vendredi 15 mai 2026
مجتمع

“نداء العيون 2026”.. خبراء يدقون ناقوس الخطر ويدعون لثورة بيئية وتعليمية من قلب الصحراء المغربية

“نداء العيون 2026”.. خبراء يدقون ناقوس الخطر ويدعون لثورة بيئية وتعليمية من قلب الصحراء المغربية مشاهد للأيام الجامعية لمدرسي علوم الحياة والأرض بمدينة العيون

اختُتمت بمدينة العيون أشغال الدورة الثامنة عشرة للأيام الجامعية لمدرسي علوم الحياة والأرض، في سياق وطني يتسم بتعاظم الدعم الدولي للوحدة الوطنية، وبالدينامية المتسارعة لتفعيل النموذج التنموي الجديد والمندمج، في إطار رؤية استراتيجية تقوم على تكامل الأبعاد البيئية والتاريخية والتنموية.
وقد عرفت هذه الدورة مشاركة أزيد من 150 أستاذًا وباحثًا وخبيرًا وفاعلًا مؤسساتيًا ومدنيًا، مما يعكس المكانة العلمية والتربوية المتنامية لهذه التظاهرة على الصعيد الوطني. وقد انعقدت تحت شعار:
"من المسيرة الخضراء إلى مسيرة الوحدة والعلم والتنمية المستدامة"، بما يجسد التحول العميق الذي يشهده المغرب، حيث أصبح البعد البيئي والعلمي ركيزة أساسية في صياغة السياسات العمومية واستشراف المستقبل.
وفي الجلسة الافتتاحية الرسمية، التي تميزت بكلمات ترحيبية لكل من رئيسة فرع الجمعية بالعيون وشركاء الدورة من مؤسسات أكاديمية وتنموية، تم تقديم عرضين تأطيريين شكّلا أرضية علمية وفكرية لأشغال الدورة.
فقد أبرز العرض الأول، المعنون “المغرب الموحد بالطبيعة والحياة”، أن المملكة تشكل نظامًا بيئيًا وبشريًا متكاملًا ومترابطًا، تتداخل فيه الأبعاد الجيولوجية والمناخية والبيولوجية؛ من جبال الأطلس باعتبارها خزانات مائية استراتيجية، إلى الصحراء كمنظم حراري ومناخي، وصولًا إلى المحيط كمصدر للرطوبة والتنوع البيولوجي، بما يجعل من المغرب “قارة مصغّرة” تعكس وحدة عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية.
وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن الصحراء المغربية تُعد امتدادًا عضويًا لهذا النظام الوطني المتكامل، بما تحمله من عمق تاريخي ضارب في اثني عشر قرنًا من الاستمرارية، ومن روابط بيعة شكلت عبر الزمن إطارًا لتنظيم المجال وترسيخ الوحدة الوطنية، وهو ما تعززه المرجعية الدولية، كما يندرج هذا المسار ضمن إطار أممي يدعو إلى حل سياسي واقعي ودائم ومتوافق عليه، بما يكرّس استمرارية الدولة ويعزز تماسكها السياسي والثقافي والبيئي.
كما أبرزت أشغال الدورة الدينامية التنموية المتسارعة التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، من خلال مشاريع مهيكلة في مجالات الماء والطاقة والبنيات التحتية والاقتصاد الأزرق، مدعومة باستثمارات كبرى، مما يجعل هذه الأقاليم رافعة استراتيجية للتنمية المستدامة على الصعيد الوطني.
وتميز برنامج الدورة بتكامل الأبعاد العلمية والميدانية، عبر عروض أكاديمية وورشات بيداغوجية وزيارات ميدانية، مكّنت المشاركين من الوقوف على المؤهلات البيئية الفريدة للمنطقة، خاصة المواقع ذات الأهمية الإيكولوجية العالمية.
وعلى المستوى العلمي، شكلت إشكالية التغيرات المناخية محورًا مركزيًا للنقاش، حيث تم التأكيد على تسريع الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري  وتثمين المعارف المحلية في تدبير الموارد الطبيعية، خاصة في البيئات الهشة وملاءمة المناهج التعليمية مع الخصوصيات المجالية، لاسيما في المناطق الصحراوية؛ و توظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لتعزيز التعلم الميداني والتطبيقي. 
كما دعا المشاركون إلى تعبئة مختلف الفاعلين التربويين والمؤسساتيين من أجل تطوير برامج جهوية مبتكرة، قادرة على الربط بين العلوم والتربية والتنمية المستدامة.
