على هامش الندوة الدولية للمعهد العالي للفن المسرحي والنشيط الثقافي "ISADAC" الموسومة بـ "الكتابة والإخراج المسرحي. الروابط. التحولات. والبيداغوجيا" والتي نظمها المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي يومي 14 و 15 ماي 2026، بمختبر مسرح "إيزاداك" بالرباط، حيث خصصت فعاليتها لتدارس قضايا الكتابة الدرامية والإخراج المسرحي المعاصر. ومن المعلوم أن هذه الندوة تندرج ضمن إرادة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في تعزيز التبادل العلمي والفني الدولي، ومواكبة التفكير المعاصر حول فنون العرض وتحولاتها الجمالية والبيداغوجية والتكنولوجية.
في هذا السياق تتقاسم جريدة "أنفاس بريس"عصارة بعد مداخلات الجلسات الدراسية والفكرية التي كانت مبرمجة يوم الخميس 14 ماي 2026.
إليكم عصارة مداخلة الباحث والمؤلف أنس العاقل:
استهل الباحث والمؤلف أنس العاقل في بداية مداخلته بالتأكيد على أن المعهد العالي "إيزاداك" حري به "أن يكون هو القاطرة لهذا النوع من التفكير الأكاديمي الذي اشتغلت عليه المديرة لطيفة أحرار بتنسيق مع ثلة من الأساتذة"، أضاف منتشيا بقوله "وها نحن نجد أنفسنا نلتئم في هذه الندوة الفكرية الدولية تحت سقف المختبر حيث تحقق المقترح العملي ميدانيا من أجل تطوير منظومة التكوين" بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي.
انطلق أنس العاقل في مداخلته الموسومة بـ "التداخل الأجناسي في الكتابة المسرحية" من ملاحظة أساسية، على اعتبار أنه يكتب في جنس الرواية وفي مجال السيناريو، ويعرف خصوصية كل جنس من الأجناس، وأورد في حديثه بأن الرواية كانت سباقة في مفهوم تداخل الأجناس وكانت سباقة في مفهوم التَّنَاصْ، ولكن هذه المفاهيم الآن، بدأت تدخل إلى مجال الكتابة المسرحية بل وحتى في الممارسة المسرحية.
ركز نفس المتحدث في مداخلته على ملاحظة أساسية وهي أن الكتابة المسرحية المعاصرة "لم تعد قابلة للفهم ضمن حدود جنس مسرحي صاف ومغلق"، واستشهد بـ "أرسطو" الذي كان لديه نفس التصور، أي أن "الجنس المسرحي يجب أن يظل صافيا"، وأكد على أن "الخلط بين الكوميديا والتراجيديا كانت عيبا"، وأضاف موضحا بأننا انتقلنا من "مفهوم خلط الأنواع وخلط الأجناس، إلى خلط أجناس أدبية وغير أدبية"...وكشف في مداخلته عن "حدود الإبتكار في هذا الخلط الذي يكون في بعض الأحيان شكلاني وقد يقود إلى تسطيح الممارسة المسرحية المعاصرة" حسب وصفه
وقال أنس العاقل مستغربا في هذا الصدد، بأن النص المسرحي "صار فضاء مفتوحا، تتقاطع داخله أنماط تعبيرية وخطابية متعددة"، حيث لم يعد النص المسرحي المعاصر "منغلقا عن الأجناس الأدبية التقليدية، وأصبح يستوعب خطابات متعددة". واستحضر في هذا السياق على سبيل المثال لا الحصر، "توظيف خطاب يومي، وخطاب رقمي، وخطاب صحفي، وسياسي، وخطاب فلسفي وأسطوري، وخطاب وثائقي" وأشار إلى توظيف عدة أساليب مختلفة مثل، "أسلوب حواري، أسلوب شعري، أسلوب حجاجي، أسلوب هدياني وأسلوب ساخر" بل أنه وقع انفتاح على أجناس أدبية وغير أدبية كـ "القصيدة والحكاية والسيرة والتدوينة الرقمية والتصريح الصحفي والرسالة والوثيقة" ليخلص إلى أن الكتابة المسرحية "غدت مجالا لإعادة تركيب خطابات وأجناس متباينة داخل نسيج دراماتولوجي واحد".
من هذا المنطلق أبرز المحاضر أنس العاقل مفهوم التداخل الأجناسي "بوصفه أحد المفاهيم المركزية للتحولات الكتابة المسرحية المعاصرة وانفتاحها على أشكال تعبيرية متغايرة".
في سياق متصل طرح نفس المتحدث بعض الأسئلة ذات الصلة منها: إلى أي حد يمكن تداخل الأجناس أفقا فعليا للإبتكار في الكتابة المسرحية؟ ومتى يمكن أن ينقلب في المقابل إلى مجرد شكلانية قائمة على تراكم عناصر متغايرة دون ضرورة جمالية أو دلالية حقيقية؟
وانطلق من فرضية أن قيمة التداخل الأجناسي لا تكمن في "مجرد حضور عناصر مستعارة من أجناس أو خطابات أو وسائط مختلفة بل تكمن في قدرة الكتابة المسرحية على إعادة تنظيمها داخل بنية دراماتولوجية منسجمة قادرة على إنتاج المعنى وإنتاج طبقات المعنى".
في مفهوم التداخل الأجناسي المعاصر، أكد أنس العاقل أن النص المسرحي "لم يعد كما كان قائما على الحقيقة المحكمة ووحدة الصراع" وأصبح في نظره "أكثر انفتاحا على التشظي والتقطيع وتعدد الأصوات والإنزياح إلى أنظمة تعمير مختلفة". وشدد على أن هذا التحول قد ارتبط بصعود المسرح ما بعد الدرامية وبانفتاح المسرح على وسائط أخرى".
وتناول بالدرس والتحليل خصوصية التداخل الأجناسي في عرض مسرحي للكاتب والمخرج والممثل ياسين أحجام، في مسرحية "أكستازيا" كنص معاصر، والذي تحول إلى عرض معاصر وراهن، حيث لا يكتفي بمعالجة الصراع الزوجي في معناه الواقعي والنفسي المباشر، بل يعيد تركيب هذا الصراع داخل بنية دراماتولوجية مركبة، تتقاطع فيها المرجعيات الفلسفية والأسطورية والأدبية والتشكيلية.


