هل كان المتخيل الشعبي الذي أبدع المثل المغربي "الفقيه اللي نتسناو بركتو دخل للجامع ببلغتو" يتصور يوما أن أحد فقهاء زماننا هذا قد دخل للجامع بما هو أفظع من "البلغة"، وذلك باقترافه نازلة غير مسبوقة تماما.
ذلك ما حدث بالضبط، عقب صلاة العشاء ليوم الأربعاء 19 نونبر 2015، بمسجد البعث الإسلامي بمدينة وجدة. أما المعني بالأمر فهو أكثر من فقيه عاد. إنه الشيخ مصطفى بنحمزة (رئيس المجلس العلمي بعاصمة الشرق، وعضو المجلس العلمي الأعلى، وعضو لجنة الإفتاء..) الذي اختار بعد أن تماثل للشفاء إثر عملية جراحية أن يرد الجميل إلى معارفه وبعض زملائه من الأئمة والأتباع والأنصار بتنظيم وليمة عشاء بالجامع المذكور. بدأ الحفل بكلمة بنحمزة حيى فيها جلالة الملك على العناية والتكفل بعلاجه بفرنسا، شاكرا المدعوين، وفي صدارتهم والي الجهة لينصرف الضيوف إلى التهام ما لذ وطاب على "حصائر" بيت الله الموضوعة أصلا للخشوع والتضرع إلى الخالق سبحانه وتعالى. ولأن "المرقة" بالنسبة إلى قطاع واسع من فقهائنا عزيزة على القلب واللسان، وفاتحة الشهية للابتكار، فقد اغتنم الشيخ بنحمزة تلك المناسبة الغالية ليسدي النصح إلى الآكلين ليلفت انتباههم بخطورة "ليدام" لما يسببه من آثار "الكوليستيرول"، ولينبههم إلى ما لا يخطر على بال مؤمن. لا ينبغي أن يذهب ذهن القارئ إلى ما هو في صالح الوطن والمواطنين كأن يوصيهم بالإسلام السمح المنفتح على خلفية ما يهز عالم اليوم،أو يوصيهم بالعمل الجاد لرفع إنتاجية المقاولات التي يشتغلون فيها، وذلك لسبب بسيط وهو أن "رادار" شيخنا متجه إلى قضايا أخرى. ولذلك اقترح فتح صالة رياضية خاصة بالنساء بالطابق السفلي للمسجد، ودعا القيمين الدينيين إلى أن يعملوا على استغلال الفضاء الداخلي للجوامع كذلك للقيام بحركات رياضية تسخينية تخفف الجسد وتقوي طاقات الإيمان، خاصة من الصباح الباكر إلى الظهر، دون أن يبين الشيخ للحاضرين كيف ومن ومتى ستتم إزالة الروائح الكريهة الناجمة عن العرق المتصبب من الأجساد والتي ستلوث المسجد.
فتوى الشيخ تروم إلى أن تحول بيوت الله إلى قاعات للرياضة، ومنتجعات لفسحة الجسد والروح (ولما لا الصونا والماساج حتى !)، بعد أن حولها بالفعل البين إلى قاعة حفلات عمومية. ويحدث ذلك بدون حصول أدنى ردة فعل من لدن السلطات العمومية التي نعرف أنها ترعى كل شادة وفادة في حياة المواطنين، لكنها لاذت بالصمت في هذه النازلة الغريبة، وبدون أدنى ردة فعل من لدن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الجهاز الوصي على مساجد الله. فهل ستتدخل هذه السلطات لصون حرمة هذه البيوت، أم أنها سترى في نازلة الشيخ مصطفى بنحمزة غير المسبوقة إمكانيات مبتكرة تحول الجوامع لتصبح، بالإضافة إلى دورها الديني، فضاءات معروضة على المستثمرين من أجل التفويت والكراء بهدف إقامة الولائم والأعراس، ومن أجل التمارين الرياضية وتنظيم السهرات؟
السؤال يستمد مشروعيته من أن وجدة تعج بقاعات الحفلات والفنادق التي كان بالإمكان استغلالها لإقامة الوليمة بدل استغلال الموقع والمنصب لتحويل بيت الله إلى مطعم. إذ أن مبادرة بنحمزة ستمثل سابقة قد تدفع الجمعيات والأحزاب والنقابات إلى استغلال المساجد في المآدب والأعراس والتجمعات بدل أن نحميها لتبقى بيوتا لله ومخصصة للصلاة وقراءة القرآن والأمداح النبوية.
وإذ نأمل من الله عز وجل أن يعجل بشفاء بنحمزة نأمل أن تتدخل الدولة لرد الأمور لنصابها. فالمساجد لله وليست لبنحمزة أو فرتلان حتى لو كان رئيسا لمجلس علمي أم حاصلا على الحزام الأسود في الكيغ بوكسينغ.