وأشاد المشاركون بالمجهودات المتميزة لفرع جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالعيون، وبمستوى التنظيم المحكم، وبروح التعاون والانخراط التي طبعت أشغال هذه الدورة، بشراكة مع مختلف الفاعلين المحليين، معربين عن بالغ تقديرهم وامتنانهم لجميع المتدخلين والشركاء الذين ساهموا في إنجاح هذه التظاهرة العلمية والتربوية المتميزة.
كما أشادوا بالدور الريادي والمتميز لفرع الجمعية بالعيون، بقيادة الأستاذة ماتو بوحمد، لما أبان عنه من احترافية عالية وتنظيم محكم وكرم صحراوي أصيل، جعل من هذه الدورة نموذجًا ناجحًا يُحتذى به. كما عبّروا عن بالغ اعتزازهم بجودة المنجزات وبالتحول العميق الذي شهدته الأقاليم الجنوبية على مستوى البنيات والتجهيزات، والذي يقوى ويتقوى بالقيم الإنسانية النبيلة، وفي مقدمتها حسن الاستقبال وروح التضامن والانفتاح.
وفي ختام الأشغال، أكد المشاركون أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل مخرجات هذه الدورة إلى سياسات عمومية ومبادرات ميدانية ملموسة، تعزز مسار التنمية المستدامة.
كما تم الإعلان عن “إعلان العيون” كوثيقة مرجعية تروم تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، وترسيخ الوعي البيئي، ودعم الانتقال نحو نموذج تنموي مستدام يضع الإنسان والبيئة في صلب الأولويات.
 

ووجهت الدورة الثامنة عشرة للأيام الجامعية لمدرسي علوم الحياة والأرض من مدينة العيون "نداء العيون 2026"،  جاء في مايلي: 
"نحن المشاركات والمشاركين في الدورة الثامنة عشرة للأيام الجامعية لمدرسي علوم الحياة والأرض، المنعقدة بمدينة العيون بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تحت شعار: "من المسيرة الخضراء إلى مسيرة الوحدة والمعرفة والتنمية المستدامة"، نرفع هذا النداء إلى السلطات العمومية، ومؤسسات التربية والتكوين والتعليم العالي، والجماعات الترابية، والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، من أجل جعل علوم الحياة والأرض، والتربية البيئية، والتنمية المستدامة روافع استراتيجية لتحسين جودة التعلمات، وإعداد مواطنات ومواطنين قادرين على فهم ومواجهة تحديات الماء والمناخ والطاقة والتنوع البيولوجي، وإعادة تموقع المدرسة كمؤسسة في خدمة تنمية المجالات الترابية وبناء الوطن.
يستند هذا النداء إلى قناعة راسخة مفادها أن أساس التنمية الترابية والوطنية يظل هو التكوين والتربية. كما أن تدريس علوم الحياة والأرض، الذي تدافع عنه الجمعية من خلال تنظيم هذه الجامعة الميدانية للسنة الثامنة عشرة على التوالي، وهذه السنة في صيغة استثنائية على جميع المستويات التكوينية والاستكشافية والانفتاحية على الطبيعة وعلى مواطنينا في الأقاليم الجنوبية، لم يعد يمكن أن يقتصر على المقاربات النظرية أو التقليدية. بل أصبح مطالباً بالانفتاح على التحولات الكبرى التي يعرفها العالم المعاصر، وفي مقدمتها الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وتطور ديداكتيك العلوم، وذلك بالاعتماد على معرفة حقيقية بالواقع الميداني لدى المدرسين والمتعلمين، من خلال اكتشاف ومقاربة مباشرة لواقع مجالاتهم الترابية.
وفي هذا السياق، نؤكد أن التعليم والتنمية والعلوم أصبحت منظومة واحدة مترابطة، وأن المدرسة مدعوة إلى تقليص الفجوة بين المعرفة النظرية والتجربة الحية، عبر تعزيز الأنشطة الميدانية، والخرجات العلمية، والتعلم بالملاحظة والتجريب، بما يجعل المتعلم فاعلًا في إنتاج المعرفة لا متلقيًا سلبيًا لها.
كما نؤكد أن دراسة الطبيعة وصون الأنظمة البيئية ليست شأنًا قطاعيًا معزولًا، بل هي مدخل أساسي لفهم وحدة المجالات، وتوازن النظم البيئية، وترسيخ قيم المواطنة البيئية.
