في هذا الحوار يتحدث الدكتور أحمد الفرحان عن عدد من القضايا السياسية الراهنة، من بينها جدوى الانتخابات بالمغرب، وطبيعة المشهد الحزبي، وتراجع الثقة في النخب السياسية، إضافة إلى واقع اليسار المغربي، ومستقبل التحالف الانتخابي بين الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، وكذا السبل الكفيلة بإعادة الاعتبار للفعل السياسي.
تصاعد في السنوات الأخيرة خطاب التشكيك في جدوى الانتخابات بالمغرب، خصوصا مع اتساع إحساس عام بأن السياسة فقدت المعنى. كيف تقرأ الوضع؟
أعتقد أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بضعف الثقة في الأحزاب أو في النخب، بل نحن أمام ظاهرة أعمق يمكن تسميتها بـ"الخواء السياسي". أي عندما تصبح السياسة موجودة شكليا، لكن تفتقد القدرة الحقيقية على إنتاج المعنى الجماعي للمواطنة. فتجد أن المؤسسات قائمة، والانتخابات تُنظم، والخطابات تُلقى، لكن المواطن فاقد كل الثقة بأن صوته قادر على التأثير في الاتجاه العام للدولة والمجتمع. وهنا، يكمن الخطر، ليس فيما نعتقد عادة، بظاهرة ضعف المشاركة، بل في تحول المجال العمومي إلى فضاء من اللامبالاة، لأن أخطر أشكال الهيمنة في المجتمعات ليست دائما تلك التي تعتمد المنع المباشر، بل تلك التي تجعل الناس يقتنعون بأن السياسة بلا جدوى أصلا.
على إثر المشاركة في الانتخابات، هناك من يرى أن الانتخابات في المغرب لا تغير موازين القوى بشكل جذري، ولذلك تصبح المشاركة نوعا من الشرعنة فقط لضعف المؤسسات. ما رأيك؟
هذا التصور يتضمن نصيبا من الصحة، لكنه يقف عند زاوية معينة تفضي إليها العملية الانتخابية وهي زاوية: من يحكم؟ ولكن يجب أن ننظر من زاوية أخرى لتكتمل لنا الصورة وهي: هل لا يزال المجتمع قادرا على إنتاج فعل سياسي جماعي؟ بمعنى أن الانتخابات في بلادنا لم تصل بعد إلى المستوى الذي ننظر فيه من زاوية: من يحكم؟ بل هي عملية تقتضيها الممارسة الديمقراطية، وللحفاظ على هذا الحس السياسي ضد "الخواء السياسي" يجب أن ندافع عن حق المجتمع في إنتاج الفعل السياسي، لنصل به إلى مستوى الشريك في الحكم أولا، وبعدها نتحدث عن مفهوم "السيادة الشعبية" المؤسس للديمقراطية. وإذا ألقينا نظرة على تجارب المجتمعات، سنلاحظ أنه حتى في السياقات الهشة التي تعاني أعطابا ديمقراطية، تظل الانتخابات فضاء للصراع حول معنى السياسة نفسها. وخصوصا أن الانسحاب الكامل لا يخلق فراغا محايدا، بل يترك المجال لقوى المال والزبونية والتدبير التقني البارد للمجتمع. بمعنى آخر: حين ينسحب المواطن الواعي من المجال الانتخابي، لا تختفي السياسة، بل تُترك لمن يعتبرها مجرد إدارة للمصالح، وليس دفاعا عن قيم الوطنية والإنسانية. لهذا أقول إن المشاركة ليست دائما تعبيرا عن الرضا، بل قد تكون أحيانا شكلا من أشكال "المقاومة الرمزية" ضد تفريغ المؤسسات من معناها، وشكلا من أشكال "المقاومة الأخلاقية" للترافع ضد الفساد والإفساد السياسي.
استعملت مفهوم "الخواء السياسي". ماذا تقصد به تحديدا في الحالة المغربية؟
أقصد تلك اللحظة التي تتحول فيها المؤسسات إلى هياكل بلا معنى، وأفعال سياسية بلا قيم. حين يصبح البرلمان مجرد فضاء للضجيج، والأحزاب آلات انتخابية موسمية، والنخب منشغلة بإعادة إنتاج مواقعها أكثر من انشغالها بإنتاج أفق جماعي للمجتمع. "الخواء السياسي" ليس حدثا فجائيا، بل مسار طويل من تآكل الثقة. يبدأ حين يشعر المواطن أن القانون لا يحمي الجميع بنفس الدرجة، وأن السياسة لا تفتح إمكانيات جديدة، وأن النقاش العمومي فقد عمقه الأخلاقي والفكري. في هذه اللحظة، لا تعود المشكلة فقط في ضعف الديمقراطية، بل في ضعف الرغبة في الديمقراطية نفسها. وهذا أخطر بكثير.
