في زمن أصبحت فيه البنيات التحتية معياراً حقيقياً لقوة الدول وقدرتها على صناعة النمو وجذب الاستثمار، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة تراهن على تحديث شبكاتها الاستراتيجية باعتبارها عماداً للسيادة الاقتصادية والتنمية المجالية. وفي هذا السياق، لا يبدو توقيع عقد الامتياز الجديد بين الدولة والشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب مجرد إجراء تقني أو مالي عادي، بل يعكس توجهاً سياسياً واضحاً نحو بناء جيل جديد من المرافق العمومية القادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة.
فالاجتماع الذي ترأسه نزار بركة إلى جانب فوزي لقجع بالرباط، حمل في مضمونه رسائل تتجاوز الإطار الإداري للعقد، ليؤكد أن الدولة المغربية دخلت مرحلة جديدة في تدبير مشاريعها الاستراتيجية، تقوم على منطق الاستباق والاستدامة وربط الاستثمار العمومي بالرؤية التنموية الشاملة للمملكة.
منذ إحداث الشركة الوطنية للطرق السيارة سنة 1989، نجح المغرب في بناء واحدة من أكبر الشبكات الطرقية بالقارة الإفريقية، تمتد على حوالي 1800 كيلومتر، تربط بين المراكز الاقتصادية الكبرى والموانئ والمناطق الصناعية والحضرية. غير أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على توسيع الشبكة فحسب، بل أصبح مرتبطاً بإعادة تعريف دور الطرق السيارة داخل النموذج التنموي الجديد، باعتبارها بنية حيوية تؤطر حركة الاقتصاد الوطني وتدعم التنافسية الترابية للمملكة.
العقد الجديد يعكس هذا التحول بوضوح. فالدولة لم تعد تنظر إلى الطرق السيارة كخدمة نقل فقط، بل كرافعة استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمغرب. ولهذا جاء توسيع مجال الامتياز ليشمل مشاريع كبرى من قبيل الطريق السيار القاري الرباط–الدار البيضاء والطريق السيار تيط مليل–برشيد، إضافة إلى تدبير محور جرسيف–الناظور، وهي مشاريع ترتبط مباشرة بالدينامية الاقتصادية الجديدة التي يقودها المغرب، خصوصاً في ظل الصعود المتسارع للأقطاب الصناعية واللوجستية الوطنية.
ويكتسي المشروع القاري بين الرباط والدار البيضاء أهمية خاصة، لأنه يعكس وعياً رسمياً بأن الضغط المتزايد على البنية الطرقية الحالية أصبح يتطلب حلولاً هيكلية تواكب التحولات الديمغرافية والاقتصادية التي تعرفها المملكة. فالمغرب الذي يستعد لمرحلة اقتصادية جديدة قائمة على التصنيع والتصدير وربط الموانئ الكبرى بالعمق الإفريقي، يحتاج إلى شبكة نقل أكثر مرونة وفعالية وقدرة على استيعاب النمو المتسارع.
لكن الأهم في هذا العقد ليس فقط توسيع الشبكة، بل الفلسفة الجديدة التي تحكمه. فإدراج آليات متقدمة للحكامة المؤسساتية وتعزيز مرونة اتخاذ القرار يكشف عن انتقال الدولة نحو نموذج تدبير أكثر نجاعة واحترافية، يقوم على التوازن بين المردودية الاقتصادية والخدمة العمومية والاستدامة المالية. وهي مقاربة تعكس نضج التجربة المغربية في إدارة المؤسسات الاستراتيجية بعيداً عن منطق التدبير التقليدي.
كما أن هذا التحول ينسجم مع الرؤية الملكية التي جعلت من البنية التحتية ركيزة مركزية في مشروع المغرب الجديد. فالمملكة لم تعد تكتفي ببناء الطرق والموانئ والقطارات، بل أصبحت تبني منظومة متكاملة لإعادة تموقع المغرب كمركز إقليمي يربط أوروبا بإفريقيا، ويؤمن انسيابية التجارة والاستثمار والطاقة والخدمات عبر فضاء جغرافي واسع.
إن ما يحدث اليوم داخل قطاع الطرق السيارة هو في العمق جزء من معركة أكبر يخوضها المغرب لتعزيز استقلاله الاستراتيجي وتكريس مكانته كقوة اقتصادية ولوجستية صاعدة. فالدول لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها، بل بقدرتها على تحويل هذه المشاريع إلى أدوات نفوذ وقوة واستقرار. والمغرب يبدو اليوم أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأن الطريق نحو المستقبل يمر أولاً عبر بنية تحتية قوية، حديثة، ومتصلة بطموحات دولة تتحرك بثقة نحو موقع جديد داخل التوازنات الإقليمية والدولية.