أولاً: السياق المؤسس
تؤكد زياراتنا لمختلف مواقع الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما تزخر به من تنوع بيئي فريد يشمل المنظومات الصحراوية والساحلية والواحاتية والجيولوجية، أن المغرب يشكل وحدة بيئية متكاملة من الشمال إلى الجنوب، وأن هذه الوحدة يجب أن تجد ترجمتها داخل المدرسة المغربية.
وفي هذا الإطار، تشكل المواقع البيئية ذات القيمة العالمية—مثل سبخة أخنيفيس وخليجها المصنف ضمن المواقع الرطبة ذات الأهمية الدولية، ومحطة تحلية مياه البحر، وحديقة الرياح بطرفاية، وغيرها من النماذج—مختبرات بيداغوجية حية، قادرة على إغناء التعلم، وربط المعرفة العلمية بالواقع المجالي.
كما تمثل هذه المجالات موارد تعليمية استراتيجية لفهم قضايا الماء والندرة والتكيف المناخي والطاقات المتجددة، بما يعزز تعليمًا علميًا قائمًا على الملاحظة والتجربة والاستكشاف.
إن إدماج هذه الموارد في التعلمات لا يهدف إلى تجزيء المنهاج الوطني، بل إلى تقويته وتغذيته بمرجعيات مجالية حية، ضمن توازن بين وحدة المنهاج الوطني وخصوصية المجالات الترابية.
ثانياً: الأهداف
يدعو هذا النداء إلى:
•    إرساء مقاربة وطنية للتربية العلمية تجعل التراث الطبيعي والثقافي والاقتصادي للمجالات الترابية موردًا بيداغوجيًا منظمًا داخل المناهج. 
•    تعزيز كفايات الملاحظة الميدانية، والتفكير العلمي، والاستقصاء، وربط التعلمات بقضايا الماء والمناخ والطاقة والتنوع البيولوجي.العالمية والوطنية وخاصة المحلية 
•    جعل الأقاليم الجنوبية، وعلى رأسها جهة العيون الساقية الحمراء، فضاءً تجريبيًا لنماذج بيداغوجية للبرامج الحهوية والمحلية قابلة للتعميم. 
•    ترسيخ التكامل بين المدرسة والجامعة والجماعات الترابية والمؤسسات التقنية والمجتمع المدني لإنتاج معرفة محلية علمية ومفتوحة على التنمية. 
ثاالثاً: التوصيات العملية
انطلاقاً من خلاصات الدورة، وبغية تعزيز جودة التدريس وربطه بواقعه المجالي والبيئي، يوصي المشاركون بما يلي:
1.    إحداث مرصد جهوي للتنوع البيولوجي الصحراوي وتثمين المعارف المرتبطة به، بما يعزز التتبع العلمي والتحسيس البيئي، ويساهم في تطوير أنشطة اقتصادية مستدامة، من بينها السياحة البيئية. 
2.    إعداد أطلس بيداغوجي جهوي للموارد الطبيعية والثقافية يتضمن خرائط علمية ووضعيات تعلم ومحتويات مبسطة داعمة للتدريس الميداني
3.    إرساء إطار وطني للترسيخ المجالي لمناهج مواد التدريس، يضمن وحدة الكفاءات مع إتاحة تكييف بيداغوجي جهوي يراعي الخصوصيات الترابية.، مع :
-    تثمين خصوصية مادة علوم الحياة والأرض باعتبارها مادة تجريبية وميدانية، عبر إدماج أمثلة محلية دون المساس بوحدة المقررات والكفاءات الوطنية، بما يعزز الفهم والانخراط لدى المتعلمين. 
-    إدماج ديداكتيك الترسيخ المجالي في التكوين الأساس والمستمر للأساتذة، مع توفير أدوات بيداغوجية وتقويمية داعمة للتعلم الميداني. 
4.    تثمين المؤهلات الترابية الطبيعية والثقافية، خاصة بالمجالات ذات الأهمية البيولوجية الكبرى (KBA) والمواقع ذات الأهمية البيئية والعلمية (SIBE) بالأقاليم الجنوبية، بما في ذلك نماذج مثل سبخة خنيفيس وغيرها من الأنظمة البيئية الحساسة. 
