إن قضية ترجمة الكتب الإسلامية، وعلى رأسها القرآن الكريم وكتب السنة النبوية، إلى اللغات الأجنبية تُعد من القضايا الدقيقة التي تتداخل فيها الاعتبارات العلمية واللغوية والعقدية والتاريخية. فالترجمة في ذاتها ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي نقل دلالات ومعانٍ وسياقات ثقافية وتشريعية وعقدية متراكبة، وهو أمر بالغ التعقيد حين يتعلق بنصوص مقدسة نزلت بلسان عربي مبين يحمل في بنيته البلاغية والبيانية مستويات متعددة من المعنى لا يمكن فصلها عن سياقه اللغوي والشرعي .
والإشكال الأساسي في هذا الباب لا يكمن في أصل التعريف بالإسلام لغير الناطقين بالعربية، فهذا مقصد شرعي وحضاري معتبر، بل في حدود الترجمة وإشكالياتها عندما تتحول إلى بديل عن الأصل أو إلى مصدر وحيد للفهم، دون الرجوع إلى أدوات التفسير وعلوم القرآن والسنة التي أسسها العلماء عبر القرون . فالنص القرآني ليس نصاً عادياً، بل هو نص ذو بنية تشريعية وبلاغية معقدة، تتداخل فيه دلالات العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، وأسباب النزول، وكل ذلك يشكل منظومة تفسيرية لا يمكن فصلها عن النص نفسه .
وعندما يُنقل القرآن الكريم إلى لغة أخرى، فإن المترجم، مهما بلغ من العلم، يظل عاجزاً عن نقل جميع هذه الطبقات الدلالية في عبارة واحدة، لأن اللغة المستهدفة قد لا تحتوي على مكافئ دقيق لبعض المفاهيم العربية الشرعية. ومن هنا تنشأ الإشكالية: فالقارئ غير العربي قد يقرأ نصاً مترجماً يظنه هو القرآن ذاته، بينما هو في الحقيقة فهم بشري محدود لمعنى النص، وليس النص في ذاته .
ومن الأمثلة التطبيقية القرآنية التي تُبرز هذه الإشكالية قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، فهذه الآية إذا تُرجمت ترجمة حرفية مجردة من سياقها، قد تُفهم على أنها أمر مطلق بالقتل، بينما يقرر علم التفسير وأصول الفقه أنها واردة في سياق قتال فئة محددة من المحاربين في حالة حرب قائمة، وليست خطاباً عاماً تجاه كل الناس، بل إن السياق نفسه يقيده ويضبطه بنصوص أخرى تدعو إلى السلم والعدل .
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وهي من أكثر الآيات التي تُساء قراءتها عند الترجمة الحرفية، إذ قد تُفهم بمعزل عن سياقها التاريخي المرتبط بنقض العهود وحالات الحرب، بينما يبين التفسير أنها ليست حكماً مطلقاً، بل مرتبطة بظروفها وسياقها الخاص، ومقيدة بمجموع النصوص الشرعية .
ومن الأمثلة أيضاً قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فإن ترجمت مجردة دون بيان سياقها العسكري الخاص بحالة القتال، قد يوهم القارئ بأنها دعوة للعنف المطلق، بينما هي خطاب تشريعي مرتبط بواقعة حرب محددة، وليس قاعدة عامة في التعامل الإنساني .
ومن الأمثلة التطبيقية أيضاً التي تُظهر خطورة الترجمة الحرفية دون مراعاة الدلالة البلاغية، قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فقد حاول بعض المترجمين نقل المعنى إلى اللغات الأوروبية بشكل حرفي شديد، فظهرت ترجمات فرنسية غير دقيقة من حيث الروح البلاغية للآية، من قبيل تشبيه الزوجين بقطع لباس مادي محدد مثل “البنطال”، فصيغت عند بعضهم بشكل يوحي بأن المعنى هو: “هنّ سراويل لكم وأنتم سراويل لهنّ”. وهذا النوع من الترجمة الحرفية يُفقد النص القرآني عمقه البلاغي والرمزي، إذ إن كلمة “لباس” في العربية تحمل معاني السكن، والستر، والقرب، والانسجام، والاحتواء العاطفي، وهي دلالات لا يمكن حصرها في معنى مادي ضيق، مما يجعل المعنى القرآني أوسع بكثير من أي مقابل لغوي مباشر.
وفي السنة النبوية، يظهر بوضوح أثر الترجمة غير الدقيقة. من ذلك حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، فإذا تُرجم فقط إلى “Actions are judged by intentions” دون شرح أصولي، قد يُفهم أن النية وحدها تكفي دون العمل، بينما المقصود أن النية شرط أساس في قبول العمل وصحته، لكنها لا تلغي ضرورة تحقق الفعل وفق الضوابط الشرعية.
وكذلك حديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فإذا تُرجم حرفياً دون بيان معنى الكبر في الاصطلاح الشرعي، قد يُفهم أن أي شعور داخلي داخل في الوعيد، بينما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكبر هو “بطر الحق وغمط الناس”.
