jeudi 14 mai 2026
كتاب الرأي

عبد اللطيف البغيل: الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (6)

عبد اللطيف البغيل: الرسالة الملكية إلى العلماء  بين الاستمرارية على نهج الأسلاف  والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (6) عبد اللطيف البغيل

إن اعتناء الرسالة الملكية بكتاب: " الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية التي تشفى بها القلوب الصدية" للمولى محمد بن عبد الله، الذي تحدثنا عنه في الحلقة السابقة، هو استمرار لوفاء مولانا محمد السادس نصره الله لتراث سلفه، وسير على نهج أبيه مولانا الحسن الثاني وجده مولانا محمد الخامس طيب الله ثراهما ورضي عنهما، في تيمنهما وتفاؤلهما بهذا الكتاب النفيس، الذي لم يصنف مثله مضمونا ومنهجا، حيث جمع فيه ما اتفق عليه الأئمة الستة أبو حنيفة والشافعي وأحمد والبخاري، ومسلم ومالك، يذكر أولا ما اتفق عليه الستة، ثم ما اتفق عليه خمسة منهم، ثم ما اتفق عليه أربعة، ثم ما اتفق عليه ثلاثة، ثم ما اتفق عليه اثنان، ثم ما انفرد به كل واحد من الأئمة الأربعة، ثم ثنائيات البخاري ومسلم، والتزم تقديم أكبر الأئمة سنا في الذكر، مقتصرا في الأسانيد على ذكر الصحابي، ثم ختم بذكر مناقب آل البيت والعشرة، ومن استشهد منهم، ووفياتهم رضي الله عنهم، وافتتحه بعقيدة ابن أبي زيد القيرواني التي صدر بها رسالته وأول حديث فيه: " إنما الأعمال بالنيات". وإن كان رباعيا، لأن الأعمال كما قال: كلها موقوفة على هذا الحديث.
فكان هذا الكتاب بما تضمنه من أحاديث نبوية ومناقب آل البيت والعشرة المبشرين بالجنة وغير ذلك، جديرا بالاعتناء والتفاؤل والتيمن به، بالإضافة إلى أمور أخرى تدعو إلى هذا الاعتناء، ولعل من بينها ما يمكن اعتباره من الجوامع التي تجمع بين المحمدين، الملكين العظيمين من روابط متينة تتعلق بخصال حميدة وأعمال جليلة تحققت في عهديهما الزاهر، ومن ذلك: 
-  أن كلا من الملكين العظيمين قد ثبتت محبتهما وتعلقهما بالجناب النبوي الشريف وتعظيم قدره والاعتناء بميراثه والاهتمام بحديثه وسيرته العطرة، وتعظيم ذكرى مولده الشريف، وتبليغ ما جاء به من شرائع وسنن، ووجه كل منهما رسائل للعلماء في شأن ما يجب القيام به في خدمة الدين وتعظيم حرماته، فقد صدرت عن المولى محمد بن عبد الله رسائل عديدة في هذا الشأن، ومنها رسالة أشرنا إليها في الحلقة السابقة، واعتبرت بمثابة رسالة القرن، ووصفها صاحب الإتحاف بأنها رسالة فاخرة، وعنونها ب "نصيحة للأمة" بين فيها المولى محمد بن عبد الله ما يجب الاعتناء به من أصول الدين وقواعده في مجال العبادات والمعاملات والأخلاق. فهذه الرسالة وإن لم تكن موجهة إلى العلماء مباشرة، إلا أن مضمونها يعني العلماء باعتبارهم مبلغين ونائبين عن الإمام، وباعتبار أن المقصود من الرسالة لا يتحقق إلا عن طريق العلماء، لأنهم الأعلم بما تضمنته، ولأن عموم الناس لا يمكن لهم أن يحيطوا علما بما تضمنته الرسالة إلا عن طريق العلماء، فكانت هذه الرسالة بمثابة العام الذي يراد به الخصوص، إذ من المفترض أن تقع هذه الرسالة بين أيدي العلماء وتقع عليها أنظارهم وأبصارهم، قبل أن تصل عباراتها وجملها إلى آذان العوام، ويؤكد هذا أن هذه الرسالة نصت مباشرة على مسؤولية العلماء وتسديد أعمالهم وصلاحها أو مخالفتها لمقتضى الشريعة حيث قال رحمه الله: " فإن العالم إذا كانت بطانته صالحة كانت أعماله جارية على الصلاح والسداد، وإذا كانت بطانته على غير هداية كانت أحكامه مخالفة للشريعة فضل وأضل." 
والرسالة الملكية التي وجهها مولانا محمد السادس إلى العلماء بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم هي أيضا مما لها تعلق بالميراث النبوي، كارتباط رسالة سلفة المولى محمد بن عبد الله، وإن كان سببها غير مرتبط بالذكرى العطرة للمولد النبوي الشريف، والرسالة الأولى مرتبطة بهذا السبب لكنهما جميعا يتفقان على هدف واحد وهو العناية بميراث النبوة، وخدمة الدين وتبليغه وتعظيم حرماته ومقدساته، حيث إن كل ما ذكره مولانا محمد السادس يلتقي مع غاية من غايات رسالة سلفه المولى محمد بن عبد الله. وميراث النبوة من خصوصياته أنه يرتبط بعضه ببعض، ويتكامل بعضه مع بعض، ويلتقي بعضه ببعض في المنطلق والمصدر، ويشترك بعضه مع بعض في الغايات والأهداف.
