الأحد 6 إبريل 2025
كتاب الرأي

رشيد صفـَـر : جوائز "التدوير" في قطاع التلفزيون

رشيد صفـَـر : جوائز "التدوير" في قطاع التلفزيون رشيد صفـَـر
عندما نسمع عن مسابقة لتقييم جودة الإنتاجات التلفزيونية، يتبادر إلى الذهن سؤال ملحّ : 
عن أي جودة يتحدثون !؟..
هل يقصدون تلك الأعمال التي تتكرر فيها نفس الأسماء والوجوه كل موسم جني ثمار التلفزيون !؟..
 أم تلك السيناريوهات التي تبدو وكأنها كُتبت على عجل بين مشهدين من طرف منتج منفذ أو ممثل، يكتب ويشارك في التمثيل !!؟؟.
من المعلوم وهو ما هو معدوم عندنا .. أن في كل مسابقة ذات مصداقية، من الضروري تقييم الأعمال بناء على معايير واضحة، مثل جودة السيناريو، والحوار وأسلوب الإخراج، والأداء، والديكورات ومكونات الصورة وتطابقها مع الميزانية والمؤتراث الصوتية والبصرية والتأثير الفني ... وقس على ذلك.
لكن في في حالة قنوات القطب العمومي، يبدو أن المعيار الأهم هو : "شحال دّرْتِي ديال الأعمال هاد العام آ لعميم !؟".
 فهذا مخرج يوقع أكثر من ثلاثة أعمال كوكوطية نسبة إلى "الكوكوت مينوت" في موسم واحد، وذلك ممثل يطل عليكم في ثلاثة مسلسلات وسيتكوم وفيلم تلفزيوني، وكأن التلفزيون في أزمة انعدام الوجوه الجديدة ومرحلة إعدام فني للرواد في التأليف والتمثيل والإخراج !!!.
إذا نظرنا إلى الأرقام المتعلقة بتمويل القطاع، سنجد أن الإنتاج التلفزيوني ليس فقيرا من حيث الميزانية المرصودة، بل بالعكس، فقد بلغ حجم الاستثمار في الإنتاج السمعي البصري الوطني قبل سنة حوالي 829 مليون درهم، ذهب منها 792.18 مليون درهم للخدمات التلفزيونية، أي 95.5 % من إجمالي الاستثمارات.
وقد استحوذت المسلسلات والأفلام التلفزيونية وحدها على 197.82 مليون درهم، بينما خصصت 184 مليون درهم للمنوعات، و167 مليون درهم للمجلات، و83 مليون درهم للأعمال الوثائقية.
ورغم هذه الأرقام الضخمة، فإن النتائج على الشاشة غالبا ما تكون محبطة. لماذا؟ لأن نفس الأسماء تسيطر على المشهد، و بنفس الأساليب، و نفس التكرار القاتل.
بلغت ميزانية سيتكوم في رمضان حوالي 13.67 مليون درهم، ومع ذلك، تلقى انتقادات واسعة بسبب ضعف السيناريو.
سيتكوم آخر في رمضان 2024 حصل على 9.77 مليون درهم، لكنه لم يكن أفضل حالا، بل كان مجرد إعادة إنتاج لنفس النمط المستهلك من الفكاهة المطبوعة بالسطحية والإسفاف.
إذا كانت الدولة توفر هذه الميزانيات، فلماذا نرى نفس الممثلين بنفس الأداء ونفس القصص !؟. السبب ببساطة هو أن "التلفزيون ليس سوقا للإبداع، بل سوقا مغلقا تمنح فيه الصفقة للأسماء المتحكمة في الإنتاج".
من المخجل الحديث عن مسابقة عادلة، عندما يكون المخرج نفسه موقّعًا على عدة أعمال في موسم واحد.
 كيف يُمكن أن يكون عمله متميزا وهو ينتج بالجملة وشبه الجملة !؟. 
وكيف لممثل أن يؤدي أدوارا مختلفة بإقناع، وهو يقفز من دراما تراجيدية إلى كوميديا هزلية في نفس اليوم ونفس الثانية في الأولى والثانية !؟.
هذا ليس إنتاجا فنيا، هذا مجرد توزيع كعكة، بنفس المقادير مع انتظار ذوق جديد و لذيذ.
في ظل هذه الوضعية، يجد المشاهد المغربي نفسه أمام خيارات محدودة، فإما أن يشاهد نفس الوجوه في كل عمل، وكأننا أمام آلة "إعادة تدوير المثلين والمخرجين والمنتجين المنفذين والمؤلفين".
والحل الآخر هو أن يبحث الجمهور عن محتوى أكثر تنوعا في المنصات الرقمية، حيث الجودة ليست مجرد شعارات فارغة.
إذا كانت الساحة التلفزيونية تفتقد لأدنى شروط التنافس تحت مظلة تكافؤ الفرص، فإن الجوائز ستكون لا محالة نسخة أخرى من قاعدة "التداول على الكعكة"، حيث يتبادل "المسيطرون" الأدوار عاما بعد عام، فيحصل أحدهم على جائزة أفضل مخرج هذا العام، ثم يردها لزميله العام المقبل، ويتوج منتج منفذ بأحسن عمل تلفزيوني، في انتظار أن يتداول عليها محتكر آخر ..  ونفس الممثلون سيتوجون لأنهم ينافسون أنفسهم كل عام.
 أما المواهب الجديدة والرواد المهمشون، فما عليهم سوى الصبر وانتظار الذي لا يأتي، وكأنهم يقفون في طابور طويل أمام مصلحة التأشيرة للمرور من معبر التلفزيون.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس : من سيفوز بجائزة التلفزيون ؟ .. بل "هل ما نشاهده يستحق أصلا أن تخصص  له الجوائز ؟".
في انتظار أن يتدخل المسؤولون عن قطاع التلفزيون للقطع مع الاحتكار، سيجد حينها المهنيون في القطاع أنفسهم داخل مسابقة حقيقية، تعتمد على الإبداع وليس العلاقات، وإذا استمر وحش التهميش و فيل الاحتكار وعقرب الإقصاء وعنكبوت "صيد الكعكة" في شبكة البرامج التلفزيونية، سيبقى "صندوق العجب" كما كان يسميه أجدادنا علبة مغلقة، يسيطر عليها من يملك ورقة العبور، وليس من يملك الموهبة .. 
ولا محالة في هذه الحالة دون إطالة في كل إطلالة، سيصعد للعمارية المحتكرون ويكتفي المقصيون باعتصار الألم، في ظل انعدام فرص الشغل وتكافؤ الفرص وسيجدون واجبات صندوق الضمان الاجتماعي في انتظارهم عبر رسائل قصيرة في هواتفهم النقالة دون أداء، لمجرد أنهم حصلوا على بطاقة فنان مع وقد التنفيذ، إذ تركهم الوزير ومدير قنوات القطب العمومي بين أيدي وقرارات شركات التنفيذ.. فمن له الجرأة أن يرد على هذا الكلام بالتفنيد !؟.
ليس من العدل إنتاج أعمال تلفزيونية ضعيفة بنفس الأخطاء، والتسبب في الضياع والقهر للفنان الذي يستحق فرصته في الظهور بشاسة وطنه، وتسريب اليأس لنفسه بجرعات سامة كل موسم، ودفعه بقوة، إلى لعنة اليوم الذي اختار فيه احتراف الفن، في ساحة مغلقة لا تؤمن بالتلفزيون العمومي يسع الجميع.