أما الحديث الذي يكثر حوله الجدل: «لا تَبْدَؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فإذا تُرجم حرفياً دون شرح علمي، فإنه يعطي انطباعاً غير دقيق عن علاقة الإسلام بغير المسلمين. بينما تقرر الشروح الحديثية أنه مرتبط بسياق تاريخي خاص، وأنه لا يعارض النصوص القطعية في البر والعدل والإحسان، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
كما أن ترجمة كتب الحديث، خصوصاً الكتب الجامعة كصحيح البخاري وصحيح مسلم، تثير إشكالاً إضافياً، لأن الحديث النبوي مرتبط بدقة الألفاظ والسياقات، وبعلوم الإسناد والعلل والجمع بين الروايات، وهي منظومة علمية لا يمكن نقلها بالكامل في الترجمة.
كما أن عدداً من المصطلحات الشرعية لا يقابلها مقابل دقيق في اللغات الأجنبية، مثل "الكفر" “الجهاد”، “الفتنة”، “الحدود”، “القصاص”، “الولاية”، مما يجعل الترجمة مجرد تقريب للمعنى لا نقلاً كاملاً له .
ومن الإشكالات الكبرى التي زادت من تعقيد مسألة الترجمة، أن النظرة السلبية التي تشكلت لدى بعض الدوائر الغربية تجاه الإسلام لم تأت من فراغ، بل تبلورت تاريخياً عبر قراءات أولية للنصوص الإسلامية مترجمة إلى اللغات الأوروبية كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية. فقد اعتمد عدد من المستشرقين في بدايات الدراسات الاستشراقية على هذه الترجمات دون الرجوع إلى أصول التفسير وعلوم الشريعة، مما أدى إلى بناء تصورات جزئية أو مشوهة عن الإسلام وأحكامه وقيمه. ومع مرور الزمن، تحولت بعض هذه القراءات إلى تصورات راسخة أعيد إنتاجها في الدراسات الأكاديمية والإعلامية، مما ساهم في ترسيخ صورة غير دقيقة عن الإسلام في بعض السياقات الغربية.
ومن النتائج الخطيرة التي ترتبت كذلك عن الاعتماد على الترجمات المجردة للنصوص الإسلامية، أن بعض الذين يعتنقون الإسلام في الغرب عن طريق الكتب المترجمة فقط، دون تكوين علمي رصين أو ارتباط بالمؤسسات العلمية المعتدلة، قد يقعون في فهم حرفي أو جزئي لبعض النصوص المتعلقة بالجهاد أو القتال أو قضايا الولاء والبراء، خاصة عندما تُقرأ هذه النصوص بمعزل عن مقاصد الشريعة وسياقاتها التاريخية والفقهية. وهذا القصور في الفهم قد يجعل بعضهم عرضة للتأثر بخطابات الجماعات المتطرفة التي تبني تصورها على القراءة المجتزأة للنصوص، لا على الفهم المقاصدي الشامل للإسلام. فالمشكلة هنا لا تكمن في النص الإسلامي ذاته، وإنما في طريقة تلقيه وفهمه خارج المنهج العلمي المتكامل الذي يربط بين النصوص الجزئية والكليات الشرعية ومبادئ الرحمة والعدل والتعايش. ولهذا نجد أن بعض المنخرطين في الحركات المتشددة لم يتلقوا الإسلام عبر مسار علمي متوازن، بل عبر ترجمات جزئية وقراءات سطحية معزولة عن التراث التفسيري والفقهي، مما أدى إلى اختزال الإسلام في مفاهيم الصراع والعنف، بينما جوهر الرسالة الإسلامية قائم على الهداية والإصلاح وحفظ كرامة الإنسان.
وهذا يبين أن الترجمة حين تُفصل عن منهجها العلمي الصحيح، لا تكون مجرد نقل لغوي، بل قد تتحول إلى أداة لتشكيل تصورات حضارية غير متوازنة، خصوصاً عندما تُقرأ النصوص الشرعية خارج سياقها التفسيري والأصولي، ودون إدراك لخصوصية اللغة العربية وبلاغة الخطاب القرآني والنبوي.
هذه الإشكالات لا تعني رفض الترجمة مطلقاً، بل تعني ضرورة ضبطها علمياً ومنهجياً، بحيث تكون ترجمة تفسيرية لا حرفية، ومصحوبة دائماً بهوامش توضيحية وإشارات إلى السياق، مع التأكيد المستمر أن النص المترجم ليس هو القرآن ولا الحديث، وإنما هو تقريب للمعنى لا بديل عن الأصل. كما ينبغي أن تتم هذه الترجمات تحت إشراف علماء متخصصين في التفسير وأصول الفقه واللغة، حتى لا تتحول إلى مصدر لسوء الفهم أو التشويه غير المقصود.
وفي الختام، فإن النصوص الإسلامية بما تحمله من عمق لغوي وتشريعي لا يمكن اختزالها في قالب لغوي بسيط دون فقدان جزء من دلالاتها، ومن هنا تأتي خطورة الترجمة غير المنضبطة، وضرورة التعامل معها بوصفها وسيلة تعريف لا بديلاً عن الفهم العلمي المتكامل للنصوص الشرعية الأصلية .
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية


