أحداث 16 ماي 2003، لم تكن عملا إرهابيا حقيرا ودنيئا فقط، بل كانت زلزالا ترابيا بالدارالبيضاء أعاد تشكيل المجال الضاحوي للعاصمة الاقتصادية.
صحيح أن بؤرة الزلزال كانت بكاريان السكويلة وكاريان طوما بسيدي مومن (عمالة البرنوصي)، بحكم انتماء كل الإرهابيين الانتحاريين لهذين التجمعين الصفيحيين، لكن ارتدادات زلزال 16 ماي امتدت لتشمل تراب ضاحية الدارالبيضاء.
كيف؟
الأحداث الإرهابية ليوم 16 ماي 2003، جعلت السلطة المركزية تكتشف واقعا مرا، يتجلى في أن العاصمة الاقتصادية كانت آنذاك تضم 440 كاريانا تأوي ساكنة تقدر ب 102 ألف أسرة( 620 ألف نسمة). أي أن سكان الصفيح يمثلون 19% من سكان الدارالبيضاء( دون احتساب 20% أخرى تعيش في أحياء عشوائية أو ناقصة التجهيز، ودون استحضار حوالي 15% تقطن في غرف مكتراة ومشتركة مع أسر أخرى).
أرقام سكان الصفيح شكلت صدمة لصناع القرار، لأن النسبة كانت جد مخيفة، بشكل خلق صحوة لدى الدولة لتسطير برنامج يروم إعادة إيواء هذا العدد الضخم من السكان، فتم اعتماد برنامج مدن بدون صفيح.
بما أن الوعاء العقاري داخل مدينة الدار البيضاء لم يكن قادرا على استيعاب كل عمليات إعادة الإسكان، اهتدت السلطة العمومية إلى تخريجتين: واحدة مؤسساتية وأخرى عقارية.
التخريجة الأولى تتمثل في خلق شركة جديدة تسمى"إدماج سكن"( وضعت تحت وصاية وزير الداخلية)، تتولى مهمة واحدة ووحيدة ألا وهي تجهيز الأقطاب الحضرية وإعداد الوحدات السكنية التي ستستقبل سكان الكاريانات بالبيضاء.فيما تمحورت التخريجة الثانية حول وضع السلطات اليد على "همزة الأراضي المسترجعة" وعلى "همزة الملك الخاص للدولة" المترامية بضواحي الدارالبيضاء لإنجاح سياسة "تفزاع أصحاب الكاريان" إلى خارج المدار الحضري.
هذا التوجه ( أي "تفزاع" المواطنين واقتلاعهم من الجذور)، فرخ أقطابا ضاحوية بشعة في: الرحمة، أولاد عزوز، بوسكورة، تيط مليل، الهراويين، أولاد صالح وسيدي حجاج، حيث نبتت "مدن" بدون روح وبدن مسحة إنسانية، حيث لا يسود سوى "الطوب والسيما والكاياص"، وتفتقر لكل مقومات التمدن من مرافق قرب ضرورية ووسائل نقل عمومي آدمية، ومحاور طرقية لربط الأقطاب بعضها ببعض، وبدون منتزهات ومناطق أنشطة اقتصادية لامتصاص جزء من العاطلين.
وبدل أن يتشكل حزام أخضر بضاحية الدارالبيضاء قامت الدولة من حيث لا تدري ( أو ربما تدري)، بخلق حزام ضاحوي رهيب من الهشاشة والبؤس العمراني، لا يضم سوى سكانا من بروفيل واحد، ألا وهو بروفيل الانتماء لأسفل السلم الاجتماعي، حيث لاوجود لأي بصيص أمل أمام سكان هاته الأقطاب الضاحوية لولوج المصعد الاجتماعي للترقي ولتحسين مستوى عيشهم وعيش أفراد أسرهم في المنظور القريب.