صباحُ السياسة اليوم لا يشبه أمسها، فالدول التي كانت بالأمس تمسك زمام الاتحاد الأوروبي وتُدير دفته وتخطُّ مساراته بقلمها وتنظيراتها السياسية والاقتصادية والثقافية وكذلك العسكرية والأمنية، أصبحت اليوم تقرأ بيان الختام مع جمهور القرّاء، مثلها في ذلك كمثل "أيها الناس" !! ومن أبرز الأمثلة على هذا التبدّل، "الجمهورية الفرنسية الخامسة" بالذات.
هذه الجمهورية، التي خرجت من حربٍ مدمّرة لتبني مع جارتها ألمانيا صرحاً أوروبياً يُقال عنه إنه "مشروع سلام"، صارت اليوم تتلمّس مكانها في قاعةٍ امتلأت بأصواتٍ جديدة، لم تعد تكترث لبهلوانياتها السياسية المشخصنة في رؤسائها الثلاثة الأخيرين، المتنافسين، فقط لا غير، على ضحالة الأداء وهوان النتائج !!
وليس هذا التراجع الفرنسي وليدَ لحظة عابرة، ولا نكبةً بنكهة المفاجأة أو الصدفة، بل هو حصادُ خيباتٍ متراكمة في ملفاتٍ دولية وأوروبية وإفريقية... خيباتٌ جعلت من باريس دولةً تُكثِر الكلام وتُقلّل الفعل، مما جعلها تفقد شيئاً من هيبتها، وجزءاً من قدرتها على الإقناع، والأكثرَ من ذلك، جعلها تفقد صورةَ "القائد" التي طالما اعتنقتها في مخيالها السياسي... فكيف حدث هذا التغيير بالغ السلبية؟ وأين أخطأت باريس حتى صارت تُرى في بروكسيل كشريكٍ مُربِك، وفي إفريقيا كإرثٍ ثقيل ينبغي التخلص منه، وفي العالم كصوتٍ يُسمَع فقط دون أن يُطاع؟!
إن ذلك يطول شرحه وتوضيحه ولكن الفلاشات التالية كافية للدلالة عليه:
تدهور المكانة الإفريقية:
أوْصدت إفريقيا الباب ووضعت نهايةً مأساوية ل"الحديقة الخلفية الفرنسية"، وجاءت الضربة القاضية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي جرت فيها، من تحت البساط الفرنسي، انقلابات متتالية تم على إثرها طرد "عساكر الإيليزي"، وصار الخطاب المتداوَل في تلك الدول عدائياً ويشير إلى "فرنسا الاستعمارية"، التي خرجت لتدخل مكانَها روسيا والصين وتركيا، بينما الغابون الصديقة الوفية، والسنغال المخلة بمظاهر الصداقة بسبب مباراة في كرة القدم، تشهدان في الظرفية الراهنة توتراً دبلوماسياً ومراجعةً لاتفاقياتهما العسكرية مع باريس، التي صارت تُعامَل كـ"شريك مشكوك فيه" وليس كحامٍ أو كفيلٍ كما كان عليه الأمر من قبل!!
والنتيجة؟ أن فرنسا فقدت صفةَ "إفريقيا الناطقة بالفرنسية"، التي كانت تستخدمها كورقة ضغط داخل الاتحاد الأوروبي، وفي أروقة الأمم المتحدة، ممّا زاد في إضعاف صوتها وخاصةً في ملفَّي الهجرة والطاقة!!
الخيبات الأوروبية.. من قائد يُعتدّ به إلى حضور هامشي مُريب:
لقد كانت فرنسا تريد قيادة أوروبا مع ألمانيا، وكذلك كان فعلاً لفترة من الوقت، بيد أنّ الصورة الآن تغيرت... فكيف ذلك؟
بخصوص الملف الأوكراني، جاءت مبادرة ماكرون، "لا نستبعد إرسال قوات"، لتربك حسابات الأوروبيين ومواقفهم، قبل أن تتراجع تلك المبادرة بعد ذلك بلا دوافع ظاهرة وجلية ما عدا الارتجالية والارتباك، وبذلك صارت ألمانيا وبولندا ودول البلطيق تقود مُجتمعةً الخط العسكري الأوروبي، في حين أن فرنسا صار صوتها أعلى من فعلها !!