-  كما أنه في العهدين معا تمت مباشرة إصلاحات كبرى على مستوى التوجيه الديني ومناهج تبليغه ويمكن اعتبار الرسالة المشهورة التي كتبها المولى محمد بن عبد الله والتي وصفت بأنها رسالة القرن في وقته تدخل في هذا الباب، كما أن رسالة الملك محمد السادس بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد رسولنا الأكرم تدخل في هذا النطاق، فهي وإن لم تكن مؤسسة لهذا الإصلاح باعتبار أنه انطلق فعلا منذ مدة طويلة، إلا أنها جاءت في سياقه ومواكبة له وداعمة له وفاتحة أمامه آفاق النجاح وسبل تحقيق مردودية أكبر، يظهر أثرها على المجتمع وعلى الحركة العلمية والتعليمية بالمملكة الشريفة.
- كما أن كلا المحمدين الملكين العظيمين، يصح أن يوصف كل منهما بكونه مجدد عصره، في إطار الدولة العلوية الشريفة، فقد كان المولى محمد بين عبد الله مجددا كبيرا على جميع المستويات؛ ومنها تجديد مناهج التعليم والخطاب الديني وغير ذلك، وكذلك مولانا محمد السادس هو مجدد كبير، وفي عهده عرف التعليم العتيق مستجدات كبيرة مست طرق ومناهج التدريس ومضامين المقررات الدراسية، وطرق إدارة المؤسسات التعليمية وغيرها، كما أن الخطاب الديني في عهده الزاهر يعرف تطورا كبيرا واتخذ وسائل وأساليب متعددة، وفي غاية التطور والتجديد، وهو ما تعرفه قطاعات أخرى كثيرة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك كثير، وبهذا يظهر أن العنوان الأبرز الذي يجمع بين العهدين المحمديين هو التجديد في كل، تجديد شامل لا يغفل أي شيء، مما تتوقف عليه الحياة الكريمة وما تتطلبه من وسائل وإمكانيات وضروريات وحاجيات وتحسينات.
-فما بين المحمدين مسافة قرون ولا زالت رابطة العهد موصولة وعقدة الوفاء بالأمانة مكفولة، وإن الذي يوازن بين العهدين على ما بينهما من بعد الزمان،  يدرك أن ما يميزهما هو التجديد في كل المجالات، لاسيما التجديد في مناهج التعليم ودراسة العلوم الشرعية، وهو ما انعكس إيجابا على الحركة العلمية والثقافية في العهدين، وتميزا بظهور نصوص غاية في الإبداع والبراعة إلى درجة أن قصيدة الشمقمقية لابن الونان التي هي من عيون القصائد التي قيلت في عهد المولى محمد بن عبد الله، أصبحت اليوم حملا خفيفا على ظهر حمار الشعراء للشيخ عبد الهادي حميتو رحمه الله، وهي قصيدة كتبت في عهد مولانا محمد السادس وعلى نفس البحر الشعري وهو بحر الرجز، وأن أقل مقارنة بين القصيدتين تجعلنا نستنتج أن فارق الزمان بين العهدين، لم يؤثر على أصالة النًفَس المغربي في النظم، ولا لغته تغيرت ولا أصابها ما يصيب اللغة أحيانا من تقهقر أو نقص في توليد المعاني أو قصور في تحميل هذه اللغة صورا من عوالم غابرة، والتعبير عنها بما يفهم المعنى ويتم ملامح هذه الصورة ويحقق الغاية ببراعة وتمام إجادة، وكأن الشاعر من عالم انقرض ومضى وليس من عالم معاصر بينه وبين مهد اللغة العربية قرون خلت. 
هذا وغيره كثير مما لا يتسنى ذكره هنا لضيق المقام، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الثبات على المنهج والوفاء للأسلاف والسير على سَننهم في القيام بشؤون الرعية، وخاصة في صيانة الميراث الروحي ونقله على أصالته وحقيقته التي تبلورت في الواقع المغربي بما يعتمل في هذا الواقع من قيم وأخلاق وعادات، وممارسات، وعلى ما جرب في هذا كله من قدرة هذا الميراث الروحي على إدامة استقرار الأمة المغربية وإدامة وحدتها، ومنعتها، وقدرتها على كسب التحديات، وعلى التأثير الإيجابي في المحيط الإقليمي والدولي.
لأجل هذا كله، لا يمكن بحال تغييب الخصوصية المغربية باعتبارها مدرسة أصيلة أسدت للعالم الإسلامي خدمات جليلة وحفظت للإسلام جزءا غير قليل من تراثه الزاخر، فكم من مخطوط علمي أو أدبي أو فلسفي أو طبي أو فلكي أو غير ذلك، تم إحياؤه انطلاقا من الخزانة العلمية المغربية،  وكم من وثيقة جليلة القدر تم إعلانها انطلاقا من وثائق هذه الخزانة، ولذلك فإن هذه المدرسة لا يمكن تغييبها عند المناقشة أو البحث في أمهات العلوم، ويتحتم على الباحث أن يرجع إلى المصادر المغربية في هذه العلوم، كيف لا والمغرب يحتضن أقدم جامعة في العالم، وهي جامعة القرويين، حيث كانت العلوم تدرس وفق منهج صارم، وحيث الشهادات العلمية تعطى لمستحقيها بعد مسار علمي عميق وذي أفق موسوعي، وحيث الإشعاع العلمي لهذه الجامعة دفع طلاب المعارف والعلوم لقطع الفيافي والقفار، للالتحاق بحلقات العلم بهذه الجامعة.

 دعبد اللطيف البغيل، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة.