمات اليسارية؟

فالقراءة السليمة لتاريخ اليسار المغربي والبحث في فلسفة اليسار بمختلف أشكاله، سواء الاشتراكية الديمقراطية، سواء اليسار الجذري، سواء البوليفارية بأمريكا اللاتينية، أصبحت كلها عاجزة عن تفسير ما يقع في اليسار المغربي.

لهذا يصعب الحديث عن اليسار المغربي وفق تعاريف واضحة بالنظر لضبابية الأحزاب اليسارية المغربية ومسارها الذي عرف تطورات عديدة في التجربة المغربية، والقاسم المشترك، فيما  بينها هو التشتت والانقسام الذي جعل هذا القاسم  ضعيفاً، وتبقى تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي المتواضعة هي محاولة فاشلة لتجميع اليسار المعارض، والتي عرفت وصول نائبين برلمانيين يتيمين إلى قبة البرلمان .

لكن أعتقد أنه عموما يمكن تصنيف اليسار بالمغرب، وفق تموقعاته السياسية، كالتالي: فهناك اليسار الحكومي، وهناك اليسار المعارض داخل المؤسسات، وهناك اليسار الرافض للمؤسسات.

أما اليسار الحكومي، فهو الذي نسف المشروع الحداثي التقدمي بالمغرب، متمثلا في  الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، واللذين يتزعمهما أبرز القيادات الشعبوية، إدريس لشكر، ونبيل بنعبد الله، اللاهثين دوما وراء الدخول للحكومة والبقاء فيها بأي ثمن.. وهذه القيادات تدير الشأن السياسي بمنطق اليومي وبدون رؤية استراتيجية، وقد تحالفوا مع العدالة والتنمية في حكومة العثماني، حيث انساقوا وراء الحسابات الضيقة واتباع سياسة الانبطاح غير المستساغ، أمام سياسة الحكومة الليبيرالية المتوحشة، الشيء الذي جعل الحزبين اليساريين يفقدان مصداقيتهما لدى الشعب، وبالتالي يعرفان تراجعا شعبيا.

أما من ناحية اليسار المعارض من داخل المؤسسات، فشأنه شأن اليسار الحكومي، بدون مشروع سياسي واقتصادي واقعي، الأمر الذي أسقطه في العديد من المرات في التخندق مع قوى الخرافة، وهو مؤهل لكي يعرف موجة انشقاقات نتيجة التجاذبات السياسية، بفعل اعتماده على قوى عائلوقراطية، التي تتجلى في فوز عمر بلفريج، بمقعد نيابي في انتخابات مجلس النواب، والذي جاء بدعم عائلي، من خلال دعم خالته، زوجة القيادي اليساري الراحل عبد الرحيم بوعبيد، في دائرة أكدال المحيط في الرباط، فيما فشل محمود بنجلون، ابن الأمين العام السابق لحزب الطليعة الاشتراكي، أحمد بنجلون، في الحصول على تزكيته في مراتبه الأولى في اللائحة الوطنية للشباب، نتيجة رفض نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، دعمه، عبر تصريح منسوب لها جاء فيه، بكون أحزاب اليسار لا حاجة لها بالرموز، في إشارة إلى محمود بنجلون الذي يعتبر نفسه وريثا لرمزية عائلة بنجلون.. وعبرت نبيلة منيب عن هذا في تصريح لها إبان ندوة صحفية بتاريخ 21 يونيو 2016 أثارت من خلالها “استغلال الرمزية”، جعلت هذا الأخير يرد بعنف عبر سحب ترشيحه وتوعد لها بالرد، ثم قدم استقالته.

ولعل حادث عمر بلفريج، بعد حصوله على الصفة البرلمانية، وعوض تدشين مشواره البرلماني، بالدفاع عن مشروع يسار، اتجه إلى الدفاع عن "مجد عائلي" بارتدائه لباساً خاصاً بعبد الرحيم بوعبيد، المناضل اليساري، وطربوشاً استعمله قيدوم اليساريين المغاربة محمد بنسعيد آيت إيدر، في محاولة لاحتكار هذه الرموز بشكل علني عوض طرح الأفكار البديلة.

والحال أن بوعبيد وآيت إيدر قبل أن يكونا لباساً فهم فكر وممارسة، أفرزتهما ظروف محددة، من خلال طرحهما لاختيارات سياسية معارضة، لم يكن محركها، محاولة استعادة  مجدٍ عائلي، بل كانت مراجعات للبديل الاشتراكي الديمقراطي.

إن مستقبل اليسار المغربي، تظل مرتبطة ببروز قيادات شابة متحررة من عقدة الماضي، وهوس الحاضر، متشبعة بالأمل والواقعية، ومرتبطة بقضايا الجماهير، قد تعيد لليسار الاشعاع، عبر إسقاط القيادات الشعبوية، وتطهير الفضاء الداخلي من الانتهازية، والتحرر من النزعة العائلوقراطية، لضمان الانتقال الديمقراطي الداخلي لهذه الأحزاب اليسارية.

إن المشهد السياسي في حاجة اليوم ليسار وطني بخط سياسي واضح وبخطاب قريب من نبض الشعب، بعيدا عن يسار العائلات اللاشعبية التي تريد احتكار وطنية الامتيازات، واتخاذ الجماهير الشعبية مطية لبلوغ مصالحهم الشخصية، وتثبيت جيل من أبناء القيادات، يريدون استغلال تموقع الآباء، عبر توظيفهم للماضي دون أن يفهموا مغزاه، غير مدركين أنّ التاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة، حتى لا يظل الجيل الحالى، محاصرا بين نزعة وصولية ذات رؤية ضيقة ونزعة خرافية باهتة واخرى ظلامية ورابعة عدمية، والقواسم المشتركة بين هذه النزعات هي افتقادها لروح الإبداع إزاء المشاكل الداخلية والمتغيرات العالمية، ومحاولة الهروب إلى الأمام من خلال الاختباء وراء نزعة ثورية منفصلة عن الجماهير الشعبية التي كانوا يتحدثون باسمها.

- رشيد لزرق خبير في الشؤون الدستورية