إذن، هل يمكن القول إن خوض الانتخابات فعل نضالي يتطلب الشجاعة والجرأة؟
بالتأكيد، لكن بشرط ألا تتحول الشجاعة والجرأة إلى خسة ونذالة في سباق محموم على المقاعد. من منظوري، النضال الديمقراطي داخل المؤسسات ليس راحة سياسية، بل مواجهة يومية مع خطرين كبيرين: الخواء والابتلاع البيروقراطي. إذ، كثير من الفاعلين يدخلون المؤسسات حاملين خطاب التغيير، ثم يتحولون تدريجيا إلى جزء من منطق التدبير نفسه. هنا يحدث ما أسميه "المسخ السياسي": حين يفقد الفاعل قدرته على الاحتفاظ بالمسافة النقدية بينه وبين المؤسسة. لذلك فالمشاركة الديمقراطية تحتاج إلى يقظة دائمة، وإلى شجاعة أخلاقية. لأن المؤسسة قادرة دائما على تحويل السياسة إلى وظيفة، والمناضل إلى موظف سياسي.
هل هذا ما يفسر فقدان الثقة في جزء من النخب السياسية؟
نعم. الناس لا تفقد الثقة فقط بسبب ضعف الأداء والإنجاز، بل أيضا حين تشعر أن الخطاب السياسي فقد صدقه الداخلي. المواطن المغربي اليوم يمتلك حساسية كبيرة تجاه التناقض بين القول والممارسة، وحين تتحول السياسة إلى مجرد تقنية انتخابية، يفقد المجتمع علاقته الأخلاقية بالمجال العمومي. ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى إصلاحات تقنية، بل إلى إعادة بناء المعنى السياسي نفسه: لماذا ننتخب؟ ما معنى التمثيل؟ ما وظيفة الحزب؟ ما معنى المسؤولية العمومية؟ بدون هذا البعد الرمزي والأخلاقي، تتحول الديمقراطية إلى إجراءات بلا غايات.
البعض يدعو إلى المقاطعة باعتبارها موقفا أخلاقيا. كيف تنظر إلى ذلك؟
لقد كنت دائما ضد المقاطعة كمبدأ في الممارسة السياسية، ولكن في لحظات معينة من الصراع السياسي تكون المقاطعة مفهومة. في الواقع يبدأ موقف المقاطعة في إثارة التساؤلات حول الغاية منه حين يتحول إلى موقف دائم وكأن الواقع لا يتحرك سواء سلبا أو إيجابا، بينما يتطلب من الفعل السياسي الحي أن يجيب عن كل لحظة من لحظات الزمن السياسي بما يخدم الديمقراطية ويمنح بعض الثقة في الحياة السياسية. لأن الانسحاب المستمر من المجال المؤسساتي يخلق نتيجة خطيرة: ترك السياسة لمن يجيدون استعمال الفراغ، وتدبير الخواء. وهكذا، يمكن القول إن المجتمع الذي ينسحب كليا من المعركة الانتخابية قد يجد نفسه أمام مؤسسات تعيد إنتاج كل أشكال السلطوية وتبرر كل أشكال الهيمنة والاستبداد. لقد تعلمنا درسا مفيدا من تجارب المجتمعات في التاريخ أن الديمقراطية لا تُبنى دفعة واحدة، بل عبر تراكمات وصراعات طويلة، مصحوبة بنجاحات وإخفاقات. لهذا، فالانتخابات، رغم كل أعطابها، تبقى إحدى المساحات القليلة التي يمكن فيها تحويل الغضب السياسي إلى فعل سياسي منظم.