5.    إطلاق برنامج تجريبي بالأقاليم الجنوبية يدمج قضايا الماء والطاقة والمناخ والتنوع البيولوجي في سياقات محلية ملموسة، مع تعزيز التآزر بين الاستراتيجيات القطاعية ومختلف المتدخلين في مجال حفظ وتثمين النظم البيئية الصحراوية،  مع
-    ربط البحث العلمي بالسياسات العمومية الجهوية، خاصة بجهة الصحراء المغربية، من خلال آليات مؤسساتية لنقل المعرفة العلمية والتربوية ودعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة. 
-    تطوير آليات علمية وتقنية للتعرف على الأنواع وتتبع وضعيتها، عبر إعداد القوائم الحمراء للأنواع والنظم البيئية. 
6.    إرساء آليات مؤسساتية لحماية وتثمين المنظومات البيئية الصحراوية البرية والساحلية والبحرية ، وتعزيز شبكة المحميات الطبيعية وفق المعايير الدولية، خاصة ، مع دعم حفظ النظم البيئية البحرية واستعادتها وتأهيلها، وإعادة إدخال الأنواع المهددة أو المنقرضة محلياً.
7.    إرساء بنك رقمي وطني للموارد البيداغوجية المجالية مفتوح لتقاسم المعارف والخبرات التربوية، 
8.    تطوير شراكات متعددة الفاعلين بين المؤسسات التربوية والجامعات والجماعات الترابية والمجتمع المدني، من أجل دعم التعلم الميداني وتعزيز الانفتاح على المحيط. 
9.    إدماج المعارف البيئية التقليدية والمقاربات الحديثة (الاقتصاد الدائري، الاقتصاد الأزرق، والحلول المبنية على الطبيعة) في تدريس العلوم بمختلف الأسلاك، خاصة في مجالات تدبير الماء والتكيف مع الوسط الصحراوي. 
10.    إرساء نظام تتبع وتقييم قائم على مؤشرات أثر لقياس فعالية التعلمات الميدانية والشراكات التربوية وانعكاسها على جودة التعلم.
كما يدعو المشاركون وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والجماعات الترابية، وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، وكافة الشركاء المحليين والجهويين والوطنيين، إلى الانخراط الفعلي في جعل الخرجات والأنشطة الميدانية مكوّناً أساسياً ومؤسساتياً في التعلم المدرسي، بما يضمن الحق الفعلي لجميع المتعلمات والمتعلمين، ولا سيما في التعليم العمومي، في الاستفادة المنتظمة من تعلم واقعي وتطبيقي مرتبط بمحيطهم.
وفي هذا الإطار، يوصي المشاركون بتسريع اتخاذ الإجراءات التالية:
•    وضع إطار قانوني وتنظيمي وتدبيري يتيح تعميم الأنشطة الميدانية في ظروف آمنة ومنظمة ومستدامة. 
•    إدماج التعلم الميداني ضمن معايير تقييم المؤسسات التعليمية ومؤشرات جودة التعلمات والحياة المدرسية. 
•    تعبئة مختلف الشركاء من قطاعات حكومية، وجماعات ترابية، وجامعات، ومؤسسات عمومية، ومجتمع مدني، وقطاع خاص، لدعم التعلم الميداني من خلال توفير وسائل النقل المدرسي، وتأطير الأنشطة، وتيسير الولوج العادل والمنصف إليها. 
ويؤكد المشاركون أن ترسيخ التعلم الميداني كممارسة تربوية مهيكلة ومنتظمة يشكل رافعة أساسية لتحسين جودة التعلمات، وربط المعرفة العلمية بالواقع، وتعزيز التربية على البيئة والتنمية المستدامة.
رابعاً: الالتزام الجماعي
إن “نداء العيون” ليس وثيقة توصية فقط، بل هو دعوة إلى تحول عميق في فلسفة التربية العلمية، من تعليم نظري معزول إلى تعلم حيّ ومجالي ومندمج، ومن أنشطة متفرقة إلى سياسات تربوية مستدامة.
إننا ندعو إلى اعتبار الأقاليم الجنوبية مختبرًا وطنيًا للوحدة البيئية والمعرفة والتنمية، وإلى جعل هذا الإعلان بداية مسار مؤسسي يجعل من المدرسة المغربية فضاءً لفهم الطبيعة، وترسيخ الوحدة، وبناء المستقبل.
ففهم الطبيعة هو فهم لوحدتنا، وحمايتها هي بناء لمغرب موحد بالحياة ومتجه بثبات نحو التنمية المستدامة."