فقدان أوروبا لقاطرتها الثنائية الدافعة:
عندما تعطل المحرّك "الفرنسي-الألماني"، الذي نصّب نفسه بمجرد تأسيس الاتحاد الاوروبي قاطرةً لا غنى عنها لتحريك القطار الأوروبي صوب مقاصده المسطّرة في ديباجته، صارت فرنسا تعتمد نمطا دبلوماسياً أكثر صخباً وضجيجاً ولكنه يكاد يكون عديم الفائدة، وأشبه ب"جعجعة بلا طحين، أو بمعارك "ديلامانشا" الدونكيشوتية؛
الأمراض المستعصية في داخل النسيج الفرنسي:
تتمثّل هذه الأفات على الخصوص في اقتصاد متعثر وبيت سياسي متصدّع، مع ارتفاع الأصوات المطالبة باستقالة الرئيس ماكرون، بمثلما كانت من قبل تطالب باستقالة الرئيس فرانسوا هولند، وقبله الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي تحول الآن إلى نزيل سجون !!
إن المرء وهو يقلّب صفحات هذا التراجع الفرنسي، أو بالأحرى السقوط المدوّي لجمهورية فرنسا الخامسة، لا يسعه إلا أن يتساءل: هل ما نشهده اليوم هو أزمة شخص، أم أزمة مشروع؟ هل يعتبَر هذا التراجع الفرنسي عابراً كغياب طارئ ومؤقت لقائد عسكريٍّ في ميدان المعركة، أم هو أفولٌ تاريخيٌّ لدولةٍ ظنت أن التاريخ يُكتب بالخطاب وحده، ونسيت أن القوة اليوم تُقاس بميزان الاقتصاد، وصدقية الكلمة، وبقدرة الدولة على حماية مصالحها بلا وصاية ولا استعلاء، وعلى الأخص من ذلك، تكريس وإثبات قدرتها الفعلية على معالجة أورامها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، في وقت كثرت فيه المظاهرات والاحتجاجات، وتزايَد فيه عدد "الياقات الصفراء"، وارتفعت فيه داخل قبة الجمعية الوطنية (مجلس النواب الفرنسي) أصوات لا تقبل بديلا عن الاستقالة العاجلة لرئيس شَخْصَنَ تدبيره للشأن العام الفرنسي فزاد الطين بذلك بَلَّةً؟!
الاتحاد الأوروبي اليوم يبدو سفينةٍ بلا قبطانين. فألمانيا مشغولة بترميم بيتها، وفرنسا مشغولة بترميم صورتها. وفي غمرة هذا الفراغ، تنهض عواصم كانت بالأمس تلميذةً في مدرسة بروكسيل، فصارت اليوم تُعلّم وتقدّم الدروس والعِظات !!
ويبقى القول، إن باريس إذا لم تَستدرِكْ أمرها، وتُعِدْ بناء قوتها من الداخل قبل أن تطلب القيادة في الخارج، فإن التاريخ لن يرحمها، بل سيذكرها كدولةٍ كانت في البداية أساسيةً، ثم صارت بعد ذلك هامشيةً، وسيُذكَر الاتحاد الأوروبي من جرّاء ذلك كمشروعٍ عظيم، لكنه خسر أحد عموديه الأساسيين، فصار يمشي بعكازة ملتبِسة.
فإلى أين يا باريس؟ وإلى أين يا أوروبا؟ تلك هي الأسئلة التي لم يعد يجوز تأجيلها... لأن الزمن لا ينتظر، ولا يعود !!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.