ما الذي يحتاجه المغرب اليوم لتجاوز هذا "الخواء السياسي"؟
يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة تسييس المجتمع، لا بمعنى دفع الناس إلى الحديث في السياسة، وهو ما نشاهده الآن في مواقع التواصل الاجتماعي، بل بمعنى إعادة الاعتبار لفكرة الشأن العام. نحتاج إلى نخب تمتلك شجاعة التفكير لا فقط مهارة التدبير، وإلى أحزاب تفكر في تنمية المجتمع من منظور العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في العيش الكريم، لا من منظور الأرقام والمشاريع الكبرى التي لا تنعكس على واقع المواطنين في حياتهم اليومية. نحتاج فعلا إلى تمكين الأحزاب من قوانين شفافة ونزيهة تنظم اشتغالها باعتبارها شريكا في تأطير المجتمع وقوة سياسية من قوى بناء الدولة. بدل تحويلها إلى "تريطورات" في المواسم الانتخابية. كما نحتاج إلى مواطن يشعر أن السياسة ليست شأنا بعيدا عنه. ويمكن القول في هذا السياق أننا لن نستوعب الديمقراطية فكرا وممارسة إلا حين يبدأ المجتمع في رفض تحويل المؤسسات إلى مجرد ديكور، وحين تصبح الانتخابات لحظة لإعادة إنتاج المعنى الجماعي للعدالة والقانون والإرادة الشعبية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يفوز، بل حول ألا يتحول المجال السياسي نفسه إلى فراغ كبير مغطى بالضجيج والمهاترات.
في هذا السياق، كيف تنظر إلى التحالف الانتخابي بين الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي؟ هل يمكن لمثل هذا التقارب أن يعيد جزءا من المعنى إلى الفعل السياسي؟
تكمن أهمية هذا النوع من المبادرات في قدرتها على إعادة طرح سؤال اليسار نفسه داخل المجتمع المغربي بعيدا عن الحسابات الانتخابية الضيقة، وخصوص أن الأزمة اليوم ليست فقط أزمة تنظيمات، بل أزمة أفق سياسي وفكري. حين نتحدث عن تحالف يساري، فالمسألة الأساسية ليست جمع المقاعد أو توحيد الشعارات، بل السؤال المطروح هو: هل يستطيع هذا التقارب أن يعيد الثقة في إمكانية وجود قوة سياسية تدافع عن العدالة الاجتماعية والدولة الاجتماعية والكرامة السياسية للمواطن؟ هنا يصبح التحالف فعلا رمزيا أيضا، لأنه يواجه حالة التشتت التي ساهمت طويلا في إضعاف المعنى السياسي لليسار.
لكن هناك من يعتبر أن التحالفات اليسارية في المغرب غالبا ما تبقى نخبوية، ولا تنجح في التحول إلى قوة مجتمعية حقيقية. هل توافق هذا الرأي؟
إلى حد كبير، نعم. جزء من أزمة اليسار المغربي أنه انشغل أحيانا بصراعات الهوية التنظيمية أكثر من انشغاله بإعادة بناء علاقته بالمجتمع، فالناس لا تبحث فقط عن خطابات نقدية، بل عن قوى سياسية قادرة على تحويل النقد إلى أفق يومي ملموس. إن أي تحالف يساري لا يستطيع النزول من الخطاب السياسي النقدي إلى الخطاب السياسي الاجتماعي الفاعل سيظل محدود التأثير. لأن المعركة اليوم ليست فقط ضد الاختلالات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، بل أيضا ضد الإحساس الجماعي بأن السياسة لم تعد تعبر عن الناس.
هل يمكن لهذا التحالف أن يشكل مقاومة لما وصفته بالخواء السياسي؟
يمكنه أن يفعل ذلك إذا فهم أن المسألة أعمق من مجرد تنسيق انتخابي. لا يمكن مقاومة "الخواء السياسي" بالاتفاقات التنظيمية والتحالفات الانتخابية الظرفية فقط، ولكن، وهذا هو الأهم، هو إعادة بناء المشروع المجتمعي للتقدم والتحرر، ونحن نعلم أن اليسار مكون تاريخي واجتماعي وثقافي في بناء الدولة والمجتمع بالمغرب المعاصر، إذ لا يمكن لهذه الأعطاب التنظيمية والعوائق الفكرية التي يعاني منها اليوم، وهي تمس كل التنظيمات اليسارية في العالم بحكم التحولات الجذرية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، أن نتعبره رقما من بين الأرقام في المشهد الحزبي ببلادنا. ويكفي أن تنظر إلى الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، أو ما نسميه: "النضالات الشعبية" ضد الظلم والقهر والاستغلال والفساد والقمع في الشارع المغربي، لتعرف إلى أين تغلغلت ثقافة اليسار في السلوك الاجتماعي للمواطن المغربي، وأيضا المقاومة المستمرة ضد الممارسات الثقافية المحافظة والرجعية واليمينية، والمناهضة الدائمة لكل أشكال العنف والاضطهاد والإقصاء عالميا. والنظام السياسي في المغرب يعرف هذا جيدا، ولهذا دائما تجد أنه يسعى في كل استحقاق انتخابي أو محطة سياسية كبرى في التنمية أو في المواقف السياسية الوطنية والدولية من قضايا التي تمس السيادة ومصالح بلادنا، يسعى إلى إعادة ضبط ومراقبة الحقل السياسي. السؤال هو: كيف يستثمر اليسار المغربي هذا الرأسمال الرمزي والمادي من تاريخ اليسار في إعادة إنتاج المعنى السياسي داخل المجتمع؟
أنا بدوري هنا لا أستطيع أن أجيب، لأننا نحتاج هنا كما كان يقول الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري إلى "نقد العقل السياسي" و"نقد الحاجة إلى الإصلاح"، وهذا لا يكون متاحا فكريا إلا إذا قمنا بتشجيع مشاريع "تدوين" تاريخ اليسار المغربي. هناك أطروحات جامعية جيدة في هذا المجال، كما أن هناك شهادات مكتوبة ومؤلفات، ولكن من المفروض أن تعمل مراكز البحث والدراسات التي تحمل أسماء زعماء سياسيين يساريين، والتي تشكل الذراع الفكري والثقافي للأحزاب أن تواكبها بالدرس والبحث والنقد، وليس بقراءات باردة علميا، يغلب عليها المجاملات.
لنعد مجددا إلى سؤالك، نعم يمكن للتحالفات اليسارية أن تقاوم "الخواء السياسي" حين تعمل الأحزاب اليسارية على تجديد رؤيتها للدولة والمجتمع والعدالة والحقوق. وأن تعمل هذه القوى على الربط بين الممارسة الديمقراطية والكرامة الاجتماعية، وبين ممارسة الحرية والعدالة المجالية، وبين الفعل السياسي والحياة اليومية للمواطن. آنذاك يمكن أن تستعيد قوى اليسار جزءا من وظيفتها التاريخية.
هناك أيضا من يخشى أن يؤدي النضال في المؤسسات بأقلية غير قادرة على التأثير أو الإسهام في اتخاذ القرار إلى تآكل الخطاب النضالي لليسار نفسه. كيف يمكن تجنب ذلك؟
هذا سؤال جوهري. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قوة يسارية نقدية معارضة هو أن تتحول تدريجيا إلى جزء من الروتين المؤسساتي. لذلك قلت سابقا إن النضال داخل المؤسسات يحتاج إلى يقظة دائمة ضد الابتلاع البيروقراطي. اليسار، تحديدا، يفقد معناه حين يتحول إلى مجرد فاعل انتخابي تقني. قوته التاريخية كانت دائما في قدرته على حمل الحساسية الاجتماعية والأخلاقية داخل المجال العمومي إلى المؤسسات. وفي عملية التبني والحمل هذه تكمن فاعلية الممارسة، لأنه فإذا فقد هذه القدرة، يصبح مثل أي جهاز انتخابي آخر. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام أي تحالف يساري في المغرب ليس فقط الفوز بمقاعد إضافية، بل الحفاظ على استقلاليته النقدية وعلى صلته بالمجتمع، لا أن يتحول إلى مجرد رقم داخل توازنات المشهد السياسي.
هل تعتقد أن المجتمع المغربي ما يزال بحاجة إلى يسار ديمقراطي اليوم؟
أكثر من أي وقت مضى. لكن ليس يسار الشعارات الجاهزة أو الحنين الإيديولوجي، بل يسار قادر على فهم التحولات الجديدة للمجتمع المغربي: الهشاشة الاجتماعية، أزمة المدرسة العمومية، العدالة الترابية، التحولات الثقافية، أزمة الثقة، وسؤال الكرامة.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى تنافس انتخابي شريف ونزيه فقط، بل إلى قوى سياسية تعيد ربط الديمقراطية بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي. وإذا استطاع اليسار أن يقدم نفسه باعتباره حاملا لهذا الأفق، فقد يستعيد جزءا من وظيفته التاريخية. أما إذا بقي أسير الانقسامات الصغيرة أو الحسابات التنظيمية الضيقة أو الانجراف إلى الشعبوية أحيانا والسقوط في مصيدة الأطروحات اليمينية والمحافظة، فسيظل عاجزا عن مواجهة الخواء السياسي الذي يتوسع داخل المجتمع بصمت، هذا إن لم يتورط هو بدوره في تعميقه.


